أكد إمام وخطيب جامع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود- رحمه الله- بمدينة الرياض، "ناصر بن علي القطامي"، خلال خطبة الجمعة؛ قصة مخترع موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مؤكداً أن "الفيسبوك" ذئب جائع غذاؤُه الوقتُ، مبيناً إيجابياته وسلبياته، وعارضاً ثلاث عشرة نصيحة لكل مرتاديه. وقال: "إن ثمة جهداً يسيراً تقوم به لاستطلاع أحد حسابات بعض الشخصيات على شبكات التواصل الاجتماعي كفيلة بإبراز هوية صاحبها، وكشف شخصيته، ومستوى اهتماماته، من خلال تعريفه لنفسه على واجهة صفحته، ونوعية من يتابع؛ حتى يتمكن من التعرف نسبياً إلى نمطية تفكيره، وفسيولوجية طبيعته من خلال ما ينشر، أو عبر ردوده على متابعيه، مؤكداً أننا أمام ثورة تقنية هائلة، وعولمة فكرية ضخمة، تستحق منا دراستها وكشف خفاياها". وكان "القطامي" قد تحدث في خطبته اليوم الجمعة، عن نشآة شبكات التواصل الاجتماعي ومحاسنها وإيجابياتها، وكذلك سلبياتها ومخاطرها الشرعية والاجتماعية، والأمنية، والسلوكية والآلية الإيجابية للتعاطي معها، وترشيد استخدامها، مستشهداً بالعديد من الإحصاءات والدراسات المحلية والعالمية. واستفتح بقصة مخترع "الفيسبوك"، "مارك زوكربيرغ"؛ حيث قال: "لم يكن يدر بخلد ذلك الشاب الأمريكي الصغير ذي العشرين ربيعاً، الذي يدرس في قسم علوم الحاسب بجامعة هارفارد عام 2003م؛ أنه بين عشية وضحاها سيساهم في قلب العالم وتغيير وجهته، حين أسس أول موقع ضخم في منصة وسائل التواصل الاجتماعي، وهو: (الفيس بوك). وأبان "القطامي" أن الحديث في بدايات ظهور ثورة وسائل التواصل الاجتماعي كان يعد من نافلة القول، بل ربما ترفع بعض كبار أهل العلم والمثقفين عن الخوض في الحديث عنها أو المشاركة فيها، بل ربما بلغ بالبعض المنع منها وتحريمها، وما هي إلا أيام حتى غدت هذه البرامج التقنية عند الكثير ضرورة لا ترفاً. واستطرد: "لقد أصبح العالم اليوم في ظل وسائل التواصل الحديثة كقرية صغيرة، يستطيع الإنسان التعرف إلى أخباره والتواصل مع أفراده، فلقد أصبحت هذه الوسائل الآن متاحة في أيدي عدد كبير جداً في كل دول العالم". واستعرض "القطامي" عدداً من الدراسات التي تشير إلى وجود نحو 15 مليون مستخدم للإنترنت في السعودية، كما تحتل السعودية المرتبة الخامسة عربياً فيما يخص استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، ويصل عدد مستخدمي موقع "الفيس بوك" مثلاً في السعودية 6 ملايين مستخدم، ويضم حالياً أكثر من مليار مستخدم على مستوى العالم. وتابع: "أما حجم زوار الشبكات الاجتماعية والمشتركين في تزايد مستمر، ويعتبر الموقع الشهير "الفيس بوك" ثامن أكبر دولة في العالم، لكن ليس من حيث عدد السكان بل من حيث عدد المشتركين؛ حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لا تؤثر في نطاق المجتمع الافتراضي فقط، بل شملت واقع حياة المتعاملين معها الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية". وتطرق "القطامي" إلى بعض محاسن وإيجابيات شبكات التواصل الاجتماعي؛ فمنها: أنها وسيلة للتواصل المعرفي؛ فيمكن من خلال وسائل التواصل الاجتماعي جمع كثير من المعلومات والمعارف، فهي وسيلة اطلاع سهلة وميسورة تساعد على التنوع الثقافي وزيادة المعرفة، وهي فاعلية أكثر من الوسائل التقليدية للمعرفة والقراءة. فإذا نظرنا إلى حجم المعلومات المتبادلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجدناها كثيرة ومتنوعة، تشمل كثيراً من المجالات، وتساعد الشباب على زيادة النمو المعرفي دون بذل كثير من الوقت والجهد في القراءة والاطلاع في المكتبات. كما أنها أداة عون على صلة الرحم، ولا يخفى ما توفره وسائل التواصل الاجتماعي من جهد ووقت لتحقيق الفريضة التي ربما غابت عن كثير من