شاب يمني يساعد على دعم عملية السلام في السودان    تدشيين بازار تسويقي لمنتجات معيلات الأسر ضمن برنامج "استلحاق تعليم الفتاة"0    الليغا ... برشلونة يقترب من حسم الوصافة    أعظم صيغ الصلاة على النبي يوم الجمعة وليلتها.. كررها 500 مرة تكن من السعداء    "عبدالملك الحوثي هبة آلهية لليمن"..."الحوثيون يثيرون غضب الطلاب في جامعة إب"    شاهد.. أول ظهور للفنان الكويتي عبد الله الرويشد في ألمانيا بعد تماثله للشفاء    علي ناصر محمد يفجر مفاجأة مدوية: الحوثيون وافقوا على تسليم السلاح وقطع علاقتهم بإيران وحماية حدود السعودية! (فيديو)    الخليج يُقارع الاتحاد ويخطف نقطة ثمينة في الدوري السعودي!    خلية حوثية إرهابية في قفص الاتهام في عدن.    "هل تصبح مصر وجهة صعبة المنال لليمنيين؟ ارتفاع أسعار موافقات الدخول"    مبابي عرض تمثاله الشمعي في باريس    شاهد الصور الأولية من الانفجارات التي هزت مارب.. هجوم بصواريخ باليستية وطيران مسير    اختتام التدريب المشترك على مستوى المحافظة لأعضاء اللجان المجتمعية بالعاصمة عدن    مأرب تحدد مهلة 72 ساعة لإغلاق محطات الغاز غير القانونية    عودة الثنائي الذهبي: كانتي ومبابي يقودان فرنسا لحصد لقب يورو 2024    لحج.. محكمة الحوطة الابتدائية تبدأ جلسات محاكمة المتهمين بقتل الشيخ محسن الرشيدي ورفاقه    قيادي حوثي يسطو على منزل مواطن في محافظة إب    اللجنة العليا للاختبارات بوزارة التربية تناقش إجراءات الاعداد والتهيئة لاختبارات شهادة الثانوية العامة    لا صافرة بعد الأذان: أوامر ملكية سعودية تُنظم مباريات كرة القدم وفقاً لأوقات الصلاة    العليمي يؤكد موقف اليمن بشأن القضية الفلسطينية ويحذر من الخطر الإيراني على المنطقة مميز    انكماش اقتصاد اليابان في الربع الأول من العام الجاري 2024    يوفنتوس يتوج بكأس إيطاليا لكرة القدم للمرة ال15 في تاريخه    النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يضرب سوق العمل وسيؤثر على 60 % من الوظائف    تحذيرات أُممية من مخاطر الأعاصير في خليج عدن والبحر العربي خلال الأيام القادمة مميز    اليونسكو تطلق دعوة لجمع البيانات بشأن الممتلكات الثقافية اليمنية المنهوبة والمهربة الى الخارج مميز    رئيس مجلس القيادة يدعو القادة العرب الى التصدي لمشروع استهداف الدولة الوطنية    وعود الهلآّس بن مبارك ستلحق بصيف بن دغر البارد إن لم يقرنها بالعمل الجاد    600 ألف دولار تسرق يوميا من وقود كهرباء عدن تساوي = 220 مليون سنويا(وثائق)    انطلاق أسبوع النزال لبطولة "أبوظبي إكستريم" (ADXC 4) في باريس    تغاريد حرة.. عن الانتظار الذي يستنزف الروح    قيادي حوثي يسطو على منزل مواطن في محافظة إب    المملكة المتحدة تعلن عن تعزيز تمويل المساعدات الغذائية لليمن    ترحيل أكثر من 16 ألف مغترب يمني من السعودية    وفاة طفل غرقا في إب بعد يومين من وفاة أربع فتيات بحادثة مماثلة    انهيار جنوني .. لريال اليمني يصل إلى أدنى مستوى منذ سنوات وقفزة خيالية للدولار والريال السعودي    سرّ السعادة الأبدية: مفتاح الجنة بانتظارك في 30 ثانية فقط!    