وعيك يرشدك للحقيقة..    الجزائية المتخصصة تحكم بالإعدام بحق المتهم الأول في قتل القاضي حمران وحبس وتبرئة آخرين    أسماء الجنوب العربي الكثيرة تدل على أهمية أدواره    صلاح ينافس رونالدو على جائزة جديدة في الدوري الإنجليزي    راموس خارج مونديال قطر 2022    كلمة هامة لقائد الثورة الرابعة عصرا    الأسبرين قد يقلل من انتشار السرطان    احتجاجات مستمرة في طهران ومدن إيرانية وارتفاع عدد القتلى    عملات معدنية وأوراق نقدية وطوابع جديدة لملك بريطانيا الجديد    لحياة أفضل ...ابتعد عن تناول السكر    100 مشجع ألماني يهاجمون حانة قرب ملعب ويمبلي الإنجليزي    جمعية الصم تحتفل الخميس باليوم الدولي للغات الاشارة    الأردن بطلا للدورة الرباعية العربية الودية    غداً بدء أعمال المؤتمر العلمي الثامن لجراحة العظام بصنعاء    لزارعي الهيل في اليمن!    100 شخص ضحايا غرق المركب قبالة طرطوس    اشتعال معارك طاحنة و حدودية في القوقاز م̷ِْن جديد    ضربه موجعة لبرشلونة بعد الإعلان عن غياب لاعب بارز في صفوفة    اعتقال القنصل الياباني في روسيا متلبّسا بشبهة التجسس    الذهب يشهد ارتفاعا بأكثر من 9 دولارات عالميا    القربي يتحدث عن بنود هدنة جديدة في اليمن    السعودية تتجه لاعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي اليمني    نبأ سار لريال مدريد قبل كلاسيكو برشلونة    أنس جابر تحافظ على مركزها الثاني عالميا    برشلونة يحاول استعادة ميسي.. و3 عوائق تهدد الصفقة    مصادر: ضخ كمية من الوقود بعدن غدا الثلاثاء وليس هناك ارتفاع في الأسعار    في بلد الثقافة لبنان .. حفل تحرش جماعي بالحسناء سينتيا زرازير عضو البرلمان    السعودية: بن سلمان سوف ننتج اليورانيوم وسنلتزم بمعايير كيفية استخدامه    ما هو الرادار الصيني 3D TWA والتابع للدفاع الجوي السعودي    في بشارة سارة للتجار: الزبيدي يصدر قرار بإيقاف ميازين الشاحنات في المحافظات    الرئيس العليمي يتحدث عن صرف المرتبات في مناطق الحوثيين    لأول مرة: رفع صور العميد طارق صالح في مأرب    اسرائيل تتوالى حماية اجواء الامارات    أزمة خانقة للمشتقات النفطية بشكل مفاجئ في عدن المحتلة    الاتصالات اليمنية تصدر تنويهاً هاماً حول خدمة يمن فورجي Yemen 4G    الرئيس الزُبيدي يلتقي الهيئة الاستشارية العسكرية في المجلس الانتقالي الجنوبي    السفارة اليمنية في أمريكا تسيء للتحالف العربي خلال احتفالية بثورة 26سبتمبر    من خبايا تمرد الإخوان بعتق.. 50 ألف برميل يومياً من شبوة ومأرب وأنبوب نفطي بدل الشاحنات    التحالف الوطني للأحزاب: ثورة 26 سبتمبر جسدت واحدية النضال اليمني    لن تستطيع حصار فكري ساعة.. تعرف إلى أبرز قصائد القرضاوي    ولادة توأم سيامي في عمران    الحديث عن الذكرى ال 60 لثورة ال26 من سبتمبر!(2)    منظمة ارضية مشتركة تدشن الدورة التدريبية الخاصة لجلسات الحوار المجتمعي بالضالع    أمن حضرموت الساحل يدشن البرنامج الأمني التوعوي لشركات الحراسات الأمنية الخاصة    شجرة «دم الأخوين» كما لم تسمع عنها من قبل.. فوائدها وسبب التسمية وقصة أول قطرة دم    بشرى سارة للمعلمين    مصرية تطلب الطلاق: زوجى أصبح شيطاناً بعد حملي    اختتام مهرجان الربيع المحمدي    كهرباء أمانة العاصمة تحتفل بذكرى المولد النبوي    مركز الاتحاد UCMT يختتم دورة فن كتابة الدراما الإذاعية في صنعاء    «سأحملك طول عمري»..أردني يتبرع لوالدته المريضة بكليته    تطور لافت في قضية الثنائي ياسمين صبري وأبو هشيمة    عادل إمام: أنا بخير وأقرأ نعيي بنفسي    10 مشروبات تخلص الكلى من السموم    هيئة الهلال الأحمر الإماراتي تدشن مشروع توزيع الحقيبة المدرسية بمحافظة شبوة    الأغنية الوطنية.. أدوار مضيئة في إيقاظ الوعي الثوري للشعب    اليوم الوطني السعودي بهجة ارضٍ وإنسان    حفلات التخرج الجامعي الممنوعة في إمارة المكلا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أطلالٌ على نافذةِ ثورةٍ مقعدة
نشر في المصدر يوم 18 - 05 - 2014

يصلُ الإنسان في لحظاتٍ حاسمة يشعر فيها أن لا مجال للاستمرار على نفس الحال ولا يمكن العدو نحو أشواقٍ وأمنياتٍ بكل هذا ذلك الثِقَل ، التَخفُف من أثقالِ الزمن وترميم عوامل تعريته أصبح ضرورة للانطلاق والاحتراق كفراشة.
