ما الذي استجد الأسبوع المنصرم ؟ تصريحات المسئولين اليمنيين بخصوص مؤتمر لندن القادم، والتدخل الخارجي لمكافحة الإرهاب في اليمن، توحي بأن تباينات كبيرة في المواقف بدأت بالبروز على السطح. ومع أن وزير الخارجية اليمني أبوبكر القربي أكد في مؤتمر صحفي، (الثلاثاء) الفائت أن اليمن ستشارك في المؤتمر الذي دعا له رئيس الوزراء البريطاني جوردن بروان أول هذا الشهر، والذي سيعقد في عاصمة المملكة المتحدة (لندن) في 28 من الشهر، إلا أن عدم الاتفاق على تسوية التباينات التي استجدت في المواقف - بحسب مقربين في الحكومة - قد تعلق مشاركة اليمن بوفد رفيع وربما الاستعاضة عنه بوفد من الدرجة الثانية حفاظاً على الدبلوماسية.
ومع ما يقال بشأن انعدام التنسيق الدبلوماسي والسياسي المسبق بين اليمن وكل من بريطانيا وأمريكا، حول الدعوة للمؤتمر وطبيعته، وكذا من تفاجئ الجانب اليمني بالأمر، إلا أنه وفي البدء رحبت بلادنا بتلك الدعوة. فعقب دعوة بروان، اعتبر مصدر يمني مسئول، في تصريحات منشورة، تلك الخطوة "أنها في الاتجاه الصحيح". واليوم، وضمن اجتماعه الدوري الأسبوعي، ناقش مجلس الوزراء الترتيبات والتحضيرات والقضايا التي ستطرحها اليمن في المؤتمر.
ومع أن الدعوة لعقد المؤتمر ارتبطت بتطورات الأحداث الأخيرة في اليمن، فإن الخلاف كما يبدو ناتج عن سوء الفهم بين ما تريد اليمن تحقيقه وبين ما تريده بريطانيا والولاياتالمتحدة التي يقال أنها تقف خلف تلك الدعوة.
بحسب مكتب بروان، فإن الاجتماع "سيسعى إلى تشجيع وتنسيق جهود المانحين الدوليين لدعم التنمية في مناطق باليمن تواجه معظمها خطر التطرف. وأنه يجب على المجتمع الدولي ألا يحرم اليمن من الدعم الذي يحتاجه لمعالجة التطرف".
لكن، وبعد حوالي أسبوعين من الدعوة البريطانية، فإن ما يمكن استنتاجه في الوقت الحالي، هو أن اليمن لا تعرف فعلاً ماهي أجندة المؤتمر الدولي الذي سيحضره شركاء دوليون، والذي سيعقد بالتوازي مع مؤتمر دولي هناك، بشأن أفغانستان في نفس اليوم.
ويعزز عدم المعرفة تلك، قول وزير الخارجية اليمني، أن"اليمن تأخذ في الاعتبار كل السيناريوهات والاحتمالات التي ستطرح على مؤتمر لندن" ضمن ما نقل عنه في المؤتمر الصحفي اليوم. والذي قلل فيه – أيضاً - من أهمية ما يمكن أن يفضي إليه، حين قال أنه "يجب ألا تكون التوقعات كبيرة في هذا الوقت لأن لدى الحكومة الكثير من القضايا التي ستطرحها ونأمل أن تلقى صدى من الدول التي ستشارك في المؤتمر".
اليمن اعتقدت أن القضية الاقتصادية ستكون الغالبة والأساسية في المؤتمر، فقد جاء ترحيبها بالدعوة سريعاً- بعد يوم واحدة فقط - ربما وفقاً لما فهمته من أن المؤتمر، سيحشد "الجهود الدولية لدعم اليمن في المجال التنموي وتعزيز قدراته في مكافحة البطالة والتخفيف من الفقر". حسب ما نقلته وسائل الأعلام من تصريحات للمصدر اليمني المسئول. والذي نقل عنه ايضاً القول " إن القضاء على الفقر والتطرف والبطالة في المجتمعات النامية يمثل المدخل الصحيح لإنهاء التطرف وضمان عدم إيجاد بيئة مناسبة لنمو هذه الظاهرة وجذب الشباب إليها".
لكن ما بدأ يبرز على السطح – مؤخراً – أن لدى الأطراف الدولية الفاعلة أجندة أخرى، تتعلق بالسياسة أولاً ومن ثم يأتي الاقتصاد. وقد أكد مكتب بروان، أن الاجتماع"سيهدف إلى تحسين جهود التنسيق الدولية لمكافحة الإرهاب في المنطقة وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في اليمن".
