لكل صحفي تحيزاته القيمية والسياسية والاجتماعية ولذلك يقول خبراء وسائل الإعلام إن الموضوعية لدى أي صحفي أو صحفية أو صحيفة مجرد وهم، وأقله فإنه لا مجال لموضوعية مطلقة في العلوم الإنسانية قياسا بالعلوم الطبيعية. والتحيزات تتمظهر في الصحافة من خلال التركيز على عناوين وقضايا دون غيرها في التغطية الصحفية، وبوساطة تحرير المواد المنشورة في الصحيفة وأسلوب تحرير الأخبار ومضامينها. والمادة التحريرية الجيدة هي تلك التي تتوخى التوازن والإنصاف، والمبدأ الاخلاقي الحاكم هنا، في غياب معايير منضبطة للموضوعية، هو التمييز بين الخبر والرأي، والفصل الجلي شكلا ومضمونا، بين الإعلان والمادة التحريرية، ومجاهدة النفس كي لا يحمل رأي لكاتب أو صحفي مستقل مضمونا دعائيا لصالح طرف أو فئة أو حزب. هذه قيم مهنية يتعلمها الصحفي ويتمرس عليها خلال عمله -رغم كونها بديهيات. والصحفي بالممارسة هو حيوان متعلم- كذلك أمازح بعض زملائي في المهنة. الصحفي ليس محض ناقل أو وسيط بين النخب والرأي العام، أو بين الوقائع والجمهور، لا. ولا هو مندوب تسويق يعمل لصالح شركة تجارة وطنية، أخذا في الاعتبار ان الزعيم السياسي هو بالتعريف الشخص الذي يبيع الوطنية للجمهور. والصحفي الحر هو الذي لا ينخرط تحت أي لواء أو سلطة، ولا يمتثل إلا لسلطة ضميره. وفي المحصلة النهائية فإن الصحفي في غياب اليقين والخبرة والبيئة المحلية والوطنية الملائمة لنشاطة، سيعتمد غالبا على حسه السليم لتقرير ما يلزم وما لا يلزم. ينأى بنفسه عن مواطن الشبهات، كما القاضي النزيه، ويناؤى كل متسلط غشوم, حاكما أو جماعة أو حزب أو مراكز نفوذ. استطرادا، فإنه لكي يحمي الإنسان داخله، مطالب بالانحياز إلى الضعفاء والمهمشين. بهذا الانحياز وحده تنبض ملكة التبصر والتشكك في داخله على الدوام. وكل انحياز خارج قيم المواطنة يأخذ صاحبه إلى منعرجات خطيرة، وقد يسوقه إلى التورط في الترويج لخطاب جهول وانعزالي خارج قيم الحداثة والعصر، ويدفعه بعيدا عن التسامح والانفتاح والإنصاف ليستنقع في عصبية جاهلية غرائزية. الصحفي الإنسان، مثله مثل أي مثقف حر مستقل، لا يتورط -أريد أن أخلص هنا- في ترديد أو ترويج التعميمات الفاسدة بشأن طائفة أو شعب أو جنس أو عرق أو منطقة أو حركة سياسية أو حراك... جنوبي!