نهاية مأساوية لطبيبة سعودية بعد مناوبة في عملها لمدة 24 ساعة (الاسم والصور)    600 ألف فلسطيني نزحوا من رفح منذ تكثيف الهجوم الإسرائيلي    شاهد: مفاجأة من العصر الذهبي! رئيس يمني سابق كان ممثلا في المسرح وبدور إمراة    ظلام دامس يلف عدن: مشروع الكهرباء التجارية يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الأزمة!    البريمييرليغ: اليونايتد يتفوق على نيوكاسل    وصول دفعة الأمل العاشرة من مرضى سرطان الغدة الدرقية الى مصر للعلاج    ياراعيات الغنم ..في زمن الانتر نت و بالخير!.    استقرار اسعار الذهب مع ترقب بيانات التضخم الأميركية    صحة غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 35 ألفا و233 منذ 7 أكتوبر    تسجيل مئات الحالات يومياً بالكوليرا وتوقعات أممية بإصابة ربع مليون يمني    هل الشاعرُ شاعرٌ دائما؟ وهل غيرُ الشاعرِ شاعر أحيانا؟    لماذا منعت مسرحيات الكاتب المصري الشرقاوي "الحسين ثائرآ"    قطع الطريق المؤدي إلى ''يافع''.. ومناشدات بتدخل عاجل    قصص مدهشة وخواطر عجيبة تسر الخاطر وتسعد الناظر    وداعاً للمعاصي! خطوات سهلة وبسيطة تُقربك من الله.    افتتاح مسجد السيدة زينب يعيد للقاهرة مكانتها التاريخية    الامم المتحدة: 30 ألف حالة كوليرا في اليمن وتوقعات ان تصل الى ربع مليون بحلول سبتمبر مميز    في افتتاح مسجد السيدة زينب.. السيسي: أهل بيت الرسول وجدوا الأمن والأمان بمصر(صور)    احذر.. هذه التغيرات في قدميك تدل على مشاكل بالكبد    دموع "صنعاء القديمة"    اشتراكي المضاربة يعقد اجتماعه الدوري    هناك في العرب هشام بن عمرو !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بجاش ل النصف الآخر(5): زيارة الرئيس عبد الناصر لتعز من اللحظات التي لن أنساها
نشر في الوحدوي يوم 29 - 01 - 2011

في حياة كل فرد منا شخصيتان مختلفتان: الأولى تلك التي يتعامل معها الناس ويعرفون مواقفها وأخبارها التي تخرج إلى الناس والصحافة، والثانية تلك المخفية التي لا يعرفها سوى قلة قليلة من المقربين والأصدقاء.
وفي هذه المساحة تحاول "السياسية" الدخول في الزاوية المخفية من حياة هذه الشخصية أو تلك، من خلال حديث ذكريات يشمل أسرار الطفولة والشباب والعمل، والتعرف عن قرب على العادات والتقاليد والظروف الصعبة التي عاشها اليمنيون قبل أن يروا النور بثورتي سبتمبر وأكتوبر ودولة الوحدة.
"النصف الآخر" محاولة لإخراج ما خبأته السنوات في حياة اليمنيين، من خلال رصد الواقع الذي عاشوه ويعيشونه اليوم. كما أنها محاولة لمعرفة كيف يفكر من عايشناهم طوال سنوات ولا نعرف ما ذا يحبون، وماذا يكرهون، وكيف وصلوا إلى النجاح الذي وصلوا إليه.
تحاول "النصف الآخر" الابتعاد عن الخوض في الشأن السياسي، الذي يحبذ الكثير عدم الخوض فيه، وإن كانت السياسة حاضرة في بعض المواقف التي ضمها الحوار، لكن بشكل غير مباشر.
"النصف الآخر" سلسلة لحوارات مع شخصيات يمنية مختلفة في السلطة والمعارضة، رجالاً ونساء على السواء، ومن كل مناطق البلاد. وستكون هذه الشخصيات حاضرة بتجاربها في الحياة هنا لتكون شاهدة على صور مختلفة من حياة اليمنيين.
