في الثمانينيات؛ عثرت على نسخة دراسة جدوى لأحد المشاريع الاستثمارية، كما يفرض القانون، وكانت تعج بالحيثيات التي تؤكد أهمية المشروع وأبرزها أنه سيوقف نزيف العملات الصعبة التي تذهب إلى الخارج(!) .. وعلامة التعجب الموضوعة هنا سببها أن ذلك المشروع كان: مختبراً للفحوصات الطبية! تذكرت تلك الحكاية وأنا اقرأ قبل أيام خبراً عن دراسة يمنية حديثة توصي بتنمية القطاع السمكي! .. معقول أن هذا الأمر يحتاج إلى توصية؟ لماذا؟ هل المسئولون في بلادنا أعداء لأكل السمك ومغرمون باللحوم الحمراء فقط أو لأنهم يتاجرون في اللحوم المستوردة حياً أو ميتاً؟ وعلى المنوال نفسه .. لن يكون غريباً أن نقرأ توصيات مثل: ضرورة تنظيف الشوارع، وتطوير التعليم، ومحاربة الفساد، والتخفيف من انقطاع الكهرباء، وتوزيع الكتب المدرسية في وقت مبكر من العام الدراسي...الخ التوصيات التي تدخل في باب (البدهيات) ولا يجوز أن يتم تنفيذها بناء على دراسة .. علمية! التوصية الوحيدة التي ستطرب الشعب هو أن توصي دراسة علمية بترحيل المسئولين من البلاد إلى الخارج .. حتى دراسة علمية أخرى!
أمثال هذه التوصيات المضحكة تجرنا إلى الحديث عن التوجيهات التي يوجهها المسئولون في بلادنا للناس كلما زاروا منطقة أو جامعة أو مصنعاً أو وزارة أو حتى شاركوا في حفل اختتام دورة قابلات .. المهم لابد للمسئول اليمني أن يلقى كلمة ثم يوجه توجيهات لا تخرج في مضمونها عن توصيات الدراسات العلمية التي أشرنا إليها! فمثلاً؛ يقوم مسئول مهم بزيادة تفقدية لمشروع تحت الإنشاء فيقول الخبر الرسمي إنه شدد على ضرورة الإسراع في العمل وعدم التباطؤ .. وهذا التوجيه كما هو واضح لا يحتاج إلى زيارة تفقدية قد تكلف الشعب عشرات الآلاف بدل سفر وضيافة .. وكان يمكن للمسئول المخلص أن يتحدث عبر الجوال، وهو تحت اللحاف، إلى إدارة المشروع ويبلغها التوجيه ثم يعود إلى .. النوم! ومسئول ثان يقوم بوضع حجر الأساس لمشروع ما .. وبدلاً من أن يكون صادقاً مع نفسه ويسأل المعنيين بالأحجار: هذه المرة الأولى أو قد سبقني مسئولون؟ بدلاً من ذلك يوجه القائمين بضرورة إنجاز المشروع بسرعة وبحسب المواصفات الفنية والهندسية المعتمدة! ولكي نكون موضوعيين أو حسني الظن؛ فمن غير المستبعد أن المسئول الضيف بعد أن يضع حجر الأساس يلتفت لمدير المشروع ويقول له هامساً: يابني .. على الأقل كنتم غيرتم الحجر .. مش هذا هو الحجر نفسه الذي وضعه (فلان) في العام الماضي؟ ومسئول ثالث يتفقد مصنعاً وكأنه مهندس عالمي؛ ويؤكد في تصريحه في ختام الزيارة على أهمية زيادة الصيانة وتجهيز المصنع بما يحتاجه من آلات وقطع غيار! وفي إحدى المرات قالوا إن (المسؤول) حث وزارة المالية على صرف الاعتمادات المطلوبة لشراء قطع الغيار! وهو لو كان يعلم أنه صاحب قرار لاتصل بوزير المالية وأمهله ساعة واحدة لصرف الاعتمادات .. وإلا فإنه سوف يغلق المصنع ووزارة المالية حتى إشعار آخر!
