في السياسة لا عدو دائما، ولا صديق دائما، تتبدل المواقف تبعا لما يحقق المصلحة لهذا الطرف أو ذاك، وتتناقض القناعات حسب العوائد التي ستجنيها الدول سياسيا واقتصاديا، وتلعب الدبلوماسية المتلونة على كل الحبال، يرضى من يرضى، ويغضب من يغضب، لا يهم.. ولم يكن موقف «حمامة السلام» الذي تحاول موسكو وبكين أن تلعبانه لتهدئة حرب التصريحات بين بيونج يانج وواشنطن حول الحرب المحتملة بين أمريكاوكوريا الشمالية إلا مثالا صارخا لسلام المصالح، أو لسلام درء الضرر الذي يمكن أن يتكبده البلدان في حال نشوب حرب، تشي ملامحها النووية بأنها عالمية ثالثة.وفي أمريكا، هناك خوف يجوب شوارع الولاياتالمتحدة من دخول بلادهم في حرب ليس هذا أوانها، خاصة وأن تجربة العراق ماتزال تلقي بظلالها على الشارع الأمريكي، والمؤشرات في سورية تغازل البنتاجون عن كثب، ولا يريد الأمريكان التورط في حرب جديدة في سورية، ولا في فيتنام جديدة في كوريا الشمالية، وهذه الأخيرة لا تتورع عن المناورة لاستفزاز جارتها الجنوبية، أو حتى القوة العظمى الأولى في العالم وكأنما ليس لديها ما تخسره. هذا الموقف السياسي الغريب والوديع أكثر من اللازم، الذي تحاول كل من روسيا والصين لعبه للحيلولة دون نشوب الحرب بين أمريكاوكوريا الشمالية، يفضحه عامان من الوقوف المستميت إلى جانب النظام في سورية غير عابئتين بكل الدم الذي يسيل على شوارع المدن السورية، ولم يكن الفيتو المرفوع أو الملوح به في مجلس الأمن لا يشبه لا من قريب ولا من بعيد الملامح الوادعة التي يتقمصها الدب الروسي أو التنين الأحمر اليوم. «حمامتا السلام» الجديدتان اليوم، وإن أثنت واشنطن على موقفيهما، فهذا الثناء والمديح الذي تكيله أمريكا لهما يصب في ذات خانة لا عدو دائما ولا صديق دائما، بل مصلحة دائمة، وفي الحرب والحب كل شيء مباح.