الشيء الأكثر إيلاماً في هذه البلاد هو أن حياة الناس غير جديرة بالاهتمام، يتجول القتل في الساحات والطرقات، يمر بجوار أقسام الشرطة، ويُفاجئ الناس في بيوتهم، ويحصد أرواح الصغار، دون أن يتحرك أحد لإيقافه أو العمل على عدم تكراره. لا أحد اليوم يجد أن ثمة ما يستدعي الانتباه إلى ضحايا الحوادث المرورية مثلاً، أو وفيات الأطفال اليمنيين التي تمثل الأعلى عالمياً، لأن الموت لدينا قضاء وقدر وانتهى الأمر، مثل أن تدفع شخصاً من أعلى المنحدر ليلقى حتفه، ثم تقول وأنت عائد إلى بيتك: «كان مكتوباً عليه أن يموت بهذه الطريقه».
أشعر بالأسف دائماً من طريقة تعاملنا مع حياة الناس، وكيف أن شعاراً مثل «كلما زدنا شهيد»، كان أكثر الأشياء مدعاة للفزع أثناء الأيام المجيدة للثورة، ذلك أن الشهداء ليسوا مجرد أرقام أو عدد نسعى إلى رفعه باستمرار.
أكثر المخاوف تأتي من أشياء كهذه: من التضحية بحياة الناس في سبيل أهداف سياسية لا أحد يستطيع الجزم بأنها تستحق أن يموت الناس بسببها، كما حدث في عدن وحضرموت الأسبوع الماضي.. لا الاحتفال بذكرى الثورة ولا النضال من أجل الانفصال يستلزمان المزيد من القتلى والضحايا الجدد.
أظن أن ثمة تقديراً خاطئاً للمسألة برمتها، ولا أدري كيف فات على أصحاب فكرة الاحتفال في عدن أن المزاج الغاضب للحراك الجنوبي قد ينفجر على نحو عنيف لا يخدم جهود التسويق لمؤتمر الحوار ولا تهيئة الناس للدخول في مرحلة جديدة.
إن الذي يحزنني أكثر هو أن من خطط لاحتفالات عدن قد خطر في باله أنه قد تحدث مواجهات ويسقط قتلى، ومع ذلك لم يقرر التوقف عن فعل ذلك، لاعتقاده إن استعراض عضلات أنصار الوحدة في وسط ساحة الحراك، يستحق التضحية ببعض القتلى، وهذا شيء مفزع، ويشير بشكل واضح إلى الطريقة التي ينظر فيها بعض القادة السياسيين في هذا البلد إلى حياة الناس.
يجب ألا يموت الناس في مناسبات يطلق عليها احتفالات، الاحتفالات ليست للموت، وإن حدث وجاء الموت برصاص العسكر أو الناس الغاضبين، يجب أن يتوقف الجميع، وأن يحظى الموت ببعض الإجلال الذي يستحقه، أهالي الضحايا يستحقون من يقدر فاجعتهم، وعلى الدولة أن تشعر بمسؤوليتها، وكنت أتمنى بعد حادثة سقوط طائرة السوخوي أو أحداث عدن وحضرموت، أن يبادر رئيس الدولة أو رئيس الوزراء إلى زيارة المصابين وأن يظهر تعاطفه وحزنه مع بعض أبناء شعبه، كما يحدث في أي دولة تحترم مواطنيها وتهتم فعلاً بالحفاظ على أرواحهم، وتحزن لفقدها.
لا يحدث شيء نبيل وإنساني تجاه الموت في هذه البلاد، وعلى المرء دائماً توقع ما هو أسوأ من ذلك، مثل أن يفرح بعض قادة الحراك الجنوبي بمن سقطوا قتلى من شباب الحراك، لاعتقادهم أن ذلك سوف يساعد فكرة الانفصال، وتستطيع أن تلمس وتشعر من خلال ما يقال ويكتب أن ثمة فصيلاً داخل الحراك يرغب في إحراق الجنوب وأبنائه في سبيل تحقيق مطامعه ورغباته.
بالنسبة لي فقد كنت أتمنى التالي: أن تعلن جميع فصائل الحراك الحداد على من سقطوا في مواجهات اليوم الأول في عدن، والتزام الهدوء حزناً على من ذهبوا إلى لقاء ربهم، وكان يمكن اللجوء إلى الطرق الذكية التي تشعرنا أن هؤلاء الذين يقولون إنهم مختلفون عن «همج الشمال» يستطيعون فعل شيء حضاري وإنساني يجلب احترام الداخل وتعاطف الخارج.
بدلاً عن ذلك لجأ أنصار الحراك إلى أسوأ ما يمكن عمله: إحراق مقرات حزب الإصلاح، ومهاجمة المساكين من أبناء المناطق الشمالية وإحراق محلاتهم، أثناء ذلك سقط المزيد من القتلى والجرحى، ثم لا أحد عنده الاستعداد للتوقف عن ارتكاب الحماقات التي تسلب الناس أرواحهم.
أشاهد كل هذا وأتذكر كيف تتعامل بقية الشعوب وحكوماتها مع الحالات المشابهة وأشعر بالألم، كأن هذه البلاد فقدت الرشد، ولم يعد فيها رجل قادر على التأثير في حياة الناس ثم لا ينظر إلى مواطنيه على أنهم مجرد كائنات فائضة عن الحاجة، لا يمكن استثمارها إلا وهي ميتة.