الناس؛ إما لانشغالهم أو بعد المسافات، أو صعوبة الطريق وما إلى ذلك، أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد قصرت المسافات بين الأقارب بعضهم البعض، ويمكن للإنسان أن يطمئن على أقاربه والتعرف إلى أخبارهم على مدار اليوم دون أن يكلفه ذلك وقتاً ولا جهداً ولا سفراً". ولفت الى ان هذه المواقع منبر للرأي والرأي الآخر، فإن من أهم خصائص شبكات التواصل الاجتماعي سهولة التعديل على صفحاتها، وكذلك حرية إضافة المحتوى الذي يعبر عن فكرك وآرائك، والتي ربما تتعارض مع الغير أحياناً، فالمجال مفتوح أمام حرية التعبير– المنضبطة بميزان الشرع والعقل-؛ مما جعل مواقع التواصل الاجتماعي أداة قوية للتعبير عن الميول والاتجاهات والتوجهات الشخصية، كما أن الشخص في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر فاعلية؛ لأنه يستطيع المشاركة بآرائه وأفكاره، وليس أداة استقبال فقط". وقال: تعتبر وسيلة دعوية فعالة، فقد فتحت الشبكات الاجتماعية باباً كبيراً للتواصل والدعوة مع الآخرين مسلمين أو غير مسلمين، باختلاف لغاتهم واختلاف أجناسهم وبلدانهم، وأصبح لكثير من الدعاة صفحاتهم الخاصة ومواقعهم الإلكترونية، وهو انتقال إيجابي للتواصل العالمي مع سائر المسلمين في ظل الانفتاح المعلوماتي، وتتميز الدعوة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي بالعالمية والفورية والتحديث المستمر، مع كسر حاجز الوقت والزمان، والسهولة في الاستخدام والتواصل، والتوفير في الجهد والتكاليف، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي يمكن للإنسان أن يعمل جاهداً على تطوير وتحسين العديد من الأمور المختلفة التي يمكن أن تساعده على تطوير حياته؛ كاكتساب المهارات الجديدة ". وأوضح: "رغم الإيجابيات الكثيرة التي تحملها شبكات التواصل الاجتماعي، فإن استعمالها لا يخلو من سلبيات ومخاطر اجتماعية؛ حيث نبهت دراسة سعودية متخصصة إلى المخاطر الاجتماعية المحتملة لمواقع التواصل الاجتماعي على الأسر، مشيرة إلى أن من تلك المخاطر كثرة حالات الطلاق والخيانة الزوجية، وتقليص العلاقات الاجتماعية، وخصوصاً مع تفشي استعمال مواقع التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية". وبين: "من السلبيات ضياع الوقت؛ فقد أصبح استخدام الهاتف الذكي، وغيره من الأجهزة الحديثة للتصفح في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ يسلب من الإنسان وقتاً كبيراً، حتى بلغ بالبعض حد الإدمان في قضاء أوقات كبيرة للتصفح في هذه الوسائل، حتى بين جنبات المساجد، وأدبار الصلوات، وفي رحاب الحرمين الشريفين، منشغلين بتصوير أو تسجيل، أو محادثات ونحوها". وشدد على أن شبكات التواصل الاجتماعي ذئبٌ جائع.. غذاؤه الوقت. وإستكمل "القطامي" السلبيات، ومنها: بث الإشاعات والأراجيف، فقد صرح مسؤول أمني في المملكة أن ما يقارب عشرة آلاف حساب في "تويتر"، ومائة وثلاثين ألف تغريدة يومياً تستهدف زرع الفتنة والإحباط داخل المجتمع السعودي، فالشائعات تُعتبر من أخطر الأسلحة الفتَّاكة والمدمِّرة للمجتمعات والأشخاص، فكم أقلقت الإشاعةُ من أبرياء، وكم حطَّمت الإشاعة من عظماء، وكم هدمت الإشاعة مِن بيوت، وكم تسببت الشائعات في هدم علاقات وصداقات. ونصح: "الواجب على المسلم أن يقف عند هذه الشائعات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وألا يسمح لنفسه أن يكون ناقلاً لها. واشار الى ان وسائل التواصل الاجتماعي شأنها شأن وسائل الإعلام المرئية والمقروءة؛ منها ما ينشر المعلومات الصادقة، ومنها ما يهدف لتغييب الوعي وإثارة البلبلة، وقد تكون مصدراً للخير، وقد تكون دافعاً للشر؛ مما قد يحدث خللاً أمنياً وفكرياً، وخاصة أن أكثر رواد الشبكات الاجتماعية من الشباب؛ مما يسهل إغراءهم وإغواءهم