| علي سويدان | مما يثير التساؤل حيال الطينة التي جُبل منها العرب أنهم بارعون في حروبهم الداخلية وتتجلى لديهم في مواجهة الأشقاء فيما بينهم كالحمية والشجاعة والفروسية بينما تتبخر كل تلك المكرمات أمام أول عيار ناريٍّ ولو كان طائشاً! نحن في هذه الأرض كلٌّ منا على المستوى الفردي له مصالح وأهداف، وله من أجل الوصول إليها أدوات وطرق في دوائر العمل وفي الأسواق وفي العلاقات الأسرية إننا في حال تغلب عليها المصالح الآنية الشخصية مع وجود علاقات حميمة لا تكاد تذكر والتي لم ننجح في ممارستها بأخوة عربية أو حتى إنسانية، لذلك كان من الطبيعي أن نُسقط حالتنا الاجتماعية اليومية المرتبطة بالمصالح والتي ليس للأخوة فيها الأثر الغالب أن نُسقطها على الحالة الدولية، ومن المنطقي أن تكون العلاقات الدولية هي صورة أكبر لتلك الصورة اليومية بيننا؛ لذا كان أمراً بدهياً أن ما يجري في العالم عامة وفي منطقتنا خاصة أيضاً تحكمه المصالح، بالتأكيد لأن ما يحدث في عالمنا ومن حولنا ليس مستورداً من المريخ وليس أيضاً هو حظنا المتعثر! إذن كنا على صواب في بداية الأزمة السورية حين أكدنا أن القضية ليست قضية ثورة جياع لأن خيرات سورية من خضار وفواكه وخِرفان تملأ أسواق العرب! والأحداث في سورية من بدايتها لم تكن ثورة حريات لأن الرئيس بشار الأسد فتح باب الحريات في سورية منذ تسلمه السلطة ولم يعد أحد قادرا على التسلط على أحد إلا بالتأكيد من كان من قبل الأزمة قد تلوثت يداه بدماء أو ما زال يرفض العودة لوطنه سورية لأنه موعود بما سيحدث في سورية وهي الأزمة اليوم! إذن القضية ليست قضية جياع ولا حريات يعني الحرية في بعض الدول العربية الآن ما زالت مفقودة وهي متوفرة الآن في سورية رغم ما تمر به من أزمة، علينا أن نقيس الأمور بمقاييس الواقع؛ لذلك كانت كذبة البكاء على الدماء في سورية مكشوفة لأن الذين بكوا على السوريين وجمعوا الأموال باسمهم عادوا يَعجبون من سلبية أميركا في نظرهم تجاه الأزمة في سورية، ولم يدروا أن أميركا تعرف مصلحتها وتتحرك على جدول من التقاطعات تحكمها المصالح خلافاً لمنطق فهمنا المشوَّه نحن أصلاً لا نعرف إدارة مصالحنا الخاصة فكيف سنفهم الطريقة التي تفكر بها الإدارة الأميركية؟! نحن العرب بصفوة سياسيينا وبزهرة علماء الدين لا نقرأُ الأحداث والسياسة بعين الوعي واستقراء المستقبل، ولأننا قاصرون عن ذلك وأثبتنا أننا ورَّطنا شعوباً ودمرنا بلاداً وأثرْنا فوضى في بلاد العرب لا يعرف منتهاها إلا الله بما أننا كنا سبباً في ذلك بقصد أو من غير قصد وجب علينا أن نكفَّ ألسنتنا عن الكلام فيما لا نفهم والتوقف عن تسييس الدين ولو من دون قصد لأن أمتنا وشعوبها تحكمها العواطف وهي قاصرة وبعيدة عن فهم أبعاد الأمور. قلنا مراراً أننا لم ننجح حتى الآن بترتيب أوراقنا الشخصية ولم نضبط سلوكنا داخل الأسرة ولا في الشارع فكيف يمكننا أن نتجرأ في ساحة السياسة وإثارة الحمية بين الناس ضد حاكم أو سلطة أو دولة، نحن لم نقتنع حتى الآن بأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح كما علاقتكَ مع جاركَ وزميلكَ في العمل، يعني القصة قصة مصالح وراءها المال والاقتصاد.. وليس حقوق الإنسان في سورية، وإلاّ أين حقوق الإنسان في فلسطين؟ وأين حقوق الإنسان وحرية التعبير في بلاد عربية ما زال التنفس فيها حتى الآن لا يكون إلاّ بإذن! وإذا كان الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حين سمع بانتقاد الشيخ القرضاوي له واتهام الأخير له بأنه من علماء السلطة، قال البوطي مخاطباً القرضاوي «حين أتيتَ إلى دمشق قبل الأزمة وقابلت الرئيس الأسد وقد أُتيحت لك فرصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لِمَ لَمْ تفعل؟!» ربما يقول قائل لو فعلها القرضاوي لبطش به الأسد، طيّب أليس أفضل عند الله أيها الشيخ القرضاوي أن تتمثل مقام أفضل الجهاد عند الله وهو قول كلمة حق عند سلطان جائر؟! سيكون ذلك أفضل من تبسيط الخروج على الحكام لما ينتج عن ذلك من فتن ومفاسد أكبر وقد ظهر لنا اليوم حجم الدمار الذي لحق بسورية ليس بسبب النظام وحده وليس بسبب المعارضة المسلحة وحدها بل بسبب كلمة قُلتَها أيها الشيخ القرضاوي في بداية الأزمة: (ومالوا.. يموت خمسة هِنا.. ستة هناك..) لا والله فِعلاً الذين ماتوا في الأحداث في سورية هم خمسة أو ستة حتى السادس مو أكيد؛ ثلاثة في حمص، وواحد في إدلب واحتمال واحد أو اثنين في حلب، والحمدلله الأمور مستتبة في دمشق وسورية اليوم ولا أحلى! ولا حول ولا قوة إلا بالله. [email protected]