كنت في أيام الابتدائية مولعاً بالتاريخ والجغرافيا اللذين لم يكن لهما منهج مستقل، وإنما كانت موادهما متناثرة هنا وهناك. وكانت تستهويني مطالعة الخرائط التي توضح مراحل توسّع الدولة الإسلامية بمختلف فتراتها، من دولة الخلافة إلى دولة الأمويين إلى العباسيين إلى التشظي إلى دويلات، ثم لململة أجزاء كبيرة منها على يد العثمانيين. وكنت أمعن النظر في المربعات الصغيرة الموجودة أسفل الخرائط (المفاتيح)، والملوّنة بألوان تميز كل مرحلة عن الأخرى، لأعرف مسار التوسعات، ومن أين بدأت، ومتى. وكنت أطرب لكلمة «الفتوحات»، إذ لم أكن مهيئاً آنذاك لتقييمها والتمييز بين ما تم منها لإعلاء كلمة الله، وما كانت تقف خلفها أطماع المُلك ومراكمة الثروات. كانت قيم الرجولة والبطولة والشجاعة تتجلى في نظري في «الفتوحات»، فعدا عن إلباس تلك القيم مفاهيم صبيانية، فإن تلك القيم هي التي يتمثّل بها الصغار في تصرفاتهم غالباً، غير مبالين كثيراً بقيم كالرحمة والشفقة والكرم وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم. فأنت صغير بالكاد تحمي نفسك، فكيف ترحم من هو أكبر منك، وتشفق على هو من أقوى منك، وتجزل بالعطاء وليس في جيبك إلا درهمين، وتهب لمساعدة غيرك وأنت بالكاد تقف على رجليك، وتنصر مظلوماً لتتلقى الضربة بدلاً منه! كما أن التمثّل بتلك القيم، أو التظاهر بها، يضمن لك يوماً خالياً من مشاكسات بعض الأولاد العنيفين الذين كانوا يعترضون طريق الطالب الوديع ليطرحوا عليه هذا السؤال من دون مقدمات: تبغي تتضارب؟ (هل تريد العراك؟)، كما يمنحك هامشاً من الحركة مساءً، فتستطيع أن تذهب إلى البقالة المجاورة بصدر منفوخ كأنك فاتح القسطنطينية. ... المزيد