.
عالمُ الحواسيب المهندس آلان كاي يقول " أفضل طريقة لتوقع المستقبل هي أن تقوم باختراعه " هذه الطريقة كانت خياري وخيار مجموعة من الشابات والشبان ، تعثروا وكنت معهن \هم من المتعثرين فكان المستقبل ينتظرنا جميعاً لم يقبلنا فرادا ولا مكان لأحدنا على حساب الأخر اما أن نكون جميعاً أو لا نكون.
بعد ذلك التعثر كان لابد من المحاولة مجددا وحيدةً عَلَّ المستقبل هذه المرة يقبلني منفردة . السفر الى برلين كان هو القرار للحظة الهروب من كل شيء من عفراء ، الثورة ، القراءة ، الكتابة ، الملامة ، صور الشهداء ، الجرحى ، عتابات الاصدقاء ، سخط الناس في الشارع ، الشعور بالذنب ، العبث ، الغبن .... وكل ماله علاقة بأربعةِ أعوامٍ من الجدال والصراع . كانت الدراسة المبرر الوحيد المقنع لهذا الهروب ، أنجزت جميع المعاملات ودَعتُ أسرتي ، صديقاتي ، أصدقائي ، تجاعيد مدينتي ، ياجور صنعاء ، قطتي ، كلبتي وانطلقت مع والدي الى المطار على صوت بالفقيه وهو يدندن
((وامُغرِّد بوادي الدور من فوق الاغصان**وامهيج صبابتي بترديد الالحان
مابدا لك تهيج شجو قلبي والاشجان**لا انت عاشق ولا مثلي مفارق للأوطان
بلبل الوادي الأخضر تعال أين دمعك **تتدعي لوعة العشاق وما العشق طبعك
فاسترح واشغل البال بحفظك ورفعك **واترك الحب لأهل الحب يا بلبل البان
أحبتي بعدكم والله جفاني هجوعي **وجرح مقلتي يا أحباب جاري دموعي
آه يا حسرتي منكم وآه يا ولوعي **كل ذا من جفاكم ليت يا ليت لا كان
يا احبة ربى صنعاء سقى الله #صنعاء **حي ذاك الربى لا زال للغيد مرعى
لو يقع لي لآسعى على الراس لاسعى **لقي روحي بروحي من بلابل وغزلان
ليت شعري متى شالقي عصاةالمسافر**واي حين شاءيطيب لي عيش قد كان نافر
وأي حين شاتخطر بين تلك المناظر**هو قريب ذا على الله أن يقل له يكن كان))
.....
في صالة المغادرة ودعت والدي وحملتُ حقيبتاي ، أحداهما سافرتْ معي والأخرى وضعتها على أخرِ سلمة بالطائرة .
كان مقعدي في مؤخرةِ الطائرةِ جوار النافذة وعلى يميني طالب ألماني أجبرته أوضاع البلد الأمنية على مغادرة مدرسته داخل صنعاء القديمة والعودة الى المانيا ... في الحقيقة لم أكن مُهيئة لسماعه وأنا من جمعت كل أدوات وعوامل الاكتئاب ووضعتها في حقيبة سلم الطائرة.
ربطنا الأحزمة ؛ بدأت الطائرة بالإقلاع وبدأت ملامح مدينتي بالاختفاء شيئا فشيئا ... أبتلع فم الظلام جغرافيا بلدي .. واختفت اليمن من الخريطة وظهرت كامتدادٍ للبحر الأحمر .