حاور الشخصيات وأعد المواد للنشر: صادق ناشر:
*أنت من النوع الذي يؤرخ للذاكرة, وذاكرتك في تعز مليئة بالأحداث، فأين هي حافة إسحاق في ذاكرة عبد الرحمن بجاش؟
- في واحدة من زياراتي إلى محافظة تعز زرت حافة إسحاق، وأنا من النوع الذي يرتبط بالمكان، فكلما أنزل تعز لا بُد من زيارة حافة إسحاق، وآخر مرة صوّرت ابن الشيخ عاصم، شيخ السواقين، الذي سكن حَدَبَة في الحافة، وتجولت والصديق محمد عبد الوهاب الشيباني في الحافة وعرّفته بالبيت الذي سكناه، إلى حد أننا وجدنا هناك عرساً، وعندما رآنا الناس قالوا لنا: أكيد أنتم كنتم ساكنين هنا في الحارة. قُلنا لهم: بالفعل. ولذلك أجبرونا على أن نشارك في العرس حقهم. وبعد سنة – أيضا- من زيارتي ذهبت إلى عند بنت المخلافي، وقد ماتت من فترة، وقلت لها: " السلام عليكم". قالت:"وعليكم السلام". قلت لها: "كيف حالك؟". قالت: "بخير". قلت لها: "أين البُرّادة؟". قالت لي: "روح يا ابن الكلب، من فين أنت؟". قلت لها أنا ابن فلان، فبكت وقامت تحتضنني.
في نفس الحارة كانت تعيش أنيسة محمد سعيد، وهي أول مذيعة في إذاعة تعز، وكانت واحدة من الذين اتصلوا بي، وقالت: سوف أروح إلى عند أبوك؛ لماذا تكتب عن حافة إسحاق ولا تذكرني؟ أنيسة محمد سعيد كانت طالبة وهي موجودة إلى الآن. فكانت مثيرة للانتباه، خاصة عندما تخرج بالبالطو وسيارة الإذاعة منتظرة لها عند الباب الكبير. فلم تكن السيارة تستطيع أن تدخل إلى الحارة.
من أقراني الذين أبكي عليهم إلى اللحظة صاحبي عبد الحق، كان في بيتنا ووالده الشيخ درهم علي من قدس. فجاء وسكن عندنا في البيت. كان هذا الشاب كريماً إلى درجة أنه في أحد الأيام استعار مني شميزاً ورحنا نصلي في الجامع الصغير الموجود في حافة إسحاق. لا أدري ما الذي حصل بيننا. فقلت له: هذا الشميز الذي فوقك حقي. ففاجئني بأن خلع الشميز من فوقه ورمى به وخرج من المسجد. وعندما عدت إلى المنزل لم أجده. لم أقدر أن أقول لجدي، عم والدي، إنه حصل مع عبد الحق كذا وكذا؛ لأن ذلك كان سيخلق مشكلة. واختفى عبد الحق نهائياً، واكتشفت فيما بعد أنه سافر إلى البلاد، يعني شعر أن كرامته أهينت بسبب الشميز. لم أكن أعرف أن حكاية الشميز هذه سوف تعمل هذا كله. لو كنت قلت لجدي ستكون مصيبة. يعني كان سيقول لي: كيف تقول لابن الشيخ درهم علي أن الشميز حقك. وقد كانت "عملتي" بحق كبيرة. عندما أتى الأب بعد فترة سألناه عن عبد الحق فقال: إنه سافر إلى السعودية، وبقيت أشعر بغصة. والمرة الثانية جاء الشيخ درهم علي، وسألناه عن عبد الحق؛ فرمى بوجهي قنبلة بقوله: مات، وقد ظللت أبكي، ولازلت حتى الآن أبكي عندما أتذكر عبد الحق، وأشعر بغصة على أساس أنني كنت السبب في أنه خرج من عندنا وحصل له ما حصل.
في حافة إسحاق كان هناك بيت أعلى منا استأجره رجل ربّى كل الزعامات الناصرية من عيسى محمد سيف إلى سلطان العتواني وما بينهما. اسمه درهم نعمان، من الأشروح بقدس. كانت معه سيارة قلاب طلع بها من عدن هو وأخوه وهي من القلابات المرسيدس حق زمان ينقل بها أحجاراً. تخيل أن هذا الرجل يربي الشباب الذين يجيئون من قدس أو من أي مكان في الحجرية يجلسهم في بيته ويصرف عليهم ويوصلهم إلى القاهرة بعد أن يكملوا الثانوية العامة. ربما أن جيل ما بعد الثورة من الناصريين رباهم هذا الرجل. هذا البيت كان في حافة إسحاق. كان الناس في تلك الفترة يحلمون بكل شيء لدرجة –أتذكر- أن والدي وغيره بل تعز كلها، كانوا يحلمون بالتغيير وبمحاكاة مصر في كل شيء.
