تُعد توعية المستهلك إحدى المهام الرئيسية لوزارة التجارة؛ فهي تساند في رفع وعي المستهلك بالقضايا المتعلقة بحقوقه ومسؤولياته، وتعزيز ثقافة الاستهلاك الرشيد، كما ينظر لها كأداة لتمكين المجتمع، وكسب تأييده لقضايا حماية المستهلك. وقد اشتملت حقوق المستهلك التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة على اثنين من الحقوق من أصل ثمانية ذات علاقة بالتوعية، هما حق المعرفة وحق التثقيف، اللذان يضمنان تزويد المستهلك بالحقائق والمعارف والمهارات التي تساعد على قيامه بالاختيار السليم الواعي بين السلع والخدمات، وحمايته من الممارسات المضللة، وإدراكه حقوقه الأساسية ومسؤولياته، وكيفية ممارستهما. وبالنظر إلى واقع توعية المستهلك في المجتمع السعودي يتضح وجود ضَعف شديد في هذا الجانب لدى وزارة التجارة والقطاعات المعنية، في مقابل تعطش المجتمع لذلك، وحرصه على ذلك، متى ما توافرت التوعية وفق أولوياته واحتياجاته، وبأسلوب شيق ومبتكر. لذا أعتقد أنه قد أصبح لزاماً، ونحن أمام هذا العبث المنظم الذي يمارَس في السوق السعودي من قِبل العديد من التجار تجاه المستهلك، أن تقوم وزارة التجارة بإنشاء مركز وطني لتوعية المستهلك؛ من أجل الإسهام في تحقيق جزء من الحقوق التي نصت عليها الجمعية العامة للأم المتحدة. ويمكن تلخيص مهام المركز الوطني في رفع وعي المستهلك بالمعارف والمهارات؛ ليصبح مستهلكاً واعياً، متخذاً قراراته بناء على المعرفة، مدركاً ومستخدماً حقوقه ومسؤولياته، ومشاركاً فعالاً في حماية المستهلك بالسعودية، إضافة إلى دور المركز في تعريفه بالمستجدات على المستويَيْن المحلي والعالمي. كما تشمل مهام المركز بناء القدرات، وإجراء الأبحاث ذات العلاقة على المستوى الوطني، وتنظيم الحملات والتخطيط للبرامج الوطنية. يُضاف لذلك أهميته فيما نسميه بصنع التأييد (Advocacy Building) لقضايا توعية المستهلك. ومن الضروري أن يضع المركز أمام عينيه عدداً من الاستراتيجيات ذات الأولوية على مستوى السعودية، منها الاهتمام بالجوانب المتعلقة بالغش والتدليس، والتلاعب بالأسعار، عوضاً عن أهمية استخدام الأطر الحديثة في تنظيم الحملات، كالتسويق الاجتماعي (Social Marketing)، والعمل على صنع شراكات استراتيجية داخل وخارج السعودية، بما في ذلك الهيئات والجمعيات العالمية. وغني عن القول أهمية الاستثمار في الإعلام الجديد كإحدى استراتيجيات المركز. ويمكن أن تشمل مجالات العمل في المركز التوعية بحقوق المستهلك ومسؤولياته، والتعاملات البنكية والمصرفية والقروض، والمركبات، ويشمل ذلك الشراء والتأجير والصيانة، عوضاً عن خدمات الاتصالات والإنترنت، وصحة المستهلك، والتسوق وشراء المنتجات والسلع والخدمات والأسعار، وخدمات السفر، والأجهزة واستخداماتها، وما يتعلق بأمن المعلومات والخصوصية، وكذلك الطاقة والبيئة. ومن الضروري أن يعمد المركز للاستفادة من التجارب الدولية في المجال ذاته، ومن ذلك تجربة مفوضية سلامة منتجات المستهلك الأمريكية (CPSC) في توعية المستهلك بالمنتجات الضارة، التي تُعد تجربة رائدة على مستوى العالم، وكذلك التجربة الأوروبية في توعية المستهلك ممثلة في نظام الريبكس (Rapex)، وكذلك تجربة إدارة شؤون المستهلكين التابعة للمفوضية الأوروبية. كما يمكن الاستفادة من العديد من المنظمات والجمعيات الفعالة في الدول الغربية، منها "اتحاد المستهلكين" (CU)، وهي منظمة تعمل لضمان سوق آمنة وعادلة لجميع المستهلكين بالولايات المتحدة، ولها دور كبير في تشكيل ثقافة الاستهلاك في المجتمع الأمريكي. ولدينا أيضاً تجربتا منظمة ويتش (WHICH) البريطانية وجمعية حماية المستهلك الأسترالية (CHOICE)، وتهدفان إلى رفع الوعي وتقديم المشورة في مجال حماية المستهلك وحقوقه، إضافة لإجراء البحوث ذات العلاقة، كما تصدران تقارير دورية حول أبرز القضايا والمستجدات المعنية بحماية المستهلك. لقد أصبح إنشاء ذلك المركز الوطني مطلباً ملحًّا للمستهلك، وحلماً لكل المهتمين والمختصين بحماية المستهلك في السعودية؛ فهل سيتحقق ذلك على يد وزارة التجارة، التي أثبتت مؤخراً جديتها في التعامل مع حقوق المستهلك والإنصات لمطالبه؟ @359degree صحيفة سبق