غبت عنكم فترة قضيتها في دبي، وكلما سألني أحدهم (كيف دبي؟) أجيبه ببساطة: محبطة!! نعم هي كذلك، فحركة البناء فيها تجاوزت (الحلم) فعلاً، وأصبح الزائر لدبي يشعر (بالإحباط) عندما يفكر في ما يجب على دولته عمله لتصل إلى هذا المستوى. بالطبع، أنا لا أقيس (الحضارة) بالعمارات الفارهة، والشوارع العريضة، لكنها لا شك جزء من مفردات (الحضارة)، إلا أن ما يعجبني شخصياً في دبي هو (احترام النظام والقانون) -وأتمنى أن تسنح لي الفرصة حتى أتناول هذه النقطة باستفاضة لاحقاً- واحترام النظام والقانون لا شك مفردة كبيرة من مفردات الحضارة. أثناء نقاشي مع أحد الأخوة عن (دبي)، قال لي هذا الأخ العزيز: (هم ما عملوش حاجة، هم الهنود والصينيين يلي عملوا كل شي)!! لكن ما غاب عن ذهن صديقي أن الإماراتيين بشكل عام والقائمين على دبي بشكل خاص استطاعوا أن (يديروا) هذا البناء وهذا في حد ذاته إنجاز عظيم، ولدينا -للأسف- تجربة فاشلة في اليمن تتمثل في جذب الاستثمارات إلى اليمن، ويعرف القائمون على هذا المشروع –جيداً- صعوبة (توفير الجو الملائم للاستثمار والعمل والبناء)، ولذلك أرى في مقدرة (دبي) على توفير الجو المناسب عملاً جباراً يستحق الاحترام والتقدير. أما النقطة الهامة التي يرتكز عليها هذا الموضوع فهو (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب)، فلا مجال في (دبي) للمحسوبيات والمجاملات، وإذا ما حدث شيء من هذا القبيل فيجب أن لا يكون على حساب العمل، فلتكن المحسوبيات والمجاملات في مناصب استشارية أو فخرية، ولنترك المناصب التنفيذية لأصحاب الكفاءات. ومن هذا المنطلق، يكفي أن نقارن بين الشركات الحكومية والخاصة ذات المجال المتشابه، فإذا قارنا أداء (يمن موبايل) بأداء (إم تي إن) أو (سبأفون) فالنتيجة كارثية، فاختيار الموظفين في الشركات الخاصة يتم بدقة ووفقاً لشروط ومعايير خاصة لا مجال فيها للمحسوبيات. ولكي نعطي مثالاً عملياً، سنلقي نظرة على الحملة الإعلانية الأخيرة لبنك التسليف التعاوني والزراعي، والتي حملت عبارات مثل: (السياحة حلم الوطن)، (الاستثمار حلم الوطن)، (المستقبل حلم الوطن)، وعلى الرغم من محاولة القائمين على الحملة إضفاء معاني الوطنية، وحب الوطن، إلا أن العبارات جاءت فارغة من أي معنى، فاعتبار (السياحة) أو (الاستثمار) حلم الوطن، هو (تقزيم) لحلم الوطن بشكل مستفز، ثم أن لفظة (حلم) غير مناسبة على الإطلاق وكان الأحرى استخدام مفردات مثل (هدف، غاية) توحي بإمكانية التحقيق لا استحالته. أما العبارة الثالثة: (المستقبل حلم الوطن) فهي بالإضافة إلى الملاحظات السابقة، خاطئة جملة وتفصيلاً، فمعناها أن حلمنا أن نعيش مستقبلنا!! وكأن البقاء على قيد الحياة أصبح حلماً بعيد المنال! السؤال الحقيقي هنا: (ما هي الإجراءات التي اتبعت لإجازة مثل هذه الحملة؟) هل قامت على أسس علمية، وشارك فيها مختصون، أم أنها أجيزت في (مقيل قات)؟! إن إدارة أي مؤسسة تستلزم من القائمين عليها، حسن اختيار العاملين في هذه المؤسسة، فإذا تم ذلك بشكل دقيق فإن ذلك يوفر على الإدارة الكثير من الجهد المبذول في إصلاح ما أفسده الموظفون غير الأكفاء. أتمنى أن يطيل الله في عمري وفي أعمار القراء الكرام حتى نشاهد ولو مؤسسة حكومية (نموذجية) واحدة تعتمد مبدأ الكفاءة في التعيين والتوظيف، حتى نرى بأنفسنا مخرجات مؤسسة كهذه، لتصبح -بعد ذلك- (الكفاءة حلم الوطن) وأتمنى أن أكون مخطئاً في استخدام كلمة (حلم) فيصبح هذا واقعاً معاشاً إن لم يكن من أجلنا فمن أجل أبنائنا. [email protected]