في حياة كل فرد أهداف يريد تحقيقها، وأمان يريد الوصول إليها، لكن الناس أمام ذلك على قسمين: الأول: من يقف على بحر الأمنية صامتا بلا حراك، راجيا من وراء الانتظار عطاء وانتصار، والثاني: من يضع هدفه ويبدأ في التضحية الواجبة لنيل هذا الهدف، الأول يعيش في الوهم والآخر يحقق النصر. والناظر في تاريخ الأمم والشعوب يدرك هذه الحقيقة تماما، ولكنّا في هذا المقال نريد أن نستحضر البعد التاريخي الإسلامي لاستحضار هذا التاريخ المزهر ومن ثم الارتباط به. وأول تلك الصور وأجملها ما كان من حال نبي الله صلى الله عليه وسلم فقد كان هدفه صلى الله عليه وسلم واضحا وهو: تبليغ دين الله وتعليم الناس، وبدأت تضحياته وهو الوجيه في قومه، بل من أشرف العرب أرومة، ومع ذلك وُضع سلى الجزور على ظهره، والشوك في طريقه، وكانت المتاعب جمة في سبيل دعوته، ومع حبه لمكة وارتباطه بها إلا أنه أُخرج منها وهو يقول: "والله إنك لأحب الديار إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك، ما خرجت". وبعد أن بذل وضحّى، مكّن الله له في الأرض وأيد دعوته. ولم يكن أصحابه بمنأى عن تلك التضحيات، فهناك من ترك ماله كله كصهيب الرومي، حين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً، تاركا الأهل والمال والموطن والبيت والمنزل، لأجل دينه، وحين تقول له قريش: ألم تأتنا فقيراً فغنيت بنا؟ فالتفت إليهم قائلا: يا معشر قريش! تعلمون أني أنبلكم بالقوس والسهم، ومن لحق بي لا يخطئ السهم قلبه، ولكن إن شئتم شيئاً فأخبروني؟ قالوا: نريد مالك، قال: وإنْ دللتكم على مالي تتركوني؟ قالوا: نعم. قال: هو خلف الحائط في ضيعة بني فلان، فذهبوا وأخذوا ماله وتركوه يهاجر لله وفي سبيل الله. بعد هذا البذل وتلك التضحيات، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ربح البيع" نعم، ربح بعد أن بذل. ولم يكن هذا حال صهيب، بل كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقدمون ويبذلون من أجل نصرة دينهم، حتى إن التاريخ ليذكر أن أبا بكر جاء بكل ماله حين أراد الإسلام ذلك، وقام بنثره بين يدي رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر! ماذا تركت لأهلك وولدك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله" نِعم المدخر، ونِعم الكنز الذي أبقيته لهم فقد قال الله عز وجل : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا الله وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]. وإذا ابتعدنا عن سيرة أصحاب النبي وناظرنا عصور العزة والانتصار، وجدنا التضحية عنوان كل انتصار، والبذل ثمن لكل عز وتقدم، لهم فلسفة خاصة جسدها عمر بن عبدالعزيز قولا وعملا، حين حضرته الوفاة، قال له بعض خواصه: هلا تركت شيئاً للصبية والأولاد والذرية؟ فقال: إن كانوا صالحين فلن يضيعهم الله، وإن كانوا عصاة فلن أضع لهم مالاً يتقووا به على معصية الله، قال الراوي: فوالله لقد رأيت كل واحد منهم حمل على مائة بعير في سبيل الله بأحلاسها وأقتابها وسلاحها، لأن غناء الله عطاء لا ينقطع، ومدد لا ينتهي، وجود لا ساحل له.