ما يحدث في مصر مأساوي، الأمور تتصاعد بشكل يجعل أي من الطرفين الرئيسين في الصراع على السلطة غير قادر على التراجع، ومن الواضح أن الدماء التي سالت مؤخرًا قد تُوفِّر للإخوان المسلمين تعاطفًا عربيًا ودوليًا، ولكنها لن تعيدهم إلى حكم مصر، كما أن الجيش، الطرف الآخر في معادلة الصراع الحالي، سيتعرض لضغوط متزايدة للبحث عن حل للتصعيد الدموي الذي يجر الإخوان مصر إليه، وستكون هذه الضغوط حافزًا لتكوين فريق تحقيق حول من يتحمل المسؤولية في المواجهات الدموية التي أدت إلى مقتل العشرات، خاصة وأن الإخوان المسلمين أجادوا استخدام الإعلام(الجزيرة والإعلام الغربي)، في تصوير من قالوا: إنهم ضحاياهم، مما أعاد إلى صفوف المتعاطفين معهم عدد من شخصيات الإسلام السياسي التي سعت إلى الوقوف حتى الآن في منطقة محايدة. مصر بحاجة إلى شبه معجزة لإنقاذها من مأساة دموية قادمة.. ضمن المفارقات التي يجب الإشارة إليها أن يكون حسني مبارك قد تصرف كرجل دولة مسؤول وتنحى عن السلطة حينما خرجت الجماهير تتظاهر ضده ووقف قادة الجيش معهم، ورفض أن يستخدم أدوات الدولة الأخرى التي كانت بين يديه ولا الحزب الوطني الذي يقوده وأدواته الشعبية في مختلف محافظات مصر للبقاء في الحكم، وأصر بالإضافة إلى ذلك على البقاء في بلاده ليواجه مصيره.. في المقابل نشاهد اليوم الإخوان المسلمين يصرون على إحراق مصر ما لم يعودوا هم حكامًا وأسيادًا لها، ورفض مرسي الدعوة للعودة إلى الشعب في استفتاء عام. في 25 يناير ثار الشعب ضد نظام مبارك، وساند الجيش تلك الثورة، وفي 30 يونيه خرجت الجماهير الثائرة إلى الشوارع، بأعداد أكثر ضخامة من أعداد 25 يناير، لتعلن أنها ترفض استبدال دكتاتورية مدنية بدكتاتورية دينية، وأيد الجيش هذه الثورة مثلما فعل تجاه ثورة 25 يناير.. ومن الضروري ألا ينتهي الأمر بمصر إلى العودة للدكتاتورية. وما يقوم به الإخوان المسلمون وأنصارهم من جماعات الإسلام السياسي عبر تبجيل الذات وتحقير الآخر وسلوك العنف يؤدي إلى إبعاد مصر عن المسار الديمقراطي المطلوب للخروج من هذه الأزمة، ويجر البلاد إلى معارك دموية لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إحكام القبضة العسكرية على البلاد، والتي سيُرحِّب بها المواطنون حفاظًا على أمنهم مما يفعل بهم الإخوان المسلمون. ومن العجيب أن أصواتًا أخذت تظهر خارج مصر، وفي الخليج تحديدًا، تُردِّد عبارات (الشرعية) و(الديمقراطية) وكأن هذه الأصوات كانت غائبة، أو ربما مغيّبة، عن المشهد المصري حين أتيحت لتنظيم الإخوان المسلمون وجماعات الإسلام السياسي المتحالفة معهم فرصة للحكم وإدارة شؤون البلاد، فإذا بهم يضيعونها لهثًا وراء أدلجة البلاد والتمكين لرجالهم من التسلل إلى مختلف المؤسسات تمهيدًا لإقامة نظام مختلف يرغبون فيه.. وقد يكون هؤلاء المدافعون عن (شرعية وديمقراطية) الجماعة من الذين لا يؤمنون بالأوطان وعاجزين، كجماعتهم، عن فهم التركيبة السكانية والمواطنية لمصر التي تتطلب وحدة وطنية لا نظامًا دوليًا. من الضروري أن تعي مصر بفريقيها أن مزيدًا من الدماء، بصرف النظر عمن قام بإسالتها، قد تحرج الجيش وتسيء إلى سمعته، ولكنها لن تعيد الإخوان إلى السلطة، وأن تكريم شهداء مصر هو بالتراجع عن المواقف الحالية، وإبعاد الجماعة عن أن تغرق في شعارات الثأر والعمليات الإرهابية، وكف يد الجيش عن استخدام القوة لقمع الجماعات المخالفة لما يستهدفه.. وأن يتداعى الجميع، أي الجماعات التي تقف في الوسط، لدفع مصر إلى مسار ديمقراطي آمن عبر صياغة دستور مبني على ما يُسمَّى دستور 2012 وصياغات أخرى يضمن أمرين رئيسين ضمن ما يقدمه من ضمانات أولهما: أن توضع ضمانات تمنع المؤسسة العسكرية من العودة إلى حكم البلاد وتحفظ للمؤسسة العسكرية بعض الاستقلالية في أمورها.. وثاني الضمانات: أن تبقى مصر دولة مدنية لصالح كافة أطياف شعبها. قد يكون هذا هو الحل الأفضل.. وإن كان من الصعب في ظل الوضع الحالي تصور كيف يمكن الوصول إليه. [email protected] للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (5) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain