في كتابه "ثورة الشعر" يتحدث الشهيد أبو الأحرار الزبيري فيه عن الشعر كسلاح ومعايير وزن أقدار الرجال فقال "إذا كانت الحرب خدعة فالشعر أحيانا سلاح من أسلحة الحرب ولا باس في ميدان الصراع أن تكون الخدعة سلاحا شاعرا" "معيار الحق في وزن أقدار الرجال وآدابهم وأشعارهم لا يتجه إلى الاستثناءات أو المواقف المؤقتة والجانبية والسطحية وإنما ينبغي أن يتجه إلى تقييم الاهتمامات الرئيسية ومظاهر السلوك وأهدافه والطابع العام الأعمق والنهايات الكبرى. تلك هي ما ينبغي للمنصفين أن يضعوها في غير إن عندما يدرسون حياة الناس, وآثارهم كبشر لا لمخلوقات خرافية, أو ملائكية سماوية, وهذا التميز بين ما هو رئيسي وثانوي وبين ما هو حقيقة جوهرية وعملية تحايل في سبيل الحقيقة هو الطريق الأمن السوي وسط الدروب المشبوهة الماكرة والمتاهات المظلمة والمظللة"... ثم يتحدث في محاولته والأحرار في استعطاف ومدح الإمام الطاغية يحيى من أجل إقناعه بالإصلاح والتغيير وكذلك مع ولي عهده أحمد وما أشبه الليلة بالبارحة وعن طليعة الشباب الأحرار فيقول " يقتحمون بأفكارهم الشابة المتفتحة عالما ضخما معقدا جديدا عليهم مليئا بالألغاز والاحتمالات والمتاهات هم ينتمون لبيئتهم وأسرهم ومجتمعهم وعوالمهم الوراثية ودولتهم إلى ما قبل خمسمائة عام أو تزيد, لكن كتب عليهم أن يفتحوا أعينهم على عصر آخر غير العصر الذي ينتمون إليه, وأن يكونوا جسرا يعبر الشعب عليه ويقطع مسافة قرون طويلة, وتلك رسالة من أصعب الرسالات التي يتحملها جيل من الأجيال..." ثم بين شروط نجاح هذا الجيل فيقول: "إن هذا الجيل المخضرم لا يستطيع أن ينهض بالعبء إلا إذا نجح في أمور ثلاثة: الأول: أن ينضج فهمه, وانتماؤه روح شعبه, وروح العصر القديم الذي ينتمي إليه شعبه نضجا تاما. الثاني: أن يتغلغل فهمه إلى روح الحضارة الحديثة لا أن يعيش على السطح منها. الثالث: أن تكون عنده نزعة روحية ترتفع فيه فوق مستوى أهوائه الذاتية ومنافعه المادية, لكي تكون هذه النزعة بالنسبة إليه كمحطة للفضاء التي يراد لها أن تكون بين الأرض والقمر" ثم يتحدث عن التجربة الأولى للرعيل الأول فيقول "كانت تجربتهم التبشير بأفكار عصرية بحته ونقلها إلى شعبهم كما هي وهو شعب-كان-لم يعرف أي شيء عن العصر الحديث, وكان لهذا الأسلوب رد فعل شعبي ورسمي مضاد, وشاعت عنهم حكاية الاختصار للقران كذبا, وبهتانا ولكنها شاعت لأنهم لم يتخذوا الاحتياطات ضد قبول مثل هذه الإشاعات...وسهل على الحكم الرجعي أن يلغي وجودهم بالسجن وكان الشعب يطلب أكثر ما هو من السجن ولم يستطع الشباب بمجرد هذه التجربة أن يكتشفوا معدن الحكام على حقيقته..." وبعد دراسته لهذه التجربة قال "فأدركنا أنه لا يتم عمل ولا تقدم ولا تنجح دعوة عن غير طريق الدين الذي يستمد الحكام منه سلطتهم وقلنا: إنه لابد لنا من إحدى الحسينيين فإما أن يسمح الحكام للفكرة بالانتشار فهو النجاح السلمي على مستوى الحكومة والشعب معا وإما أن يرفضوها ويقاوموها وهي دعامة حكمهم فسيضطرون لهدم هذه الدعامة ويصبح حكمهم بغير أساس. ولكننا وجدنا أنفسنا في السجن رغم هذا التكتيك, ووجدنا الشعب يتخلى عنا ورأينا أن تحجره وانصياعه للحكام أبعد ما تصورناه. ورأينا أن التاريخ سيحكم علينا بالتهور والتسرع إذا لم نكرر التجارب بطرق أكثر لينا, فالعامل الإنساني يجب أن يراعى حتى بالنسبة إلى حكام يسيطرون على مقدرات الشعب بغير حق والله سبحانه وتعالى يقول لموسى وهارون عليهما السلام وهو يبعثهما إلى فرعون (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) طه 44" "ومن هنا نشأت فكرة التطامن للعاصفة بعد أن وجدنا أنفسنا سجناء (جبل الأهنوم).وظهرت الثقة بمقدرة الشعر على إقناع الحكام بأننا لسنا أعداء بل أبناءهم البررة ... والهدف من ذلك إعادة التجربة بأسلوب يحفظ على الحكام كبريائهم حتى إذا كانت الكبرياء هي التي تحول دون تسامحهم مع نشاطنا المرجو, فإننا نكون بهذه المدارات قد ساعدناهم على أن يكونوا طيبين معنا .