إذن لقد اعتقدت اليمن أن المؤتمر إنما يهدف لتقديم العون المالي، باعتباره المدخل الصحيح لإنهاء التطرف. غير أن ما اتضح أن الهدف منه سياسي أكثر منه اقتصادي. وقد يعزز ذلك، تكرار محاولة الجانب اليمني من توجيه المؤتمر نحو تحقيق أهدافه الاقتصادية، وإن بمحاولة ربط الأمر بالقضية الأساس: من كون ذلك سيعمل على "تطوير قدراتها في محاربة الإرهاب".
وقد جاء على لسان القربي - في سياق المؤتمر الصحفي - أن بلادنا "تأمل في أن يخرج المؤتمر باستراتيجية تدعم الاقتصاد الوطني والحصول على دعم دولي لتعزيز قدرات اليمن في الحرب على الإرهاب وكذلك دعمها في المشاريع الاقتصادية وإيجاد المزيد من فرص العمل لمواجهة مشكلات البطالة والفقر".
وأضاف أن " اليمن يدعو منذ وقت طويل إلى توفير دعم دولي لمساعدتها في تعزيز قدراتها على مكافحة الإرهاب لأننا كلما حصلنا على دعم استطعنا تحقيق انجازات أكبر"
لا للمساس بالسيادة اليمنية الأمر الذي يتسق ما سبق، هو تعدد التفسيرات لما يحمله المؤتمر من أجندة سياسية كبيرة، يعتقد أنها مرتبة من قبل الأطراف الكبيرة، لكنها غير معلنة.
بعض تلك التفسيرات، ذهبت للحديث عن عدة سيناريوهات محتملة. لعل أهمها إمكانية الخروج بقرار دولي يجعل من التدخل العسكري في اليمن أمراً واقعاً، وضرورياً لمواجهة انتشار القاعدة.
وفي هذا السياق أكد القربي "أن الحكومة اليمنية لن تقبل بأي شيء بمؤتمر لندن يمس بسيادتها أو التدخل في شؤونها الداخلية". وقبله برزت تصريحات متوالية لمسئولين يمنيين – خلال الأيام القليلة الماضية - حذروا فيها من ذلك التدخل المباشر.
يعتبر البعض أن الموقف اليمني، هو الموقف الطبيعي المنسجم مع موقف أي دولة ذات سيادة لا يمكنها أن تقبل المساس بها من أي طرف وأياً كانت علاقته به. بينما يرى آخرون أن مثل تلك التصريحات قد تكون مقدمة لما يمكن أن تكشفه الأيام القادمة من تقديم تنازلات كبيرة.
بينما يمكن النظر إليه من زاويا أخرى. أولها أن هناك خلافات حقيقية بين اليمن والأطراف الدولية الفاعلة مثل واشنطنولندن. ربما تأسيساً على معلومات قد تكون اليمن خبرت بها من أن المؤتمر الدولي يعد فعلاً لتنفيذ هذا السيناريو(التدخل الخارجي المباشر). وخصوصاً مع ما ذهبنا إليه من أن أجندة المؤتمر غير واضحة حتى الآن للجانب اليمني، الذي - كما يقال – حتى أنه لم يعلم بالمؤتمر إلا بعد إعلانه.
والتدخل الخارجي المباشر في اليمن، قد يكون هو السيناريو المحتمل. والذي يمكن اتخاذه من قبل المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وبريطانيا تحت مبرر ضعف مقدرات الجانب اليمني العسكرية في تحقيق هذا الهدف، ومعززاً بالشكوك الدولية من أن تقديم أي دعم مالي لليمن في هذا الإطار لن يفلح مع ما تعكسه التقارير الدولية من استشراء الفساد المالي في اليمن، واستخدام بعض أموال المانحين في كسب الولاءات القبلية العشائرية، والشخصيات السياسية، وأمور أخرى غير الأمور التي قدمت لأجلها.
كما قد يدعم مثل هذا التوجه، وصول الجانب الخارجي إلى تصديق ما يشاع من أن هناك علاقة ما بين القاعدة والسلطات في اليمن. وأن السلطة اليمنية تستخدم تلك العلاقة لجلب مزيد من الأموال الخارجية والعربية بحسب ما تنشره بعض التقارير الغربية.
ومع أن مثل هذا السيناريو لابد أن يترافق مع تقديم الدعم المالي من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة، وكذا تعزيز قدرات الجيش لمواصلة أعماله ضد الإرهاب. إلا أن هناك من يعتقد أن ما تخشاه الحكومة: من أن إتخاذ قرار دولي بالتدخل الخارجي المباشر، قد يحرم الحكومة اليمنية من تلقي المساعدات المالية المباشرة، أو حتى فقدان امتياز التصرف بها بعيداً عن الرقابة الخارجية.