أظرف من كل ما سبق أن مسئولاً كبيراً (أهاب بكل المخلصين التصدي بحزم لأية ممارسات وأعمال خارجة على النظام والقانون) .. أي أن صاحبنا يريد من المواطنين العزل –الذين لا يملكون سلاحاً وإذا امتلكوا شيئاً منه هاجمهم الإعلام الرسمي وطالب الدولة بتطبيق قانون تنظيم السلاح –أن يتصدى للعصابات والخارجين عن القانون في صعدة والضالع وشبوة ومأرب وفي كل محافظة تعاني اختلالات أمنية .. يتصدون هم بدلاً من الأجهزة الأمنية المدربة والمدججة بالسلاح! الظريف أن مدير مديرية جحاف بالضالع صرح للصحيفة المؤتمرية؛ التي نشرت الدعوة للجماهير للتصدي للخارجين عن القانون؛ بأن الأوضاع الأمنية في مديريته (بكل أسف تسير بشكل متردٍ .. ليس فقط في عاصمة المحافظة فحسب بل في كثير من المديريات .. ويمكن القول إن الأجهزة الأمنية لم تقم بواجبها بالشكل الذي ينبغي .. بل لا وجود للأمن على أرض الواقع)! يعني: إحنا عملنا الذي علينا والباقي .. على المواطنين!
تابعوا تصريحات المسئولين اليمنيين عن زياراتهم التفقدية وستجدونها صورة طبق الأصل للتصريحات منذ عشرين سنة .. والخشية أن يأتي يوم نقرأ فيه تصريحات رسمية مثل: - شدد المسئول الفلاني على وزارة الكهرباء أن تعيد التيار الكهربائي إلى منازل المواطنين ولو ساعة كل شهرين! - وافقت الحكومة اليمنية على مكرمة بالسماح بزيادة الجثث المسموح بدفنها في قبر واحد إلى عشرين جثة وتخفيض أسعار الدفن تبعاً لذلك! دبلوماسية الصهينة!
جريمة العدوان الصهيوني على أسطول الحرية أكدت التراث العريق لدبلوماسية النفاق في العالم الغربي .. فالدول الكبرى سارعت لإعلان مواقفها –في الغالب بسبب وجود مواطنين لها ضمن المعتدى عليهم –تجاه الحادث .. لكن لأن الجاني هنا هم الصهاينة فالعين لابد أن تكون مهذبة واللسان منقوع في العسل عندما يتحدث قادة العالم الغربي .. ولذلك جاءت البيانات والتصريحات من نوعية: - لا مبرر لاستخدام كل هذه العنف! - ندين الاستخدام غير المتكافئ للقوة! - نحن مصدومون بشدة من التصرفات الإسرائيلية! - دعوة للتحقيق! - نشعر بالصدمة ونسعى لمزيد من التوضيحات! - حدث غير مقبول وخطير للغابة! دبلوماسية ناعمة جداً لم تجد فيما حدث من جريمة يرقى إلى مستوى (جريمة) تدمير تماثيل بوذا في أفغانستان أيام حكم طالبان! ولا حتى إلى مستوى احتجاز الجندي الصهيوني «جلعاد شاليط» الذي وقع في الأسر، بينما كان يعمل على قتل الفلسطينيين على دبابة مقاتلة وليس فوق قارب سياحي!
المنافق .. الأكبر!