...
كانت صديقتي الصحفية الألمانية " إيفا " من قاسمتني غرفتي ذات زمن بانتظاري بلهفةٍ في مطار برلين . احتضنتني بفرحةٍ غامرةٍ
_ (( أُختيييي أفراااااء )) I miss u
_ me 2 .
أعتقدني أبتسمت ... كانت مشاعري حينها في إجازة أو ربما وضعتها بالغلط بشنطة سلم الطائرة و ربما سقطت مني في صالة المغادرة وأنا أودع والدي .
أخذنا سيارة أجرة إلى السكن ، في الطريق تحدثت "إيفا" كثيراً سألتني كثيراً ، لا أعلم ما إذا كنت اجبتها أم لا كل ما كان يدور في ذهني هو " لازم أزور بسام " . ما أن وصلت الغرفة حتى أخرجت كمبيوتري المحمول ، فتحت الفيسبوك وارسلت للدوك
_نهارك سعيد دوك ، كيفك ... أنا في برلين وحابة أوزر بسام ... ممكن تشرح لي عنوان المشفى ومواعيد الزيارة
_ اهلييين عفراء .. الحمدلله ع السلامة متى وصلتي ، ليش ما كلمتيناش نستقبلك ؟ .. على العموم بسام الآن في مستشفى الحوادث UKB الزيارة من بعد ساعتين .. انتِ فين ساكنة
_ ساكنة في Kreuzberg تحديدا ب Naunynstrasse 80
_ كويس مش بعيد كثير نص ساعة بالحافلة وتوصلي ممكن تركبي الحافلة وتنزلي بمحطة المشفى .أنا باكون بانتظارك هناك ، ونزوره سوى وبالمرة نشوفك .
_ اوكي ... متفقين أنا ساعة وأخرج للمحطة... الى اللقاء
_ الى اللقاء .
---------------
فتحت الحقيبة بحثت عن أكثر الملابس المريحةِ أناقة بروزت عيناي بكحل أسودٍ ووضعتُ عطريَ المفضلَ على معصمي والاشارب وخرجت .
.
_ عند باب الشقة يستوقني نداء " إيفا " .. أين ستذهبين وحدك وانتِ مرهقة من السفر ؟
_ سأذهب لزيارة بسام .. لست وحدي سينتظرني صديقي عند محطة الباص ... لا تقلقي شرح لي الطريق
_ بذهول : أفراااااء .. بسام الآن ؟ أرتاحي اليوم وسنذهب لزيارته غداً سوياً
_ أنا ذاهبة الآن لأرتاح ... باي .
.
أغلقتُ بابَ الشقةِ برفقٍ ، نزلتُ مسرعة من الدرج و ركبت الباص ، أخرجت طلاء أظافري _ اللحمي _ فالنصف الساعة كانت كافية لوضعه وانتظاره ليجف . كنت وحدي في الحافلة على ما أعتقد .. لا أتذكر أني رأيت أحدا
المهم
وصلت المحطة نزلت من الحافلة وكانت المرة الأولى التي بدأت عيناي تؤديان مهمتهما بشكل طبيعي بعد مغادرة صنعاء .. كنت أتلفت يميناً وشمالاً بكل تركيز أبحث عن الدوك .. فأنا لا أعرفه إلا من صورته في موقع التواصل الاجتماعي
.
تقدم مني شابٌ مرتبٌ وأنيق تبدو عليه ملامح الثقة
_ أنتِ عفراء ؟
_ بابتسامة عريضة : ايوه ^__^ أكيد انتَ الدوك
_ مضبوط ... الحمدلله ع السلامة ، نورتي برلين . كنتي حترتاحي اليوم وبكرة تزويه
_ مش مشكلة أنا كذا مرتاحة
_ جاية المانيا دراسة ولا سياحة ؟
_ جاية أحضِّر دراسات عليا في العِمارة .. قول لي في محل ورد قريب ناخذ منه بوكيه ؟
_ أيوه .. من هِنا .
.
• في الطريق ..
_ كيف الأوضاع هذه الأيام في اليمن ؟
_ انت متابع للأحداث واكيد تعرف الأوضاع أكثر مني .
* ظل يحدثي كم هي بلدنا قليلة الحظ وكم نحن قليلو الحيلة , كل شيء فيها جميل إلا نخبتها التي تعيش فيها كالأرضة تأكل كل شي من الداخل لتتركها جوفاء دون أي اكتراث ونحن نُثرثِر فقط دون أي انجاز ...
