إذا ما سلمنا بحقيقة أن معظم نظم الإدارة عندنا مستنسخة من نظم كانت مطبقة في بعض اللبدان العربية، وقد وردتنا بعلاتها وطبقها عندنا المتعاقدون، وهضمتها كوادرنا الإدارية وبرعت في تطبيقها، وربما تفوقت على اصحابها الأصليين! فتحققت مقولة "تفوق التلميذ على معلمه" واقعاً لا مبالغة لفظية ولا تهكماً! شغل الثلاث ورقات كناية عن إعتماد الأساليب الملتوية في التعامل!غالباً ما تتردد في أفلام الأكشن العربية على ألسنة لاعبي الأدوار المساعدة والثانوية رؤوس العصابات! فتذكرنا بواقع مماثل في مؤسساتنا الحكومية التي درجت على استخدام ثلاث ورقات "تسعيرة" يلتزم مأمور المشتريات بجلبها من ثلاثة مصادر تجارية مختلفة لسلعة واحدة، بغرض تامينها بالشراء المباشر! ومثلها ما يحدث في حال المناقصات التي لا تختلف كثيراً سوى بلجنة يتم تشكيلها لفك المضاريف وفحص العروض المقدمة من المتنافسين بذات الآلية، وربما تميزها صلاحياتها في تجاوز السعر الأقل إلى السعر الأعلى! عندما تلجأ لمفاضلة بين العروض لترجيح كفة ما يريده النافذون، مستفيدين من "ثغرة" تقرير فني يقدم عرضاً على عروض أخرى، في عملية عفا عليها الزمن، ولا تزال متبعة لدى الإدارات المالية في كافة أجهزة الدولة! وكثيراً ما يتم تجاوزه إلى التسعيرة الأعلى! وهذه حالة متقدمة من التلاعب! تتطلب لجوء لجنة فحص العروض إلى تقرير "مفاضلة" يتضمن مبرراتها فنية ضمن تقرير يعد عن قصد لترشيح مصدر مختار لتأمين ذات السلعة بسعر اغلى! وهنا لعبة لا يتقنها إلا المتمرسين في السوق والمتسابقين لحصد القدر الأكبر من نثريات الموازنات الرسمية الحكومية ومالها السايب! هذه الآلية "الكلاسيكية" المتبعة في تامين إحتياجات الجهات الحكومية من الأسواق المحلية، تسهم في قضم الجزء الأكبر من كعكة الموازنات! ويعتمد فيها على مأموري المشتريات لهم خبراتهم المتراكمة لواقع السوق وخفاياه، تدعمها علاقاتهم الحتمية بأعرق التجار والمؤسسات والشركات ويحظون بنجومية لا تقل عن نجومية مشاهير الرياضة والفن عند اهل السوق والعارفين بدهاليزه! بحكم توليه تلك المهمة لعقود في نفس الوظيفة بقائه في هذه الوظيفة وهو ما يمكنه من احتكار مهمة تامين المتطلبات دون غيره! ومع العزم الأكيد والرغبة الصادقة في الحفاظ على المال العام، ومحاربة الفساد بكل صوره وانماطه، وبتوفر الفكر الإداري الحديث والنظريات والآليات التي طرأت على نظم الإدارة في العالم، وما لدينا من كوادر مؤهلة، آن الأوان لإحداث تغيير جذري ونقلة نوعية في مثل تلك الإجراءات "المتبعة" في أجهزتنا المالية والإدارية، فإن استمرار هذا النمط من المعاملات الملتوية، لا يساير التوجه العام للدولة وإعلانها الحرب على الفساد بكل أشكاله، وحتى ما هو مقنن ومرضي عنه لدى المستفيدين على وجه الخصوص!