فعاليات متنوعة تعدادها بالمئات طوال العام تجري معظمها في أجواء احتفالية يغلب عليها الطابع الاستعراضي، بينما قليل منها ما يحمل مضامين حقيقية ذات جدوى، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية المفترض أن تكون موضعاً للاهتمام والتركيز في الفترة المقبلة . وعلى الرغم من أن سلسلة الأمسيات التي تنظمها غرفة تجارة وصناعة عمان التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين تعد واحدة من بين هذا "القليل" إلا أنها تظل بحاجة لاستثمار نتائجها من أجل تعزيز الدور الوطني للقطاع الخاص الذي يطلب الكثير مما يعتقد بأنها استحقاقات حكومية تجاهه، بينما يتناسى "عن سهو أو عمد" لواجباته المفترض أداؤها بالتوافق مع مقتضيات المرحلة وضروراتها . من بين الأمسيات كانت تلك المحاضرة المهمة لأمين عام وزارة الخارجية العمانية بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي في مواجهة أصحاب وصاحبات الأعمال خلال إحدى أمسيات غرفة التجارة والصناعة، متحدثاً من خلالها عن ممارسة وزارته للون متميز من ألوان الدبلوماسية الهادفة لدعم سياسة جذب الاستثمارات الخارجية، حيث تعمل بعثاتها الدبلوماسية في الخارج على الترويج للسلطنة، باعتبارها بلداً آمناً وواعداً، وتوظيف جهودها لفتح الأسواق الإقليمية والعالمية للمنتجات المحلية ودعم أسباب التنمية المستدامة، ما أدى إلى إيجاد وترسيخ علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية خارجية مستقرة تدعم النمو والتوجهات الاستثمارية والتجارية والسياحية من خلال التوقيع على اتفاقات التعاون الفني والاقتصادي ومذكرات التفاهم واتفاقات التجارة الحرة وتشكيل اللجان المشتركة . الدبلوماسية التجارية تساندها مقومات حقيقية ومناخ محفز للاستثمار الأجنبي بالمقارنة مع الدول الأخرى، خاصة أن البنك الدولي وضع السلطنة في تقريره الأخير في الدرجة السابعة والخمسين من بين مئة وأربعة وثمانين دولة من حيث سهولة التعامل وانطلاق الأنشطة التجارية، كما جاءت في المرتبة الثامنة عالمياً في ما يتعلق بسهولة تسديد الضرائب، والحادية والعشرين في سهولة تسجيل الممتلكات، وجميعها مؤشرات مهمة خاصة بالنسبة لعمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة . لكن المفترض أن يعمل القطاع الخاص على استثمار تلك الحالة متكاتفاً مع السياسة والدبلوماسية لتحقيق الأهداف الوطنية في ظل وجود مجموعة من الاستثمارات الكبرى والمساهمات العامة والخاصة في البنى الأساسية التي من شأنها المساهمة في بلوغ أهداف سياسة تنويع مصادر الدخل بما يشمل ضمناً قطاع السفريات وصناعة السياحة المؤمل أن تحقق 6% من مجموع استثمارات الدولة بحلول عام ،2021 معتمدة بالضرورة على المؤسسات الخاصة الكبيرة والمتوسطة والصغيرة لتعزيز فرص تحقيق التنمية المستدامة وانتعاش سوق وفرص العمل، الأمر الذي ينطبق على القطاعات الأخرى كافة والتوجهات المستقبلية للاستثمار . كما أن وجود أياد عاملة عمانية ماهرة في الشركات الوطنية متمكنة من قدرتها على تحريك عجلة النمو متسلحة بالعلم والخبرات وبحبها لوطنها يعد من متطلبات الاستثمار، فضلاً عن كونه الطريق الأمثل لتحقيق الثراء وانتعاش فرص العمل وتقليص التفاوت في مستويات الدخل على المدى البعيد، ما يعني ضرورة التركيز على الاستثمار في قطاعات التعليم والتدريب والبحث العلمي والتطوير والابتكار باعتبارها من الأولويات الضرورية لتمكين الأجيال القادمة من تحقيق الأهداف المنشودة في المرحلة المقبل . أمين عام وزارة الخارجية يقول مخاطباً أصحاب وصاحبات الأعمال: "أنا لا أسمح لنفسي أن أقول لكم كيف يجب أن تنفقوا أموالكم أو تحددوا مجالات استثماركم، لكنني أستطيع القول إنني أشعر بالفخر والاعتزاز والارتياح عندما أتمكن من إبراز القطاع الخاص العماني كقطاع استثماري حيوي ومؤمن بعملية البناء الاقتصادي والاجتماعي في بلاده، وإن ذلك من شأنه بث الثقة في نفوس المستثمرين الأجانب" . كلمات دبلوماسية هادئة ورصينة تحمل الكثير من المعاني الضمنية التي من بينها غياب المنطق العملي في دعوة الآخرين إلى الاستثمار، بينما كثيرون من أصحاب الأعمال العمانيين يفضلون الذهاب بعيداً مهاجرين بأموالهم خارج الحدود . وزارة الخارجية تؤدي دورها بمثابرة وقناعة واقتدار، لكن الحصاد سيكون ضعيفاً ما لم يكن القطاع الخاص مؤمناً برسالته مقدماً القدوة للمستثمرين الأجانب من خلال تشغيل رؤوس أموال لا يكتفي بتكديسها في البنوك أو مشروعات يقطف ثمارها آخرون . asem [email protected]