بدعوات لا تحمل من الإصلاح إلا اسمها، وما هي إلا خطط إبليسية يقف وراءها دول ومنظمات تسعى للهدم والتدمير". ومن سلبياتها: عرض المواد الإباحية والفاضحة والخادشة للحياء. لقد ذكرت وزارة العدل الأمريكية في دراسة لها أن تجارة الدعارة والإباحية الخلقية تجارة رائجة جداً يبلغ رأس مالها ثمانية مليار دولار، ولها أواصر وثيقة تربطها بالجريمة المنظمة، وتجارة الدعارة هذه تشمل وسائل عديدة؛ كالكتب، والمجلات، وأشرطة الفيديو، والقنوات الفضائية الإباحية، والإنترنت. وتفيد إحصاءات الاستخبارات الأمريكية (FBI) أن تجارة الدعارة هي ثالث أكبر مصدر دخل للجريمة المنظمة بعد المخدرات والقمار. ومن سلبيات شبكات التواصل الاجتماعي الكذب لأجل إضحاك الناس حد قوله. ومن سلبياتها: حدوث الأعراض الصحية؛ فلقد أظهرت العديد من الدراسات الآثار السلبية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في الظلام- خاصة عبر الأجهزة اللوحية- على عادات الراحة والنوم، إضافة إلى تأثيرها على العينين جراء إشعاع الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، فالتعرض للشاشة المضيئة لفترات طويلة من الزمن يمكن أن يؤخر المستخدم عن النوم. ويذكر أن طريقة حمل الأجهزة والتعامل معها يمكن أن تسبب للمستخدم توتراً في العضلات والأوتار في أجزاء مختلفة من الجسم؛ فالاستخدام المفرط للأجهزة المحمولة يعطي شعوراً بالألم والضعف الجسدي، كما قد يصيب مدمنيها بمتلازمة بصر الكمبيوتر بسبب التحديق في الخط الصغير للنصوص، وقراءة الرسائل؛ مما يسبب إجهاد العين وجفافها، كما يسبب آلام العنق والرقبة، وخاصة لمن يتخذ وضعيات غير صحيحة . ومن سلبياتها قال: "اختطفت لذة القراءة المنهجية، ومتعة المطالعة التخصصية، وأشعرت كثيراً من مستخدميها بالتخمة الفكرية، لكثرة ما يقرؤون من خلالها، حتى إذا ما جئت تفتش في داخلك، ومستوى حصيلتك، لم تجده شيئاً يستحق القياس، سوى معلومات مفرقة، وأحسن ما يقال في حقها إن كانت مطالعات إيجابية: أنها ثقافة عامة، لكن من المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تطور فكراً، أو ترشد وعياً، لكنها من الصعب أن تؤسس علماً، أو ترسخ منهجاً، أو تبني حضارة، وتدني مستوى الاهتمامات في بعض الحسابات والشبكات، إطلاق الأوسمة التافهة (أو ما يسمى بالهاشتاقات)، وانخراط الكثير في المشاركة فيها وللأسف". وأشار إلى أن إيراد مثل هذه المخاطر لشبكات التواصل الاجتماعي، لا يعني بالضرورة التحذير منها، إنما المراد الحذر منها، إذ إنها سلاح ذو حدين، من استعان بها على اكتشاف المعارف والعلوم، وإصلاح نفسه وتطويرها، والتوازن في التعاطي معها عبر المفيد والمباح منها؛ كانت له خيراً وبركة، وإن كانت الأخرى فقد خسر. وطالب مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بتوجيهها لا مواجهتها؛ لأنها أصبحت جزءاً من هوية المجتمع، ومعبرة عن تكوينه، وناطقة بتفاصيله؛ ومن تلك التوجيهات والوصايا "حدد هويتك، إرسم منهجك، وارفع قيمتك واسمُ بذاتك، وحلق بروحك في سماء العز، مترفعاً عن سقط المتاع، ولا تهبط بفكرك ولسانك واهتماماتك، فلا يلزم من كثرة الشيء أو انتشاره صحتُه وسلامتُه، فانتشار تركيب المقاطع المرئية المضحكة مثلاً بقصد السخرية من أشخاص أو شخصيات، وتداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي؛ لا يعني جواز نشرها؛ لوقوعها في دائرة المنع وأكمل النصح: "ليس كل مشهور صحيحاً، كما أنه ليس كل صحيح مشهوراً، فلا يعني بالضرورة أن ما يفيدك يستلزم أن يكون في حساب شخصية مشهورة! أو أن يكون في حساب يزخر بآلاف الأعداد من المتابعين، كلا، بل ربما وجدت بُغيتك عند شخصية مغمورة، فأثْرت معلوماتك، ونمّت ثقافتك، وطورت من مستواك، فكثرة المتابعين ليست دليلاً قطعياً لفضل المرءِ أو نُبلِه".