_ المشكلة الحقيقية والكارثة الكبرى يا دوك لو احنا كمان نبطل نتكلم .. حتى الحرب تبدا بكلمة . شوف _ وأنا أشير بيدي لمحل بيع الورود _ .. لما الناس يحبوا الورود ويروحوا للمحلات يشتروه بنفس العدد والاهتمام الذي الناس فيه بالمحل الذي قدامنا باتتطور البلاد .
.
• في محل الورود
_ هذا الورد مناسب يا عفراء واللون الأبيض هو اللون الشائع لبوكيهات زيارة المرضى .
_ امممم صحيح .. بس أنا حاخذ هذا اللون . أحب الورود البرتقالية .
.
*بَدَتْ علامات الاستغراب والدهشة على ملامح الدوك وكأنه كان يقول لي : (أنتِ باتاخذي الورد لِك ولا لبسام ؟ لما يكون لِك خذي حتى ورد أسود .. بس هذه زيارة مريض )
.
لم أهتم كثيراً فاللون كان كدمٍ سقط من قدمِ جوادٍ يركض فوق الشمس
.
وصلنا المشفى اقتربنا من الغرفة ، الدوك يشرح لي الاجراءات والمعاناة التي عانوها شباب المبادرة في المانيا لنقل بسام لهذا المشفى لاستكمال العلاج ... كنت صامتة طوال الطريق أهز رأسي فقط وأفكر ، ما الذي سأقوله لبسام ؟ تمنيت حينها لو أنَّه قد نساني ويعتقد أني فتاةُ يمنيةٌ سمعت بوجود عميد جرحى الثورة اليمنية في برلين وأتت لزيارته .
.
_عند باب الغرفة يخاطبني الدوك بحماس : ادخلي
_ لا ادخل انت الأول أنا حاسة برهبة
_ باستغراب شديد يرد : طيب ...
* يفتح الدوك الباب يلقي التحية على بسام ويقابله بابتسامةٍ عريضةٍ ووجهٍ بشوشٍ ليقول بعدها
_معي لك مفاجأة ، في شخص جاء من اليمن مخصوص يزورك
_بفرحة غامرة يرد بسام : مَن .. أمي ؟
.
* بخطواتٍ ثقيلةٍ كنبضِ قلبٍ يقاوم التوقف عن الحياة دخلت الغرفة ، بوجهٍ شاحبٍ وابتسامة تتصارع مع عبوسٍ قادمٍ من وقعِ اللحظة ، ووردٍ كالجمر ، ورأس مطأطئ يحاول إحداث ثقب ما لتسريب الذكريات المتزاحمة القادمة من خلف البحار من داخل تلك الحقيبة التي تركتها في أخر سلمة باللوفتهانزا
.
- سلااااام ... كيف أنت يا بطل ؟
- أهلااااا يا رفيقة ، أيش المفاجأة الحلوة ؟ ... أنا تماااام تماااام كل شي تمام انتو كيف انتو
- والله انا الان احسن .. كل الشباب يسلموا عليك وأمي تبعث لك سلام خاص وتقول لك شد حيلك يا بطل منتظرينك ترجع توقف معانا من جديد
- والله يا عفراء انا سعيد جدا بزيارتك كأني شفت اليمن .. بس كيف لوما أجيتي ؟
- جيت أدرس . المهم ... أيش أخبارك انت مرتاح ...شكل الجلسة هانا اعجبتك ؟
- هُمْ اللي اعجبتهم جلستي ؛ والله العلاج هنا احسن بكثير من اليمن .... طول الفترة السابقة والاطباء هنا يعالجوا الأخطاء الطبية اللي سووها باليمن ويعالجوا التقرحات والجروح بسبب الجلسة ... لكن محد يرتاح خارج بلده ، نفسي ارجع اليمن وقدهي أحسن . أحنا ما خرجناش عشان يأخذوها السرق ويكون هذا حالنا.
- أقاطعة .. أنت الآن لا تفكرش بشي خذ بالك من علاجك فقط
- يعني بعد ما كنت أحلم كيف بانوَقِفْ اليمن على رجوله من جديد ، أصبحت أنا أحلم أجلس على كرسي متحرك
.
