غزة بين التهور والتعقلمرة جديدة بنقسم العالم العربي إزاء العدوان على غزة. طرف يرى في الاستراتيجية المعتمدة من قبل الفلسطينيين تهورا وطرف يرى في استراتيجية التعقل تخاذلا واستسلاما. الطرف المتعقل لا يرى في الدفاع عن النفس الا جنونا لا يؤدي الى نتيجة عملية نافعة. ونظريته نابعة من رؤية تعتبر ان ميزان القوى الفعلي يميل الى مصلحة الكيان الصهيوني بشكل كبير تجعل من أي مواجهة معه عملية خاسرة سلفا. وعليه يدعو اصحاب هذه النظرية العرب الى تحكيم العقل والى التعقل، الى 'عدم تهييج الثور' واللجوء الى المفاوضات والاعتماد على المجتمع الدولي من أجل نيل ما يمكن نيله حاليا. مبررات هذا الخيار التعقلي لا تخلو من منطق اذا ما استعدنا تاريخ الصراع مع هذا العدو الذي ابتليت المنطقة به. فمنذ تم فرض هذا الكيان على المنطقة ادت استراتيجية المواجهة الى خسائر إضافية في الارض والعمران والمعنويات. لم نقبل بتقسيم فلسطين فخسرناها كلها، حاربنا في 1967 فخسرنا سيناء والضفة الجولان، هذا ناهيك عن الخسائر المادية والبشرية في كل مرة. وعليه يبدو اننا في هذا السياق محكوم علينا بإحترام الامر الواقع والاعتراف بالفشل لا سيما وأن عدونا يتمتع بدعم دولي غير مشروط يجعله باستمرار متفوقا علينا في جميع الميادين. سياسة التعقل اذا ليست وليدة خيار استسلامي وانهزامي بالمطلق بل هي وليدة تفكر في وضعنا الحقيقي وقوتنا وعزيمتنا كما قال مؤخرا حمد بن جاسم المسؤول القطري امام الجامعة العربية. فلو كان بالإمكان أفضل مما كان لما تردد أصحاب هذه الرؤية في اعتماد المواجهة منهجا واقعيا عقلانيا. فالتعقل بهذا المعنى ليس خيارا مبدئيا بل خيار الواقعية السياسية. ما لم ينتبه له انصار هذا الخيار هو ربما أن نظريتهم المبنية على قراءة واقعية للوضع كانت اقرب الى الصحة في الماضي. فالواقع ليس مسألة ثابتة وأبدية. الواقع صيرورة متغيرة علينا أن نعيد قراءتها باستمرار لكي نبقى واقعيين فعلا. لا تسمح هذه العجالة بالتوقف عند المتغيرات الجديدة التي طرأت على النزاع بين العرب واسرائيل، لكن نظرة سريعة على نتائج الحروب الاخيرة كافية لكي تبين كما لو أن الوضع قد تحول. فمنذ حرب تموز 2006 على لبنان مرورا بحرب 2008 على غزة وصولا الى العدوان الحالي لاحظنا أن الحروب صارت تنتهي بدون احتلالات جديدة لا بل بانسحابات، من جانب واحد احيانا. كما لاحظنا انها صارت تنتهي لا بناء على رغبتنا بل بناء على تمنيات الاسرائيليين بوقف الحرب التي تعلنها دولتهم. كما صارت تنتهي بفشل صهيوني في تحقيق اهدافه وبخسائر في الارواح لديه ولو بعدد غير كبير وبخسائر في العمران المدني والعسكري. والاهم من كل ذلك هو التغير في 'صورة' اسرائيل الدولة التي لا تقهر والقادرة على ردع أي دولة او طرف في المنطقة. ميزان القوى شهد كما يبدو تغيرا هو من الحدة بحيث جعل الكيان الصهيوني عاجزا عن تحقيق نصر واضح حتى في قطاع جغرافي صغير ومحاصر من جميع الجهات، كما هو الامر في غزة. فعجز العدو عن تحقيق تقدم بري وتردده الطويل قبل القيام بأي مغامرة عسكرية غير محسوبة، وقبوله في كل مرة بالتفاوض أخيرا مع الاطراف التي قام بالحرب من أجل شطبها من المعادلة، كل ذلك مؤشرات هائلة الوضوح حول انقلاب المعادلات القديمة التي تشكل اساس البنيان النظري للخيار 'التعقلي'. كلنا يعلم أن اسرائيل تلعب في منطقتنا دورا وظيفيا في خدمة الدول العظمى المسيطرة على العالم وتتلقى مقابل هذا الدور أجرا عظيما. فبمقابل دور الشرطي في المنطقة تحصل اسرائيل على الدعم المادي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والمعنوي وكل ما ترغبه. لكن دخول الموظف في مرحلة القصور والعجز المتتالي عن لعب دوره كاملا سيجعل 'رب العمل' يفكر مرتين وأكثر قبل أن يكلفه من جديد بمهمات صعبة. هذا اذا لم يبدأ، ربما، بالتفكير في صرفه من العمل. ما بدأ يحصده الكيان الصهيوني مؤخرا ليس من قبيل الصدفة ولا من قبيل المؤقت لا سيما مع تكراره الثابت. انه حتما نتاج تغير كبير في موازين القوى وفي المعادلات السابقة يفرض اعادة قراءة الواقع الاستراتيجي من جديد. ولا أظن أن العرب من أصحاب نظرية التعقل بغافلين الى هذا الحد عن هذا التغير الجذري. لكن لنعترف أن عوامل أخرى في الصراع تشغل بالهم على الاغلب. وأكاد افترض انها في هوية 'المتهورين' لا في التهور بحد ذاته، ذلك أن الذين قاموا بتبني نظرية المجابهة ينتمون الى طرف عربي واقليمي لا يروق الى ارباب التعقل ولاسباب فيها من التاريخ والجغرافيا والمصالح والسياسة والهويات ما فيها. نظرية 'التهور' في الصراع مع الكيان الصهيوني اثبتت اليوم، مرة جديدة، نجاحا نسبيا اكيدا وهي تضع العدو في وضع وظيفي صعب ولا يمكن عاقل أن ينكر نتائجها الايجابية. والعاقل، كما اعتقد، لا يمكنه أن يخطىء مرتين، مرة في القراءة المتقادمة للمعطيات الجديدة، ومرة في ترك خصمه الاقليمي يجني ارباح هذا الخيار وحده.المبالغة في التعقل لم تعد في مصلحة حامليه على اي حال. الفرصة مع غزة، على الاقل، متاحة جدا لهذا الفريق اذا عاين الواقع على نحو مختلف لكي ينخرط في المواجهة والمجابهة مع العدو المأزوم ولكي يشترك في جني ارباحه. قليل من 'التهور' يفرح أهل غزة كثيرا في هذه الايام الصعبة والواعدة، لا بل يفرح الجميع.