لم يظن أحد لوهلة سقوط الإسلام السياسي بهذه السرعة، هذا الإسلام الذي دعا إليه اقطاب ومؤسسو الاخوان منذ حسن البنا إلى التاريخ الحالي، روّجوا وعلى مدى ثمانين عاماً لفكرة الإسلام هو الطريق، والإسلام هو الحل. أتيحت لهم فرصة تاريخية للوصول إلى مقاليد الحكم في مصر، وهذه الفرصة جاءت بترحيب دولي كبير على اعتبار أنها كانت تتويج لعملية ديمقراطية عبر الانتخابات. كما أن من الطبيعي أن تتم حينها مقارنة وصول الاخوان المسلمين للحكم في مصر، بتجربة سابقة هي التجربة التركية، حينها كان من الممكن الاستنتاج وسريعاً أنها تجربة محكوم عليها بالنجاح، ذلك أنه ومنذ استلام حزب العدالة والتنمية التركي الحكم عام 2002م اثبت نجاحه ولكن ذلك كان عبر فصله التام ما بين الدين والسياسة، ويمكن القول بأنها كانت تجربة ناجحة بالرغم من المظاهرات الاخيرة التي حدثت في تركيا. لكن ما علينا من التجربة التركية، نبقى في أرض الكنانة وهي البلد التي كانت منارة الحرية والابداع والأدب منذ الاستقلال (منذ بداية عصر النهضة). مصر هذه الدولة العريقة بحضارتها، الغنية بشعبها المثقف والذي كان وعبر التاريخ الحديث والقديم مثالاً للفكر والفن والحرية والمقاومة، لم يحتمل الخناق «الحرياتي» الذي مورس عليه فمنذ وصول الاخوان إلى الحكم، لم يعدموا وسيلة للتضييق، ومصادرة كل الموروث التاريخي لهذا الشعب، والامثلة كثيرة، لا يوجد متسع لذكرها والتطرق اليها هنا. الاخوان وصلوا بالديمقراطية ولكن على اساس الاحتكام إلى الدين، استغلوا الدين الاسلامي بابشع الوسائل، ليس اقلها بأنها وضعوا القرآن الكريم واحتكموا اليه في كل مرة وُضعوا على المحك. والشعب المصري شعب مؤمن، مُوّه في بداية الطريق لأنه آمن بالحكم الجديد الذي جاء بعد حكم الرجل الواحد، وهنا بدل أن يرد الاخوان الجميل لهذا الشعب الذي أوصلهم إلى الحكم، ردوا عليه بالطريقة الاستبدادية في الجرح الذي لم يكن قد اندمل بعد، ومما دفع الشعب المصري للنزول إلى الشارع مجدداً للدفاع وباندفاع وحماس أكبر، من السابق. لم يكن على الاخوان التصرف بهذه الرعونة ولم يكن عليهم استعراض شراهتهم للحكم، فهم وصلوا كممثلين للشعب وليسوا للاخوان، وهذا ما لم يعوه بل تصرفوا بديكتاتورية «ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم»، متناسين ابسط مبادئ الإسلام عن التسامح والتعايش، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، وكأنهم كانوا ابعد ما يكونون عن الإسلام بل أنهم شوهوا قيم الدين، حيث لجأوا إلى الفتاوى التكفيرية ضد حركة تمرد ومتظاهري 30 يونيو، ونسوا أو تناسوا أن هذه الفتاوى التكفيرية صدرت بحق أبناء شعبهم المصري الذي أوصلهم إلى الحكم باصواته. استبد الغرور بالدماغ الاخواني وانتشوا بانتصارهم، مما أعمى عيونهم، وسد آذانهم، عن صوت الشارع المصري، الأمر الذي أودى بهم إلى السقوط بنفس الطريقة التي استغلوها هم، بداية للوصول إلى الحكم. الشعب المصري شعب عريق وبعد أن أثبت لنفسه وللعالم، أنه الهداية، وأنه هو من يرسم الطريق لبقية الشعوب العربية، لن يقبل بحكم ديكتاتوري استبدادي ظلامي، اعتقد للحظة أنه يملك مصر. سوسن مهنا - بيروت