أحب أن أفتتح المقالة بقصيدة مطهر الإرياني التي غناها الفنان القدير علي السمة: يا قافلة عاد المراحل طوال وعاد وجه الليل عابس قولي لهم عاد الخطر ما يزال لا تأمنوا شر الدسائس. إذا أمكن تقسيم الثورة اليمنية إلى طورين: الطور الأول حتى توقيع المبادرة الخليجية. والطور الثاني: ما بعد المبادرة من حيث اختلاف السياقات الداخلية والخارجية المحيطة بالثورة، فسيكون من الممكن أن نزعم أن «نشوان لا تفعجك خساسة الحنشان، الموت يا بن التعاسة يصنع الشجعان (....) شق الطريق وظهّر الملامح، حتى تعانق صبحنا تصافح، وينتهي الإرهاب والمذابح» للثنائي: محمد مرشد ناجي والصريمي كانت التدشين الغنائي النوراني والتوراتي لهذا الطور. كما أن مسوّدة «يا قافلة عاد المراحل طوال» للثنائي الإرياني والسمة هي الافتتاحية الهوميرية للطور الثاني من الثورة. هذا على سبيل التقديم، فقط. يتباحث الأميركان والروس منذ أيام حول تطبيق خيار «الحل اليمني» في سوريا. بحسب «يديعوت أحرونوت» فإن الأسد سيكون عليه أن يتنازل عن السلطة لشخصية تحظى بقبول داخلي وخارجي. على أن تكون روسيا هي «المنفى المريح» بالنسبة للأسد على غرار نيويورك، منفى صالح المريح، كما تقول الصحيفة. من المناسب أن نؤكد للمسخ، صالح سابقاً، أن حديث «بشر القاتل بالقتل» هو حديث ضعيف، شديد الضعف، طبقاً لصاحب «كشف الخفاء وإزالة الالتباس». لكن المؤكّد، وهذا غير ضار، هو قول علي ولُد زايد: من كان أبوه يظلم الناس كان القضا في عياله. المسخ استخدم كلمة «القضا» في خطابه الأخير أمام الحرس ليعني به: الانتقام. يمكنه الآن أن يغادر إلى نيويورك، كما تؤكد المصادر المقربة منه. في النصف الأول من الثورة قال حميد الأحمر للبي بي سي: من الأفضل أن يغادر صالح اليمن وليس السلطة فقط، لأن له خصوماً وعليه ثأر. قال أيضاً إنه لن يكون أحد قادراً على ضمانة حياته فيما لو قرر البقاء في اليمن. هل تسري الفكرة على البنين أيضاً؟ بعد توقيع المبادرة أقسم يحيى وأحمد، في مناسبتين منفصلتين، إنهما لن يرحلا وأن النظام باق. معلومات غير مؤكدة قالت إن أحمد خاطب الحرس الجمهوري، مؤخراً، قائلاً إن فكرة إعادة هيكلة الحرس الجمهوري لن يكتب لها النجاح، ولن يسمح لها بأن تسلك طريقها. أما صالح فقد أكد أنه سيختار وزراء جيدين ووجوهاً جديدة، وقد انتدبته الأمانة العامة لحزبه لأداء هذه المهمة كما في الخبر الظريف الذي نشرته ثكنة سبأ للأنباء. يرى نصر طه مصطفى أن صالح يحاول أن يحسن صورة حزبه في المستقبل. وهو أمر يعني أن المبادرة الخليجية قد نجحت تماماً في إعادة خلق النظام من عصاباته ونفخت فيه الروح. وأن هذا النظام سيستمر في المستقبل بتحسينات بسيطة. كما أنه بات يجري عملية مران متقن وهادئ، للدخول في جولة جديدة من المكائد والدسائس والاستحواذ والمضاربة في أسهم الوطنية والخيانة، وقد استعد لذلك بتفريغ الوزارات التي سيتخلى عنها عبر شاحنات عملاقة كما تقول مصادر المعارضة. في لحظة حساب ما ستكتشف إن الشعب الذي خرج لإسقاط النظام لم يسقط النظام وإنما أسقط نصف الحكومة! وهو أمر كان يمكن أن يصنعه «معتصمو الجعاشن» بقليل من الإصرار، دون الحاجة لثورة تاريخية ملايينية. صنع الشباب الثورة، لكن الشيوخ هم الذين التقطوا الصور. نحواً من هذا المعنى قال أوديسيوس لأخيليس في إلياذة هوميروس. ذهب المفاوض المعارض إلى الرياض بصحبة لفيف من الساسة ليس من بينهم منتدب واحد من قبل الثوّار. ففي آخر انتخابات برلمانية، اعترفت المعارضة بشرعيتها العملية ومارست هذا الاعتراف لعقد من الزمان، حصلت المعارضة على 17 بالمائة من أصوات «البالغين». بقليل من الاعتساف يمكن القول إن المعارضة ذهبت إلى الرياض لكي توقع