لقد اعتُمد موضوع البيئة وحمايتها ضمن النظام الأساسي للحكم وفقاً للمادة (32) منه، والتي تنص على التزام الدولة بالمحافظة على البيئة وحمايتها، وأنشأت لذلك الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة. وقد دعاني قبل عدة أشهر الصديق الدكتور أحمد عاشور -الذي أحدث نقلة نوعية يشهد لها القاصي والداني أثناء إدارته لمستشفى الملك فهد بجدة- لتناول طعام العشاء بمنزله العامر على شرف معالي الدكتور عبدالعزيز الجاسر الرئيس العام لمصلحة الأرصاد وحماية البيئة، إلا أنني لم أتمكن من الحضور –آنذاك- لظروفٍ صحية ألمّت بي، وقد كنتُ أتمنى الحضور لسببين أولهما: لقاء الصديق الدكتور أحمد عاشور ونخبة من الأصدقاء، وثانيهما: لأطرح سؤالاً -كان عالقاً في ذهني- على معالي الدكتور الجاسر مفاده: لماذا لم يتم وضع إستراتيجية شاملة لمعالجة إشكاليات البيئة بمحافظة جدة؛ ولاسيما بعد أن تراكمت معاناتنا من التلوث البيئي، وأصبحت جدة من أكثر المحافظات تلوّثاً في العالم، وأضحت أرضها وسماؤها، وبحرها وبحيراتها ومرمى نفاياتها ملوثة بشهادة الجميع، بل إن ذلك التلوّث في تفاقم مستمر، غير أن الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة برئاسة الدكتور الجاسر قد استجابت لنداءاتي ونداءات غيري، فاعتمدت رؤى وخططاً مستقبلية لمواجهة التلوّث في جدة ل25 عاماً، وهذا ما كنتُ أُطالب به، وسأتحدّث عَنْه لاحقاً بالتفصيل، وفي كلمته -عند تدشينه الخطة الإستراتيجية البيئية بحضور كافة الجهات المختصة بفندق بارك حياة (عكاظ عدد 17355)- أوضح الدكتور الجاسر بكل شفافية أن العمل البيئي لابد أن يكون جنباً إلى جنب مع الخطة التنموية الجبّارة التي تقوم بها حكومة خادم الحرمين الشريفين، وأكبر مثال على ذلك ما يُعاني منه الوضع البيئي في مدينة جدة، لأن الأبعاد البيئية لم تُؤخذ بعين الاعتبار ضمن الأعمال التنموية خلال العقود الماضية، فأصبحت التكلفة باهظة لتصحيح الأضرار البيئية، ناهيك عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية، وعلى الصحة العامة. واللافت للنظر أن الخطة بدأت بإجراء مسح ميداني بيئي شامل لمدينة جدة، يهدف إلى معرفة مدى تلوّث شواطئ المدينة، ودراسة جودة الهواء فيها، وتحديد مصادر ملوّثات الهواء، وقد شملت الخطة الإستراتيجية النواحي البيئية والاجتماعية، وغطّت نواحي عدة من البيئة البحرية والمياه الجوفية وتصريف مياه الأمطار، ومياه السيول. كما شملت الدراسة جودة المياه في البحر من خلال 450 موقعاً، والشُّعب المرجانية، وتم أخذ عينات من الأسماك، وعينات من المصبّات في البحر ومياه الصرف الصحي، إلى النفايات وجودة الهواء، وقد وضعت الخطة الإستراتيجية لجدة كمحصّلة لدراسات شاملة لمحيط جدة المائي والهوائي واليابسة، والآثار الاجتماعية والصحية والاقتصادية، وكذلك تحديد المخاطر، والنظرة المستقبلية للمدينة، علماً بأن الدراسة امتدت لكافة المناطق التابعة للمحافظة. وقد أشار معالي الدكتور الجاسر في خطابه إلى أن إشكالية ومعالجة التلوّث ليست بالعملية المنخفضة التكاليف، بل هي باهظة الثمن، لتصحيح الأضرار البيئية المتراكمة. ونحن من جانبنا، نعي أن الخطة إنجازٌ تُشكر عليه الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة برئاسة الدكتور الجاسر، ولكن مع تنفيذ تلك الخطة لابد من الوضع في الاعتبار أن حلمنا جميعاً أن نكون أصدقاء للبيئة، كما أننا نحلم ببيئة خالية من التلوث، وبكل مصداقية لن يتحقق ذلك في المدى القريب، ونعي جيداً أن الإنسان أهم عنصر في إحداث التغيير البيئي. ولابد من التنبيه إلى أنه لن يتحقق هذا الحلم إلا بتعاون الجميع واكتمال مشروعات البنى التحتية (مياه، صرف صحي، أمطار وسيول، مياه جوفية، مرادم، نفايات... وغيرها)، وكذلك إخلاء المدينة من المصانع المنتشرة فيها، فالتصنيع وإطلاق الأبخرة والغازات، ومصبّات الصرف الصحي للمحطات والعمائر في البحر والبحيرات دون معالجة، لها آثار سيئة على البيئة. ونعي جيداً أن مكافحة التلوث ليست بالعملية السهلة التي يتصورها البعض، وأنها تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً وتوعية مستمرة للجميع، بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني دون استثناء. ونأمل من الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة أن توضِّح وتعلن الإجراءات التي تعتزم تنفيذها بحزم بكل أمانة ومصداقية، ليعلم المواطن مدى الجهد المبذول في هذا الخصوص ليقوم -هو الآخر- بدوره تجاه مجتمعه وبيئته. [email protected] للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS تبدأ بالرمز (38) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى 88591 - Stc 635031 - Mobily 737221 - Zain صحيفة المدينة