يسعدني أن أقدم لكل من يهمه الأمر قراءة نقدية في أداء جامعة الباحة منذ نشأتها ومعيارنا الذي نرتكز عليه في هذا الطرح يتمحور حول رسالة الجامعة والمتمثلة في ثلاثة محاور وهي أداء الجامعة الأكاديمي وإنتاجها العلمي ومسئوليتها الاجتماعية . والمتتبع لأداء وأنشطة الجامعة وإنجازاتها - في ظل الإمكانات والاعتمادات المالية والبشرية الهائلة لها في كل عام مالي - ومنذ نشأتها- يلحظ أنها في سكون ودعة وتراخٍ ومنشغلة بأمور تقليدية وبعيدة عن تحقيق إنجازات ملموسة على أرض الواقع . وليس في اليد أكثر من الجهر بالحقيقة المرة ودون توجيه اللوم لأحد, وتظل مسئولية القرار وإصلاح الخلل على عاتق وزارة التعليم العالي . ومما لا شك فيه أن بيئة العمل المستقرة مطلب مهم لضمان قيام الجامعة برسالتها على أكمل وجه وخلق بيئة عمل جاذبة وداعمة للإنتاج والإبداع والحماس والتفاني . والقريب من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يلحظ أن بيئة الجامعة تسودها الشحناء والحنق والإحباط الأكاديمي والبحثي وعدم الرضا . والجامعة ومنذ بدء أعمالها لم توفق في اختيار القيادات العلمية والإدارية بل لم توفق في إعادة هيكلة كلياتها وتحديد الكليات بناء على دراسات الجدوى واحتياجات التنمية, بل كانت تتبع أسلوب التقليد وثقافة النسخ واللصق لما هو قائم في بعض الجامعات . بل ما لا يغفر لراسمي السياسات وصانعي القرار في الجامعة توسعها العجيب في الكليات النظرية والتي لا توائم مخرجاتها حاجة سوق العمل وتسهم في ازدياد نسب البطالة , مما أدى إلى عدم وجود أعضاء هيئة تدريس أكفاء لهذه التخصصات لكثرة الطلب عليهم من الجامعات الأخرى حيث لم تخلق الجامعة بذلك النهج الميزة التنافسية بكلياتها ,كما لا يوجد للأسف في كليات الجامعة أي ميزة تنافسية أو تخصص أو برنامج يميزها عن الكثير مما هو قائم في الجامعات الأخرى. بل إن جميع كليات الجامعة وخاصة التخصصات المتعلقة بصحة الإنسان تحتاج لعمل مراجعة شاملة وعميقة للمناهج والخطط الأكاديمية- إن وجدت - والتحليل والتقصي للمشاكل ووضع الحلول والخطط والمعايير وإيجاد طرق وآليات لقياس ومراقبة الأداء لهذه الكليات للنهوض بالعملية التعليمية وضمان جودة المخرجات مع أهمية المتابعة والمراقبة من قبل الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي والهيئة السعودية للتخصصات الصحية . كما أن بعض الكليات العلمية والصحية خاصة تركز على التعليم الأكاديمي النظري دون الالتفات والاهتمام الكافي للتدريب المعملي والإكلينيكي ، كما لا يوجد تناغم بين التدريب الإكلينيكي والتدريس النظري وحسب شهادة الطلاب أنفسهم والمشرفين في أقسام التدريب المختلفة . مخرجات الجامعة ضعيفة - وبشهادة الطلاب أنفسهم وأولياء أمورهم- وهذا بحد ذاته أمر يدعو للقلق حيث أن مخرجات الجامعة , وهي بالآلاف لا تضيف لنا سوى الزيادة في أعداد العاطلين لمعظم مخرجاتها مما يتطلب من الجامعة أن تقف بكل جدية عند هذه النقطة وتقوم بدراسة وتحليل جذور هذه المشكلة وتشخيصها ومعالجتها وبأسرع وقت حيث أن هذا الأمر غير قابل للتأخير والتأجيل. وأسباب هذه المشكلة متعددة فيما لو تم تتبع خطوط الإنتاج من المدخلات وحتى المخرجات وفحص جميع عناصر العملية التعليمية - الطالب والمنهج والخطة الأكاديمية وكفاءة وأمانة عضو هيئة التدريس- دون إغفال أهمية اكتمال البنية التحتية للكليات من قاعات ومعامل وتجهيزات . مع أهمية استشعار منسوبي الجامعة بأنهم ما وجدوا إلا لخدمة هذا الطالب من رأس الهرم القيادي إلى اصغر الموظفين مع أهمية تبني شعار « الطالب أولا «. بل حتى الاتفاقات والشراكات مع الجامعات العالمية لم نلمس لها أثراً أو تقدماً في العملية التعليمية . كما أن دور الجامعة يكاد يتقوقع في التدريس والتعليم فقط, بل والتركيز على البرامج التعليمية المربحة- رغم ضعفها - والتي أنهكت كاهل وموارد الأسر والطلاب وكأن الجامعة مؤسسة تهدف إلى الربح. نريد أن نرى دوراً للجامعة في البحث العلمي الهادف إلى تقصي احتياجات ومشاكل المجتمع المحلي والبحث عن حلول لمشاكله واحتياجاته الحالية والمستقبلية. كما نريد أن نرى دوراً للجامعة في برامج خدمة المجتمع وتطويره وتنميته والارتقاء بثقافته ووعيه تجاه ما يحدق به من مخاطر بدلا من هذا الانغلاق داخل أسوار الجامعة وضعف الاتصال بالمجتمع المحيط . وخلاصة القول بأن هناك ضعفا في الكفاءة التشغيلية للجامعة ، لذا أوجه رسالة لقياديي الجامعة - دون استثناء- أن من لا يستطيع منهم أن يقدم أكثر مما قدم عليه أن يترجل ويترك المكان وبكل شجاعة. الجامعة - يا سادة - بحاجة لرجال يصلون الليل بالنهار من أجل استدراك وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. د. محمد سعد الحريتي الغامدي المشرف على برامج الدراسات العليا وعميد كلية العلوم الصحية بالباحة الأسبق