وقد نجح الشعر هنا في إقناعهم أننا لسنا بالأعداء فأطلقوا سراح البعض بعد تسعة أشهر ولكنهم ظنوا أننا سوف نرضى عنهم ,ونتعايش معهم بمجرد أن يغدقوا علينا من أموال الدولة ومناصبها ,فلم يتغيروا بعد إطلاقنا في شيء ما غير الاستعداد لمساومتنا من الناحية الشخصية..." وهنا يعلن انتهاء التجربة مع الإمام يحيى " وبذلك انتهت مدة تجربتي مع الإمام يحيى بالذات بعد أن أدركت بعمق وبيقين انه يعادي كل تطور ,وكل إصلاح وانه لا ينفع معه رفق ولا لين ولا استعطاف ولا ثناء ,إذا كان المطلوب منه أن يحقق إصلاحا ولو على الأسس الدينية ..." الانتقال إلى تعز من اجل إقناع ولي العهد احمد بالإصلاح "في هذا الجو بالذات انتقلت بعد خيبة الأمل من صنعاء إلى تعز حيث ابنه أحمد ولي العهد البطل المؤمل المرموق. ولقد وجدنا في هذا الرجل العجيب فعلا ما يخدع وما يغش وما يذهل, وتعاظمت في أنظارنا ظواهر تصرفاته ومطامح شخصيته والغاز تصريحاته الرمزية التي توحي بالتذمر من رجعية أبيه وفساد حكمه. لقد استطاع هذا الرجل الممثل الداهية أن يجعل البلاد تعيش من- ألاعيبه- في مسرحية مبرمة فصولها, محكمة أدوارها فهو يغضب من أبيه ويثور ويبكي أحيانا ويتوعد أحيانا وأنه ليتأوه على سجناء الشباب حتى كأنه أخ لهم حميم, كان يقوم بدور إطلاق سراحهم وتامين ساحتهم ومطارحتهم الأفكار والأشعار في مجالسه في تواضع وانطلاق وتحرر. كنت فعلا في سن النوازع الروحية معجباً بشخصيته مأخوذاً بها... وعلى هذا الأساس قدمت إليه عصارة غالية من شعري أنفخ فيه روح الطموح والبطولة وأمنحه حماس الثقة وأحركه بأحلام الشعر وأشواق المجد... ولم يكن ذلك لأني أطلب منصبا أو مغنما شخصيا, فلم أتقلد منصبا ولم أقبل وظيفة ولم أكسب منه مالآ وإنما أتلمس لبلادي منطلقا لمجد وسبيلا لتطور وإصلاح"... وفي عنوانه دور الشعر في خلق اليقين الثوري يبين أهمية شعر المدح ثم يبين متى تكون حتمية الثورة فيقول: (ولرب سائل يسأل: أكان شعر المدح هذا محتوما؟ وانأ استطيع أن أقول نعم بكل تأكيد ويقين أن إصدار قرار بالثورة الصادقة المصممة المستميتة مع ضعف الحال, وقلة النصير وجهل الشعب ليس بالأمر السهل وليس من الشؤون التي يقضي فيها بالظنون والأوهام وتجئ نتيجة فورة عاطفية عابرة إن اليقين الثوري هو الأساس للثورة العميقة الصادقة وهو العامل الأول لصمودها واستمرارها. ولن يكون اليقين يقينا إلى بعد جهد يبذل لدراسة الموقف وسير أغوار الدولة وقوامها ورجالها وتجربة كل الوسائل غير الثورية علها تنجح في أحداث التطور المطلوب. والثورة لا تكون حقا ولا عدلا ولا وطنية كما لا تكون ناجحة إلا يوم أن تكون ضرورة محتومة لا مفر منها. إن الثورة عنف وقتال ومذابح والمؤمنون بالتطور والإصلاح لا يقررون العنف والقتال إلا بمبررات عادلة تبلغ حد اليقين وإلا كانوا مجرد سفاكين متهورين. وقد كان يمكن أن يقال لها أنكم تسرعتم فنفرتم هؤلاء الحكام وزرعتم الريبة في أنفسهم ولم تقدروا ما ورثوه من أجيال الخوف والشك والغرور والشعور بالتملك المطلق... ولن يكون بأيدينا مستند للرد على هذا الكلام يثبت مبلغ الجهد المترفق لولا وثائقنا في شعر المدح الذي صنعناه بأسلوب لو توجهنا به إلى الشياطين والأبالسة ربما حولناهم إلى سبيل آخر أو جعلنا منهم ملائكة أبطالا "ثم يتكلم عن "نهاية التجربة" "وانتهت تجربتنا مع السيف أحمد ولي العهد إلى النهاية التي انتهت إليها تجربتنا مع أبيه الإمام يحيى. وبذلك تمت عناصر اليقين الثوري الذي يفرض علينا أن ننفض أيدينا من كل أمل في الوصول إلى تغيير الأوضاع تغيرا سلميا بأيدي الحكام. وقد أسلمتنا هذه التجربة إلى أمرين لا ثالث لهما: فإما أن نرضخ وندفن رؤوسنا في المقبرة الموحشة التي دفن فيها الشعب, وندخل فيما دخل فيه الأكثرون ... فنأكل الجيف, ونمتص الدماء, ونعيش كما تعيش الدود...في القبور...أو نثور...وآثرنا الأشق الأصعب ...ولكنه الأشرف... وتمردنا ...وأنشدنا ... خرجنا من السجن شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها *ملحوظة وردفي المقال السابق أنه من مواليد1328م والصحيح 1328 هجرية.