ولذلك يعتقد البعض أن المسئولين في اليمن يميلون إلى ترسيخ المقولة السائدة من أن أي تدخل خارجي في اليمن من شأنه أن يعقد الأمور ولا يحلها، كون القاعدة ستحظى بمزيد من المناصرين بسبب كراهية غالبية المجتمع اليمني خصوصاً، والعربي عموماً، للسياسات الغربية – وعلى رأسها السياسات الأمريكية – في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، قد تساعد التقارير والبحوث الغربية، التي تحذر من التدخل الأمريكي في اليمن، في إحجام الولاياتالمتحدة وقوى التحالف، من اتخاذ مثل هذا القرار، في الوقت الذي قد تعززه تقارير أخرى تعتقد أن التدخل بات ضرورياً لعدة أسباب منها ما ذكرناه سابقاً، ومنها ما لم يذكر.
وربما تأتي الزيارة المرتقبة للقربي إلى أمريكا في هذا الإطار: توضيح وجهة نظر اليمن من المخاوف التي يمكن أن تنتج بسبب إتخاذ مثل هذا القرار. وقد أكد القربي في مؤتمره الصحفي أن تلك الزيارة ستتطرق إلى مناقشة الجانب الاقتصادي، ولمناقشة "الجانب السياسي من أجل أجراء حوار يمني أميركي بحيث لا يترك المجال فقط لمراكز الأبحاث التي قد لا تقدم وجهة النظر اليمنية الصحيحة، والبعد الآخر الجانب الأمني فيما يتعلق بدعم اليمن في مكافحة الإرهاب ودعم قدرات اليمن في قوات خفر السواحل".
وسيناريوهات أخرى تحدث البعض عن عدة سيناريوهات محتملة قد يفضي إليها مؤتمر لندن. وإلى جانب ما سبق سنكتفي هنا بالتطرق إلى سيناريو آخر، هذا السيناريو قد يعزز وجهة النظر القائلة بوجود خلاف حقيقي بين اليمن ومنظمي المؤتمر الدولي.
وهو ما يتعلق بالملفات الأخرى في اليمن: ملفي الحرب في صعدة، والمواجهات مع الحراك الجنوبي، والحوار مع المعارضة.
ربما يرى المجتمع الدولي، أنه من الضروري أن يقدم المؤتمر حلولاً جذرية مناسبة لكافة الملفات الشائكة في اليمن، بحيث يجب ان تترافق تلك الحلول مع حل مشكلة الإرهاب والتنمية. وهذا ربما ما ترفضه الحكومة اليمنية وتعتبره تدخلاً في الشأن اليمني الداخلي.
من الطبيعي أن يطالب المجتمع الدولي بذلك، على اعتبار أن تلك الملفات المضطربة من شأنها - إذا ما ظلت مفتوحة - أن تتيح مناخاً لانتعاش تنظيم القاعدة، وتعقد مسألة القضاء عليه.
ربما أدركت اليمن أن لدى الداعين لمؤتمر لندن حلولاً غير مرغوبة لتلك الملفات. كأن يوكل ملف صعدة للجانب القطري وإعادة الوساطة القطرية ومواصلة تنفيذ البنود التي تضمنتها. ويأتي هذا ربما عملاً ببعض النصائح التي قدمها سياسيون غربيون في وقت سابق ضمن مؤتمر نقاشي حول اليمن لأحد مراكز الأبحاث، والذي دعا لإحياء الوساطة القطرية من جديد من أجل حل المشكلة تحت إشراف دولي.
وقد يعزز مثل هذا الأمر، ماذهب إليه وزير الخارجية القربي، حين أكد – في المؤتمر الصحفي ذاته – أن: اليمن لن يقبل أي توجيهات من أي طرف في هذه القضية لأنها يمنية وداخلية ولكون هذه الجماعة تمردت ورفعت السلاح على الدولة وارتكبت جرائم في حق المواطنين وخرجت عن الدستور والقانون ولا سبيل أمامها سوى القبول بالنقاط الست التي أعلنها الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية كشرط لوقف إطلاق النار وإحلال السلام.
وقياساً بما سبق، يمكن أن يكون مؤتمر لندن قد أعد عدته لحل مشكلتي الجنوب، ومواصلة الحوار مع المعارضة، وذلك تحت أي إطار من الأطر التي يعتقد أنها مناسبة بما فيها الموافقة على الحوار الوطني الشامل الذي دعت إليه المعارضة لحلحلة تلك الملفات، مع بعض التعديلات البسيطة، وهي الحلول التي يبدو أنها مرفوضة من قبل الجانب اليمني. على الأقل حتى الآن.
خلاصة الأمر: أياً تكن الأسباب، فإن التباين بات واضحاً بين اليمن والداعين والداعمين لمؤتمر لندن. وهذا امر لا يمكن أن تخطئه المتابعة لمجريات الأمور خلال هذا الأسبوع.
غير أن هناك وقت – قرابة أسبوعين – على انعقاده، الأمر الذي يترك مجالاً للتفاؤل حول إمكانية التوصل لاتفاق من شأنه أن يزيل العقبة التي تمنع نجاح المؤتمر.