الشائع لدى أغلب الناس أن الفارق الأساسي بين الصور هو وجود الجمال أو انعدامه والمساحة الواسعة بينهما، وعدد كبير من الهواة يرى الصورة من زاوية قدرتها على الإبهار من حيث المكونات والألوان والمعاني وما إلى ذلك، وهذه عناصر هامة لا شك، لكنها تبقى محدودة في حضرة الرسالة الحقيقية للصورة. الصورة.. تلك الأيقونة الصغيرة البسيطة التي تفرض نفسها كل يومٍ أكثر على محيط حياتنا وأبعادها. وتستمد من الزمن الأهمية والتأثير المتصاعدين بلا سقف وحدود واضحة. الصورة، تلك الأداة ذات السلطة والنفوذ المتزايد في جميع أنحاء المعمورة، كم هو غبن وإجحاف بحقها عندما نحصر أوصافها بين أقواس بدائية مهترئة! فهي إما جميلة أو قبيحة، وإما ملونة أو بالأبيض والأسود! يعتبر بعض المؤرخين أن تعبير الإنسان عن نفسه بالتقاط صور منتقاة هو من أهم مراحل التعبير الإنساني عن معاناته وعن لواعج نفسه وعن مشاكله وتصوّره لحلولها. حيث إن بلاغة تعبيره عمّا يجول في خاطره بالصورة تتنافس تنافساً شرساً مع التعبير اللفظي في لمس طبيعة الشعور الداخلي. نحن هنا في "باريس فوتو"، وهو من أكبر التجمّعات المختصة بالصورة في العالم، عدد هائل من الجاليريهات من كل ثقافات الأرض، تشارك في هذا الكرنفال المتخصص بالبحث في هوية الصورة ومنهجيتها الفكرية والثقافية والتاريخية، وتثمين القيمة الفنية لها. هنا، يناقشون صناعة الصورة التربوية ودورها في خلق الوعي لدى الأجيال، هنا، يبحرون في التصوير كتخصص مستقل باسمه متشابك بقضيته مع الفكر والأدب والثقافة والتاريخ والعلم وكل مناحي الحياة، في أروقة "باريس فوتو"، تشاهد لأول مرة صوراً تختصر عصوراً مضت، وأحداثاً شغلت العالم، وحقائق لم يعرفها أحد! هنا، توجد بعض الصور التي تُصنّف تصنيفاً إضافياً ك "تحفة" يتجاوز سعرها 50 ألف جنيه إسترليني، وبعضها الآخر يشكّك أشهر خبراء التصوير في العالم في وجود ثمن مناسب لها!. للصورة هنا بلاط ملكي تقف فيه بكل خيلاء وعظمة، لأنها تعلم أن كل سكان الكوكب بحاجة إلى وجودها من ناحية، وإلى تأثيراتها المتنوعة في حياتهم من ناحية أخرى. أوقن جازمة من داخل هذا البلاط، أن الصورة في وطننا العربي ما زالت، رغم كل الإيجابيات، محصورة في خانة الجمالية والإبهار.. بعيدة عن الخانات الأخرى التي تمنحها دوراً بارزاً في صناعة الأحداث، وليس فقط في لعب دور الراوي!. فلاش: الطريق ما زال طويلاً باتجاه «الصورة المنهج»