في مصر يلتقي الناس حول النيل، وفي تعز كان الناس يلتقون في شارع 26 سبتمبر. وشارع 26 سبتمبر مثّل الجديد بالنسبة لتعز. خرجت تعز إلى شارع 26 سبتمبر واليمن مرت من ذلك الشارع. وقد ألقيت محاضرة في "السعيد" عن "حكاية شارع.. اليمن مرت من هنا"، ففي هذا الشارع كان كل الناس يخرجون منه وإليه. ثم نذهب إلى مدرسة الأحمدية –سابقاً- وبعدها إلى مدرسة ناصر التي كانت مبنى للقنصلية الأميركية قبل الثورة.
لازالت ذاكرتي تحتفظ بالعديد من المشاهد. كُنا من البداية نخرج من الباب الكبير. وكان دكان هزاع عقلان على اليسار. ودكان أحمد عقلان في الجهة الثانية بجانبه مطعم مرجان، مخبز التيسير لغالب راوح وأحمد غرسان، جامع الغفران، أستوديو جواد نوري، عبد الله عبد اللطيف القدسي، وكان أشهر مكان أو بؤرة تعز هي مِقْهاية الإبّي، والتي لا زالت موجودة إلى اليوم، وكل ذكرياتنا في تلك المرحلة موجودة فيها، ووعينا لم يتفتح إلا واليمن كلها تغلي في هذا الشارع، وفي هذا المقهى الصغير.
أتذكر أن الأستاذ محمد المساح كان في تلك الفترة يملأ المكان. في يوم من الأيام دخلنا الساحة الأمامية للمدرسة لنلعب، وفجأة دخل المسّاح هو وأحمد إسماعيل، وأحمد إسماعيل كان سفيراً في وزارة الخارجية، تخيل الناس حتى لو اختلفوا كانوا كباراً في خلافاتهم، الاثنان قالا بصوت واحد لنا وللكبار الذين كانوا واقفين معنا: إذا واحد يتدخل بيننا سوف نرجع نضربه نحن الاثنان، ليس لكم دعوة بنا. كانت هناك عقود صغيرة أمام الفصول، تضاربا حتى تعبا وسالت الدماء على وجهيهما. قال الأول: خلاص، وقال الثاني: خلاص، ثم نزلا يمسحان وجهيهما بالماء من حنفية كانت موجودة بجانب مقهى الإبِّي، ثم دخلا يشربان الشاي، وكأن شيئاً لم يكن.
سالمين وسالم صالح
*على ماذا كانت المضاربة؟
-لا أدري. ربما كانت هناك خلافات سياسية بين الطرفين، كانت تعز يومها تعج بالتباينات وبالتيارات. أتذكر أنه في الساحة الخلفية كانوا يجمعوننا في بعض الصباحات ويظلوا يخطبون أمامنا. ونحن لا ندرك على ماذا هذه الخطب. أتذكر عيسى محمد سيف، أتذكر الطويل عبد الله أحمد نعمان، عبد الحليم محمد عبد الله والآن صار يمشي على العكاز، ياسين عبد العليم، الطشان، منصور الهلالي، هناك أسماء كثيرة، كان سالم صالح محمد موجوداً في تعز في تلك الفترة، لكن لم أعرف هذا إلا فيما بعد، وكان يأتي إلى نفس الشارع سالم ربيّع علي إلى عند عبد الله عبد اللطيف القدسي، ولا أدري من هو. وعبد الله عبداللطيف يمدهم بالسلاح، فيما بعد عندما رأيت أول عدد من أعداد "الثوري" رأيت صورة سالم ربيّع علي منشورة وهو في تعز. وكان سالمين عندما يأتي إلى عند عبد الله عبد اللطيف يأتي بالمعوز إلى عند الركبة.
كثير من هذه الوجوه كانت في هذا الشارع الذي شهد زيارة جمال عبد الناصر والاستقبال الأسطوري له. والذي لازلت أتخيّله حتى اليوم، طلب عبد الغني مطهر يومها من والدي ألاّ يسافر إلى القرية، وكان العيد قد قرب "الإنسان عبد الناصر سيأتي"؛ فبقي أبي، كان ذلك اليوم بمثابة يوم الحشر، لا أدري من أين جاء هؤلاء الناس حتى يستقبلوا هذا الرجل، كانت المظاهرات والمسيرات تنطلق من هذا الشارع.
