| سعد خالد الرشيدي | قبل شهرين تقريباً كنت أخطط لزيارة تركيا للاستجمام السياحي، لكنني لم أفعل لأسباب شخصية، وقتها التقيت بصديق لي في أحد الدواوين وسألني فيما يبدو أنه يريد أن يأخذني إلى جولة فكر، كيف يمكن للموظف المواطن أن يهتم بتطوير أدائه باستمرار ويحلم بالإنجاز، إذا كان يعلم مسبقاً أنه سيظل في مكانه «محلك راوح» وان مديري عمله الكبار سيظلون على كراسيهم من دون تقاعد حتى تشيب رأسه. قبل فترة اتخذ وزيرا التجارة والصناعة أنس الصالح والشؤون الاجتماعية والعمل ذكرى الرشيدي أخيراً قرارات طال انتظارها تضمنت تدوير قيادات في الوزارتين، وكذلك إحالة بعضهم إلى التقاعد، وإذا كانت قرارات الوزيرين شرعت باب الأمل أمام الموظفين الحكوميين في امكانية الترقي وتبديل الوجوه القديمة في أروقة الوزارتين بما يضمن أداءً سلساً لوظائف القطاع الحكومي، إلا أن تحريك مياه الهيكل الإداري في الوزارات لايزال راكداً ويحتاج إلى توجه حكومي أكثر من مجرد قرار هنا أو هناك. بالطبع ستسهم التحولات الأخيرة في المجتمع الكويتي، سواء لجهة ثقافته الوظيفية المتمثلة في انصراف المسؤول الحكومي إلى الدفاع عن مقعده أكثر من اهتمامه بعمله في كثير من الحالات، أو لعصرنة القوانين وحاجتها إلى توفيق أوضاعها مع العنصر البشري الذي يمكن أن يطوعها في خدمة الصالح العام، في تنامي الحاجة إلى دماء قيادية تتحدث بلغة التطور انسجاماً مع متطلبات التنمية المستهدفة، أما إذا خالفت الدولة هذا الاستحقاق المزمن فإن من شأن ذلك أن يجعل المشهد أشبه بشيخ كبير يحاول التعرف على الكمبيوتر. عملياً، قد يكون من الصعب اتخاذ قرارات إحالات للتقاعد أو تدويرات واسعة في جميع الوزارات وفي وقت واحد، بما يضمن ضخ الدماء الجديدة في المؤسسات الحكومية، والاعتبارات في ذلك متعددة، منها ما هو طائفي وقبلي ومنها ما هو شعبي، ومنها ما يرتبط بتعزيز مراكز القوى الظاهرة وغير الظاهرة، لكن على الحكومة مخالفة الاتجاه الأوسع نطاقاً عنهم لجهة تمسكها بالقيادات بغض النظر عن آدائها بأن تقر واقعاً جديداً في هيكلها الإداري يرحب بالكفاءات الوظيفية ويستثني مبدأ «الحشمة» لقدامى القياديين. بالطبع سيحمل هكذا توجه مؤشرات قوية على أن الدولة جادة في إحداث النهضة المطلوبة منها مستقبلاً، وسيعيد إشعال قنديل النقاش بين الشباب الكويتي حول مستقبلهم، بدلاً من التهاء شريحة كبيرة من موظفيهم في البحث حول كيفية تمضية وقتهم خارج مؤسسة العمل، فكثير منهم لا يعرف حتى الآن، الا انهم يتعاملون مع وظائفهم على انها تأتي بمال مجاني. وإذا كانت الاستفادة من الخبرات أمراً مطلوباً في جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية، لكن الإبقاء على رأس واحدة تدير العمل لأكثر من جيل دون وجود سبب وجيه يدعو إلى ذلك، يقلل من فرص تحسين بيئة الأعمال المحلية وتنافسية الاقتصاد، وتأخر تحقيق النهضة المطلوبة من الكويت في التحول إلى مركز مالي وتجاري في المنطقة، وفقاً لرؤية صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد. وقت أن سألني صديقي في اليدوانية، لم يكن لدي إجابة واضحة، لكنني أعلم جيداً أن بناء الأمم يتوقف على شعور كل مواطن تجاه دولته، فإذا شعر بأنه مسؤول عن المساهمة في تنمية دولته فسيؤدي ذلك إلى بناء الحضارات والأمم الكبيرة، أما الشعور بالعزلة الاجتماعية والوظيفية، فيقود إلى هدم الأمم ولو كانت كبيرة.