قبل أسابيع أشرنا في هذه الصفحة إلى حديث مجرم الحرب «نتنياهو» المستمر عن النفاق والمنافقين .. وهو يقصد بكلامه كل الذين يعارضون إسرائيل وسياساتها الإجرامية، وخاصة الذين اتهموا إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة. بعد وقوع العدوان الصهيوني على أسطول الحرية والضجة العالمية التي ثارت ضد إسرائيل .. خرج (نتنياهو) أيضاً يسب النفاق والمنافقين الذين فشلوا في أن يجدوا فيما فعلته إسرائيل شيئاً شرعياً ومبرراً. وحده نائب الرئيس الأمريكي (بايدن) نجا من تهمة النفاق وظهر (مخلصاً) بريئاً من المنافقين .. فقد كان هو المسئول الأبرز في العالم الذي أيد الإجراءات الصهيونية ووصفها بأنها حق مشروع! العالم كله منافق .. إلا الصهاينة والمسئولين الأمريكان! (طوبة) للمخلصين من هذا النوع .. النتن! مخاوف .. مشروعة! بعد أيام عشرة –تزيد أو تنقص- على تهديد د.علي مجور –أساتذة جامعتي صنعاء وعمران المضربين باستيراد دكاترة من بنجلاديش بدلاً منهم .. استقبل وزير الداخلية في حكومة مجور سفير بنجلاديش غير المقيم، وبحث معه –وفق الخبر- تعزيز التعاون الأمني! أعترف أنني وقتها شعرت بالقلق فما هو هذا التعاون الأمني الذي يمكن أن يقوم أو يكون موجوداً مع بلد مثل بنجلاديش؟ وعلى العموم .. فوصول السفير البنجلاديشي بعد التهديد كان يعني أحد أمرين: إما أن الحكومة جادة في تهديدها وجاء السفير البنجلاديشي لاستكمال الصفقة، وبالمرة يصير سفيراً مقيماً في صنعاء .. وهو مكسب كبير بالنسبة له أن يصير سفيراً في بلد يحترم البنجلاديشيين .. فهناك أمل أن يختلف رئيس الحكومة مع وزير الخارجية فيهدده بأن يأتي بوزير خارجية من بنجلاديش؛ أفضل منه وأرخص .. ولا يحتاج إلى تذكرة سفر لحضوره فهو موجود في صنعاء! الأمر الآخر الذي يوحي به اللقاء .. أن الحكومة تدرس تعزيز التعاون الأمني مع بنجلاديش باستيراد جنود احتياط لأي إضراب يمني مستقبلاً!
(...) بالإشارة يفهم!
(كل ما لا يراد به وجه الله: يضمحل).
التابعي: الربيع بن خثيم
الطوابير .. يمنية!
مقابل الشعارات الشاذة التي تنكر يمنية جنوب اليمن .. توجد بعض التعبيرات التي صارت إكليشهات جامدة يرددها البعض بجهل ودون تفكير .. فمثلاً ؛ يردد البعض عبارة (أن اليمن لم يعرف الاستعمار) .. وهو حكم ينطبق فقط على بعض المناطق الغربية والوسطى من اليمن .. وإلا فإن الاستعمار البريطاني احتل وحكم المناطق الشرقية وبعض الجنوبية والوسطى مدة 129 عاماً .. بل إن (عدن) هي ثاني منطقة عربية تعرضت للاحتلال بعد الجزائر! ومن العبارات التي يرددها بعض المتعصبين المذهبيين قولهم إن الزيدية –يقصد الهادوية- (هي مذهب أهل اليمن وتراث أهل اليمن) .. وواضح أن هذا الحكم فيه مبالغة وتهور وعدم احترام للآخر من أبناء اليمن –وهم الأغلبية- الذين لا يؤمنون بذلك ولا يرون فيه مصدراً للفخر، بل ليس سراً إن دولة الأئمة منذ تأسيسها كانت سبباًَ في تسطير تاريخ دموي في بلاد اليمن فقد تقاتل الأئمة طمعاً في السلطة مع الآخرين في الدول اليمنية التي كانت قائمة .. ومع بعضهم بعضاً من إخوانهم وآبائهم وأبناء عمومتهم وسلالتهم، وقد أورثت تلك الحروب الدامية والمظالم جروحاً طائفية ومناطقية وقبلية مازال اليمنيون يعانون من آثارها حتى الآن. وبالمناسبة، حدث في 1989م أن وقعت أزمة القمح في صنعاء، واختفى من الأسواق ووقف الناس في طوابير طويلة وضج المجتمع يومها .. وفي «الصحوة» تحمس الأستاذ حمود منصور –رحمه الله تعالى- لنشر محضر مجلس الشورى حول القضية، وكان الأمر أشبه بقنبلة صحفية في تلك الفترة .. لكنه –رحمه الله- مهد للمحضر بمقدمة عن أزمة القمح والطوابير الطويلة التي كان المواطنون يقفونها للحصول على كيس قمح .. وعلق على ذلك قائلاً: (إن الشعب اليمني لم يعرف أبداً الطوابير). ويومها اتصل به صديق من (عدن) كان يدرس الطب في جامعة صنعاء، واحتج على العبارة قائلاً: (الشعب اليمني لم يعرف الطوابير؟ واحنا إيش كنا نسوي في عدن؟)!