لا يحدث أي شهر من الشهور من تغيير جذري في حياة الفرد و المجتمع المسلم، ما يحدثه شهر رمضان؛ بما أودع الله فيه من الخيرات و الفضائل؛ و بما ميزه الله بالأفضلية على سائر الشهور. يقول عز وجل: " وفي الأرض قِطَعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صِنوان وغير صنوان يُسقَى بماء واحد ونُفَضّل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون". 4الرعد. رمضان المبارك، الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان، هو الشهر الهجري التاسع في سلسلة أو ترتيب الشهور الهجرية، فهو في جوار معها، كما تتجاور قطع الأرض و جنات تنبت الأعناب و الزروع، و النخيل الصنوان، و مع أن النخلتين في أصل واحد ، و تسقى بماء واحد لكنها تتفاضل ، و تتمايز ، حَلاوة و طَعما هذه النخلة عن أختها.
و حال رمضان أنه و هو في سلسلة الشهور، صنوان مع شعبان و شوال، و قد يأتي الثلاثة في فصل واحدأيضا، لكننا كبشر نفضل رمضان على غيره، تسليما و عبادة لتفضيله سبحانه و تعالى على سائر شهور العام.
هو الشهر الوحيد الذي ذكر في القرآن، و خصه الله أن جعل صيامه ركنا من أركان الإسلام : "فمن شهد منكم الشهر فليصمه". و هو شهر الصوم :" لعلكم تتقون".
كل شهور العام عند المسلم محراب عبادة، و ميدان عمل، لكن رمضان له خصوصيات: "أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان". و فيه ليلة هي في خيريتها، وفضلها ": خير من ألف شهر". و ليس لأحد ان يَحْصُر خيريّتها بحسبة الشهور بالسنين ليضبطها بعدد من السنوات، و بضعة أشهر، فذلك يجوز لو كان الثواب و الجزاء بيد مخلوق، لكن الخيرية هنا بيد الله الجواد الكريم، ذو الفضل العظيم، الذي يعطي عطاء غير مجذوذ. و الله تعالى وحده بفضله و جوده يقدر منتهى الخيرية لليلة القدر التي امتنّ الله بها على عباده، و يكرمهم بها، ففضله تعالى فوق تصورنا ، و خيره لا يَحُدّه مخيال أحد من البشر.
تسجد أعضاء، و أحاسيس المسلم امتنانا، و شكرا و ثناء لله سبحانه و تعالى، على ما أولاها من فضل عميم، و هو يسمع، أو يردد حديث المصطفى عليه الصلاة و السلام، إذ يقول :" من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، و من قام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
تتجلّى فضيلة رمضان، و خَيريّته من أول ليلة فيه، و في كل ليلة منه، كما أخبر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، إذ يقول: "إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين و مردة الجن، و غلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، و فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب ، و ينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، و يا باغي الشر أقصر، و لله عتقاء من النار ، و ذلك كل ليلة".
العالم الغيبي، و العالم المشهود يشمله التغيير بمقدم رمضان المبارك، و هو الشهر الذي يتفاعل معه المسلمون بأرواح تطير شوقا إلى ملكوت رب العالمين.
رمضان التقوى يساعد المسلم على أن يتخلص من أدران الأرض، و النفس، حِسيّيها، و معنويّيها.. رمضان الهدى؛ يهدي المسلم إلى بيّنات من الهدى و الفرقان، و يا لتكريم الله العلي الكبير ، البر الرحيم، و الرسول يصف : " ولَخُلُوف فَمِ الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". "فيا باغي الخير أقبل، و يا باغي الشر أقصر". ثم تضرع، و ابتهل في خضوع و خشوع في سائر لحظات و دقائق شهر رمضان،" إن للصائم عند فطره لدعوةما ترد"، و اعلم:" و لله عتقاءمن النار وذلك كل ليلة ". سبحانك ! ما عبدناك حق عبادتك.