*انتابتني حينها نوبة بكاء شديدة ، وقفت كبيتِ عنكبوتٍ تحت المطر . تذكرت الجريح وهيب الذي كان يلفظ انفاسه الاخيرة أمام عيني بسبب إهمال مستشفى الثورة له وصورة والده وهو يقبل قدم أحد أطباء مستشقى العلوم ويبكي (( أنا فدالك يا دكتور عالج ابني )) وقتها صرخت (( ابنك بطل .. انت أبو واحد من أبطال الثورة ، ليش تبكي وتبوس رجل الدكتور .. أوقف )) رد عليّ : مَلِه أنا أشتيه يعالج ابني .. ابني عيموت يا بنتي .
مات وهيب بعد يومين
.
تذكرت الجريح عبدالإله الذي اهتراء تقريره وهو يطوف معي من جهة إلى جهة .. عبد الإله ظل يتوجع مايقارب عامين ويصرخ داخل المستشفى الميداني بساحة صنعاء حتى مَلَّ منه الصراخ . كان يعاني من أصابة بطلق ناري بالعمود الفقري أتلف أعصاب رجليه إلا أن أحد الأعصاب ظل حياً يؤلمه بشكل لا يطاق كانت حالته صعبة جدا وتتطلب السفر الى الصين فالعمليات التي كان يحتاجها لاتجريها الى الصين ... مات عبدالإله بعد عامين من المعاناة القاتلة بعد أن أكتسب جسمه مناعة من الحُقن المهدئة و بعد أن تعفنت جراحه وأكل الدود أجزاء من جسمه . كانت ميزانية سَفَرْ كَمْ وزير لا فائده منهم ولا من سفرياتِهم كافية لتغطية تكاليف علاجه.
.
عاد طلب الجريح الكمالي الى ذهني وهو يقول لي من داخل غرفة علاجة بمستشفى الثورة الحكومي :
_ أنا طول عمري أشتي يوقع معي بنات بس مابوش معي كلهم عيال... تقبلي تكوني بنتي
_ طبعاً أقبل .
.
توفي بعدها بثلاثة أيام
...
والعديد العديد ممن أعرفهم وممن أجهلهم ... وقتها لم أجد نفسي إلا وأنا أغادر الغرفة وأقول وأنا أردد : (( حيجي لهم يوم ، حيجي لهم يوم..))
.
*أدرك الدوك أن المكوث أكثر مع بسام أصبح مرهق جدا بالنسبة لي .
وَدَعَ بسام .. لا أذكر ماذا قال
سبقني بخطواتٍ ، ليفتح لي الباب .. خرجت وأنا أحمل وردي بيدي . أَغلقَ باب الغرفة وتحاشى النظر أو الحديث إلي . وقفت على نافذة باب الغرفة أراقب بسام وهو يمسح كبرياء دموعه
.
- دوك ... شوف الثورة ، شابة قوية طموحة مشرقة خرجت بكل جرأة تسابق الواقع أصيبت في بداية البدايات وعادت جريحة مُقعدة كل ما يمكنها القيام به الحديث ، البكاء ، والابتسام بغصة .
في 26 _10_2010 أحمد علي اشترى بيتنا وجاب لنا مهملة ثلاثة أشهر نفرغ بها البيت ، هَدِه للأرض عشان يعمل مكانه موقف سيارات لجمعية الصالح اللي بناها في حوش منزلنا الخلفي .. طبعا بعد ما بعنا الارضية بوقت سابق ، كان أقدم وأجمل بيت في حدة . الشبابيك ايطالية ، الأبواب من شجرة الجوز من تركيا، صمم المنزل مهندس معماري مصري درس وعاش في المانيا حتى أن بودرة الجرانيت المرشوشة بين الطوب الأحمر جابها بابا من ألمانيا ببراميل
.
* كان الدوك يسمعني مستغرباً من جدوى هذا الحديث الآن وما سبب إثارته . لم أكترث وتابعت الحديث بحرقة وعيناي تمتلئان بماء القهر
.
_ كان في مجنون بالحارة اسمه " محسن " كل يوم كان يطلع فوق سطح جمعية الصالح ويصيح .. (( الله عيزيل عرشهم من عنده ... عيهووده !! الله عيهد ملكهم . ما دامتش لحد والله ما تدوم لهم )) ويجلس يلقي العديد من الأيات القرآنية اللي تتكلم على فرعون وزوال الحكم .. محد كان مهتم له ولا لصياحه ... مجنون
في بداية يناير دخل بيتنا وأنا واقفة في الصالون أراقب العمال وهم يفكوا الستائر
_قال لي : غاثية
_ بتململٍ شديد : أيوه
_ لا تغثيش ولا شي ، ابسري هذي الستائر الله عيديلكم بدلها حرير حرير انتي عتبسري .. وهذه الحدايد عيوقع لكم بدلها حدايد ذهب ...