المبادرة الخليجية نيابة عن 17 بالمائة من الجماهير، وبقي ما نسبته 83 بالمائة غير معنيين بهذا التوقيع ولا يمكن الزعم – بالمعنى القانوني أو الأخلاقي – إن الأمر كان كذلك. القيادات الكلاسيكية للمعارضة تقول إنها مطمئنة لما أنجزته. باسندوه قال للجزيرة إن الثورة أنجزت نصراً جزئيّاً. قال إن هذا النصر الجزئي سيقود إلى التغيير الشامل «إن شاء الله». يدرك باسندوه أن الاستدراك بالمشيئة لا يصنع سياسة، بالطبع، ولا يغير الوقائع. سبق أن أشرنا إلى أن حديث «بشر القاتل بالقتل» شديد الضعف، وأن الله خلق العالم بالفعل لكننا نحنُ من نسيّره، كما يعتقد الفيلسوف الشاب سبينوزا. يعلم باسندوه جيداً أن جون ستيورات ميل، المفكر الأوروبي الشهير قال في كتابه الشهير«الحرية» قبل أكثر من قرنين إنه من الخطأ الاعتقاد أن الحق ينتصر دائماً. إذ، وفقاً لميل، للشرّ أنصار متحمّسون له كما للحق. سيكسب المعركة، هكذا دائماً، «الفاتك اللهجُ» كما يخمّن بشار بن بُرد. في لقائه بقناة الجزيرة بدا باسندوه فيلسوفاً خارج المدار. يتحدث في السياسة على طريقة ابن رُشد بينما يدور المشهد برمّته في حقل «أحلام الفتى الطائش». بالنسبة للجيش المؤيد للثورة فقد ورد عنهم تهنئتهم للشعب. وانتهت مهمتهم عند هذا المقام الجليل: مقام الحمد والشكر، على طريقة عبد الجبار النفّري: أجلسني في خرم الإبرة ثم قال...إلخ. الشعب الذي مثلته أحزاب المعارضة لا يمتلك بطاقات عضوية في أحزاب المعارضة، ومع ذلك مطلوب منه أن يشعر بالرضا لأن المعارضة استلمت الوزارات في نصرها الجزئي العظيم. البقبقة للولي والفائدة للقيّوم، كما يردد أهل تعز.
صحيح إن المعارضة تمتلك رؤية تفضل وصفها ب«الوطنية»، لخصتها اللجنة التحضيرية في حوالي 91 صفحة، وقال باسندوه إنها لا تزال مفتوحة للنقاش والحذف والإضافة. لكن الأصح من ذلك هو أن العملية السياسية لم تكن على الدوام جزءاً صميماً من الثورة. في الختام أيضاً لم يكن التوقيع على المبادرة هو خاتمة الثورة بل الفصل الأخير في رواية الحوار اليمني. لقد تبادلت المعارضة التهاني في احتفالية التوقيع، وكذلك تورط إعلامها. بينما اشتعلت الميادين في عموم اليمن. باسندوه، في إشارته للنصر الجزئي، كان يصف بدقة ما فعلته العملية السياسية بالنسبة لأوراق الأحزاب السياسية وخرائطها. الحوار فعل سياسي والثورة حدث تاريخي. هذه الحقائق يجري تجاوزها على نحو شديد الجرأة. بالنسبة للثورة فهي مباراة من شوط واحد ينتهي بخروج المهزوم. لا مكان للتجزئة، ولا منطق لمباراة الإياب، كما هي خصيصة المنطق السياسي. يحب باسندوه الشعر كثيراً. يكتب القصائد العمودية، وله نص عمودي عميق في مديح صديقه محمد حسنين هيكل على هامش نقاش حول مسوّدة كتاب في السياسة لباسندوه. لقد تأكدتُ أن باسندوه قرأ جيداً نص «عودة ذي الوجه الكئيب» للراحل صلاح عبد الصبور، واندهش له كثيراً. من المتوقع أنه يعرف تماماً مقترح عبد الصبور في الخلاص من ذلك الوجه «ذو النظرة البكماء والأنف المقوّس والندوب، لحناً من الإذلال والكذب المرقّش والنعيب». ففي الخاتمة كان الراحل عبد الصبور يقول: سيظلّ ذو الوجهِ الكئيبِ وأنفُه ونيوبُه وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب إلاّ إذا ماتَ سيموت ذو الوجه الكئيب سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفنٍ على وجهِ السماء في ذلك اليوم الحبيب ومدينتي معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء في موت ذي الوجه الكئيب. .. إذ لا توجد طريق أخرى، ولا منطق للنصر الجزئي. ومدينتنا، معقودة الزنار، تريد أن ترقص في الضياء مثل كل تلك المدن التي دخلت إلى النور دفعة واحدة، بلا تأجيل. المصدر أونلاين