أتذكر الشعور النبيل لأهل تعز يوم طرد الطلبة من دار الناصر الذي كان دار الأيتام. تخيل الشعور الجميل والصمود عند أصحاب المخابز الشيابنة. فإلى الآن يذكّرني الأخ عبده صبر، المدير الفني في التلفزيون، قال: ونحن نسير كمجموعة يسألنا أصحاب المطاعم أنتم الطلبة حق دار الناصر، دار الأيتام؟ فنقول لهم: نعم. فيقولون لنا: أدخلوا وأكلوا، هذه الطاولة وتلك لكم، تعالوا ثلاث مرات في اليوم. قال عبده صبر: يومها بكيت، وإلى اليوم أنزل أترحم على أصحاب المخابز.
اللحظات الأولى للتجمّع في هذا الشارع الذي كان ملتقى مدينة تعز، تبدأ من تجمع الناس من أماكن مختلفة، نحن نأتي من حافة إسحاق والآخرون يأتون من حافة الظاهرية وآخرون يأتون من حافة الجزارين وهناك من ينزل من الجحملية، ونلتقي كُلنا في هذا المكان.
اللحظات الذي هيّأت للثورة سجّلها أحمد عمر. كان أول أستوديو بجانب مسجد الغفران، ولازالت لوحة الأستوديو موجودة حتى اليوم، في الجانب الآخر جواد نوري وكان هو واحمد عبد المجيد أشهر شريكين، ولم يختلفا طوال حياتهما، لازال جاود نوري صاحب أول صور جميلة، أجمل الصور ظهرت عنده وخرج الناس من خلالها إلى الحياة، كان مستودع الشرق وبيت الدالي هؤلاء الناس كان لهم فضل كبير على المدينة، رغم أنهم دفنوا كأسرة، كان لهم مستودع الشرق في عدن ثم انتقلوا إلى تعز، وهم أول من أدخلوا ساعات "الرولكس" إلى شمال البلاد حينها.
كانت هذه المرحلة انعكاساً لكل اليمن في هذا المكان. في بيتنا شهدت أشياء كثيرة. والدي كان صديقاً لعبد الغني مطهر، وكانا لا يفترقان. وبالمناسبة قرأت في صحيفة "النداء" وثيقة نُشرت واسم والدي موجود من ضمن أسماء مشايخ لواء تعز. كان متفاعلاً مع التغيير، كما أنه كان صديق الشيخ أمين عبد الواسع نعمان. وعندما حُوصرت المحافظة في تعز كان والدي بجانبه وشاهدته عندما اعتقل في تلك المرحلة مع مشايخ وأعيان تعز عندما أخذوهم إلى صنعاء.
وأكتب الآن أربعين حلقة تحت عنوان "حافة إسحاق"، وتبقى لي خمس إلى ست حلقات لأختم بها مرحلة تعز بشقيها الأول: حافة إسحاق، والثاني: وادي المدام. وهذه كانت بالفعل مرحلة تكوين شخصيتي.
في مدرسة ناصر
*إلى متى استمرت إقامتك في تعز؟
-انتقلت من بيت حافة إسحاق إلى وادي المدام، الجانب الآخر من التبة التي نسميها "الحدبة". وبالمناسبة كان المنزل الذي استأجرناه في حدبة بيت المخلافي بجانب المقبرة، وكان المبنى الذي استأجرته جبهة التحرير من محمد عبده الحروي، والد قائد الحروي، الذي كان وكيل وزارة الاقتصاد. من المبنى هذا تزاملت مع عبد الحليم محمد عبد الله، ليس عبد الحليم الكبير، بل هو شاب من يافع لا أدري أين ذهب فيما بعد، وعقيل من الضالع، ومن الجحملية ينزل صالح أبو بكر وأخوه غازي والأخ الأكبر الدكتور محمد أبو بكر المفلحي، وزير الثقافة الحالي.