.
كان يكلمني وهو يلبس " روب نسائي " مش عارفة من أي جارة سرقه و يتنقل من نافذة الى أخرى ويقفز محاولا لمس حدائد الستائر .. لم أرد ولم اهتم كنت فقط ألعن الأقدار التي جعلت من مجنون يدخل بيتنا ليسرح ويمرح ويتقفز كيفما يشاء
.
بعد حوالي نص شهر في منتصف يناير كنت في الشارع مع مجموعة من الشابات والشبان نهد عرش من هد منزلنا . طبعاً ما كانش هذا هو السبب الرئيسي لخروجي لكن كان الأمر مثل تحقيق نبؤة المجنون محسن
(( الله عيهد من هد بيتكم وعيجي لهم يوم ))
حاجة تشبة تحقق المثل الشَّعبي: "السّرُّ المكنون تحت رأس الطِّفل والمجنون"
.
*أستمر بالتحديق من نافذة باب غرفة بسام فتسقط أول دمعة من عيني وأنا أقول للدوك :
_ كنا مثل مجموعة من الأطفال خرجوا في صباح رمضان يلعبوا زراقيف . آباؤهم راقدين وأمهاتهم فوق السجادات يفكرين كيف بايقسمين الطماطة الباقية على السلطة والسحاوق ويبقى منها شويه للطبيخ ؟ ..
جمعنا كل الزراقيف على شكل حلقة دائرية متجانسة وضرب كل واحد مننا ضربته ..
ضربنا ..
فرقنا الزراقيف ..
فكننا الكتلة ..
وبس .
مثل ما قال البردوني :
والأباة الذين بالأمس ثاروا ***أيقظوا حولنا الذئاب وناموا
حين قلنا قاموا بثورة شعب *** قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا
ربما أحسنوا البدايات لكن... ***هل يحسون كيف ساء الختام؟
.
*أُدير وجهي أخيرا للدوك وهو يقف بجانبي كمسمارٍ دُق على الأرض .. تسقط الدمعة الثانية واغرق في عينيه وأواصل حديثي :
_ كانت أمي دائما تحكيلي عن عمها القاضي " محمد أحمد صبرة " الذي ناضل ضد الإمام يحيى وأسس حركة " الدستوريين " طبعا الإمام سجنه وأَمَر بقتله وأرسل له مجموعة من الجنود أخرجوه من بيته وهو لابس " الزَنَة " بعد ما قيدوه .. اتخيل الناس وقفت على جانبي الشارع تلاعنه _ يا دستوري ، يا كافر ، يا فاجر ، يا عميل _
ويهتفوا " أقتلوه هذا كافر يشتي يزوج القرآن على الدستور " ... بصقوا وتبول البعض بكل إيمان .
.
وأنا أمشي في الايام الأخيرة بصنعاء وأسمع شتم الناس وسخطهم شعرت بما شعر به صبرة .. مات صبرة دستوري كافر بنظر أهل زمانة وعاش بطل ومناضل بنظرنا ونظر التاريخ .
هذولا اللي جالسين يشتمونا بسبب حال البلد الآن سيكبر أحفادهم و يلوموهم ويقولوا لهم على الأقل هذولاك حاولوا يعملوا شي كويس للبلد . انتو ايش عملتوا جلستوا تلعنوهم وتتفرجوا عليهم وهم يتلقوا الضربات من كل الاطراف . حيستشهدوا بمواقفنا وينسخوا منشوراتنا ... وهم حيجي لهم يوم صح ؟
.
- يمسح الدوك عيناه ويرد : صح .
- أُنقذُ عينايَ من الغرقِ ، أصرفهما عن عيناه إلى نهاية الممر: خلاص أنا أشتي أروح وصِّلني لمحطة الباص .أنا جالسة أهرب من نفسي لنفسي . أنا حقيبة سلم الطائرة ..
- حقيبة أيش ؟
- ولا شي
.
واصلنا المشي حتى المحطة وكلانا يحدق بالأرض دون أي كلمة . عند الحافلة أعطيته وردة وقلت له وأنا مبتسمه
_ شكلي كنت عارفة لما أشتريت الورد إنه لي .. كلنا جرحى يادوك بطريقة أو بأخرى
أَبتسمَ الدوك .
أدَرتُ أنا ظهري .
صعدتُ الحافلة .
عدتُ لغرفتي .
حجزتُ على أولِ رحلةٍ وعدتُ الى اليمن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.