وهناك ذكريات جميلة في الجانب الآخر الذي كان يُسمى حافة "العدينة"، كان أغلب من فيها من منطقة العُدين بمحافظة إب، أحمد حسن علي العديني وهو الآن نائب رئيس مؤسسة المساحة، سعيد مرشد، وهو أخو عبد العزيز مرشد كان جارنا، كانت كل الحافة حول المقبرة من العدين. وفي عمارة الحاج عبد الله كان يسكن سلطان العتواني وأحمد محمد نعمان، وهو قريبه ورعاهم شرف وهزاع نعمان، وفي الجانب الآخر، وهو الطابق الأسفل وبابه من الجهة الأخرى، سكن فيه هاشم علي عابد، والد مراد هاشم، وأصدر منها صحيفة "مارب".
في تلك الحافة كنت في صف خامس وانتقلنا إلى مدرسة ناصر في الجانب الآخر من شارع 26 سبتمبر. وكان مديرها في تلك الأيام الرجل الذي يفترض في هذه البلاد وفي تعز تحديداً أن يعمل له ليس تمثالاً بل تماثيل، وهو عبد الرؤوف نجم الدين، وهو فلسطيني الجنسية. أتى به الإمام قبل الثورة من أجل أن يدرّس أولاده، فاستمر إلى ما بعد الثورة.
كان هذا الرجل أول ما يظهر يبهرك منظره وشكله بشعره الأسود اللامع، والشميز الأبيض والسروال الأسود، كان رجلاً نظيفاً وصاحب هيبة، وحتى هذه اللحظة كلما أذكره أشعر كما لو أنه معنا، عبد الرؤوف نجم الدين كان علامة من علامات تعز، توفي -الله يرحمه- وللأسف الشديد لم يعد يذكره أحد.
في مدرسة ناصر عرفت الأستاذ الحسيني، الذي جاء من بغداد، وقد كنا ننشد معه كل صباح "لنا الغد الموحد / لنا للصباح الأسعد / بشراك آن الموعد / يا أمتي لنا الغد. ولازلت أحفظ هذه الأبيات إلى اليوم، جاء غازي وعبد الله ناصر من عدن اللذان قاما بتدريسي مع أصدقائي في المدرسة، في مدرسة "الأحمدية" أنشدنا: "بسم هذا التراب، والفيافي الرحاب، والجبال والصعاب، سوف نثأر يا أخي"، أظل أرددها الآن مع زميل المدرسة طه عبد الصمد.
أجمل ما في مدرسة ناصر، ومن الذكريات التي بقت حتى الآن، أن كل خميس كانت هناك مباراة مع مدرسة "الثورة"، وكان الأستاذ ذياب، الذي جاء بعد الأستاذ عبد الرؤوف نجم الدين، يحبس محمد الجهمي الذي يلعب لنادي الجيل في الحديدة، مثل الأسد داخل غرفة ويأكِّله من وراء، ويوم الخميس يخرجه من الغرفة يروح يهزم مدرسة الثورة ثم يعود يحبسه من جديد لأنه لا يدرس.
زاملت في مدرسة ناصر أناساً كثيرين جداً، ومر عليً الشرعبي الذي جلس يهددني ويأخذ مصروفي لمدة سنتين، لأنه لما خرج الطلبة وأحرقوا السفارة الألمانية بعد مظاهرة كبيرة في تعز، طلع يومها داؤود الزبيري، وقد توفي -الله يرحمه- وأذكره تماماً عندما أخرجونا معهم، كنا معظم الأحيان نهرب من المدرسة، نجدها فرصة وكأنها يوم إجازة، فطلعنا معهم، وتسلق المبنى وأنزل العلم الألماني وأحرقه والطلبة نهبوا كل محتويات السفارة، وأنا لا أدري من أتى وأعطى لي من تلك التي يكتبون فيها التاريخ التي نسميها المطبعة، والشرعبي رآني، في يومها كان بمجرد أن يذكر الواحد اسم المباحث أو الأمن يصاب بالرعب. المهم طلع لي هذا الشرعبي مثل الجني في اليوم الثاني من الأحداث. وقال لي: سوف أذهب بك إلى المباحث؛ فقلت له: عند الله وعندك، لا. فظل يأخذ مصروفي لمدة سنتين. كل ما أحصل على بيسة أو أي مبلغ يستولي عليه. بينما لو كنت كلمت والدي أو أي شخص كانوا يمسحون به الأرض.
صحيفة السياسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.