لعل الحراك الجنوبي من ابرز القضايا التي برزت في الساحة اليمنية إعلاميا وبغض النظر عن ظروف النشأة وإرهاصات النمو إلا أن هناك خطا ما في التعامل مع هذا الملف منذ البدايات الأولى والى الآن . فلا يختلف اثنان ذي لب وعقل بأن ما قدمه أخواننا في المحافظات الجنوبية في سبيل الوحدة أعظم من ما قدمه غيرهم ، ولولا وقفتهم الجادة في حرب صيف 94م لما استطاعت وحدات الجيش الدخول إلى عدن . هل يستطيع أن ينكر ذلك احد؟ أليس أولى المبادرات من اجل الوحدة أطلقت من الجنوب آنذاك ؟ تحقق الحلم الكبير بالإرادة والعزيمة وليس هربا من واقع كما يطرح البعض، فالمستوى الثقافي الذي يتمتع به أبناء المحافظات الجنوبية كان له اثر كبير في صناعة الحلم فكانوا أكثر حماسا واندفاعا وإيمانا وتمسكا بالوحدة . تحققت الوحدة وكبرت معها أحلامنا ، وظننا فعلا أننا أمام منعطف هام قد يغير من حياتنا البائسة حياة الصراعات و الانحطاطات والحروب والتشرد والتمزق ، لنعلن للعالم اجمع أننا مقبلون على فجر يوم جديد لن تحلك خيوط الظلام على جبينه شيئا . فماذا حدث حتى يخرج عشرات الآلاف من من صنعوا الحلم لينقضوا عليه ؟؟ كانت البوادر الأولى للحراك الجنوبي ذات مطالب مشروعة تجاهلتها الحكومة وتعاملت معها كملف عادي دون مبالاة ولا مسئولية ،وتراكمت المظالم والأخطاء ومسئولي الدولة منصرفين لبناء أنفسهم ( منهمكين بالأرصدة وبما يسر الأفئدة) ؛ والحلول المطروحة كانت تحت مظلة المعالجات الفردية و الإغراءات بالأموال والهبات والمحسوبيات دون النظر إلى الموضوع من زواياه المختلفة وتشخيص المشكلة ومن ثم معالجتها معالجة مدروسة قائمة على العدل والإنصاف فتعرض أخواننا في المحافظات الجنوبية إلى أخطاء مقصودة وبعضها غير مقصود وما خفي كان أعظم واعتمدت سياسة السلطة في المحافظات الجنوبية على مظاهر عديدة ارتكزت عليها في التوجه الجديد: - سياسة البقاء للآفسد : يختلف الواقع الاقتصادي لأبناء المحافظات الجنوبية عن الشمالية كثيرا فقد عكف إخواننا في الجنوب على التعلم والتأهيل علميا وعسكريا ليحصلوا بالأخير على وظيفة يقتاد منها دخلة ويبني بعلمه ومهارته وطنه ، فجأة يتم إحالتهم على التقاعد دون مراعاة أو استثناء في وقت اليمن هي في أمس الحاجة إليهم ولما تعلموه في حياتهم العلمية والعملية وكنت أتمنى من الأخ الرئيس قبل إحالتهم للتقاعد أن يراجع ذاتيتهم ومؤهلاتهم ويقارنها مع الضباط من المحافظات الأخرى وقادات الألوية الذين وبكل فخر (لا يقرؤون و لا يكتبون ) في زمن صارت الحرب والأسلحة رهينة للتكنولوجيا ؛ فانكشف الأمر للعيان بان ما حدث هو تحقيقا لرغبات سياسية وحسابات ضيقة ، ومن بقى لم ينطبق عليه قرار التقاعد وبقى في منصبة أو تبؤ منصب معين فهو منصب مجوف ومعطل ومسلوب الصلاحيات ومنقولة لأخر ( قد يكون اقل منه ثقافة وعلما ورتبة ) ليشعر بالأخير انه لا يسمن ولا يغني من جوع وكاٌن السلطة تعتمد نظرية معاكسة لنظرية (البقاء للأصلح ) وتعلن عن نظرية جديدة في دولة الحلم الكبير مفادها (البقاء للافسد ) . ودعوني أسجلها شهادة لله والوطن فكم عرفت من أبناء المحافظات الجنوبية الذين يقدسون ويخلصون للوطن ولوظائفهم متفانيين في ما أوكل إليهم يضعوا الوطن ومصلحته نصب أعينهم وهذه الشهادة لا تنفي أمثالهم من أبناء المحافظات الأخرى. - الوصاية وتعطيل مدنية المواطن : واقصد بالوصاية هنا السياسة التي اعتمدت عليها الدولة بحيث حصرت أبناء المحافظات الجنوبية في شخصيات تعد بالأصابع هم من يحلون ويعقدون وهم من يتكفلون بأرزاق المواطن بعد أن انزله الله من خزائنه وتكدس بخزانهم ، هذه السياسة الوصائية خلقت فجوة كبيرة بين القيادة والشعب فالتوظيف والتعيين لا يتم إلا عن طريق هؤلاء الشخصيات التي يمكن تسميتها بالعامية (الشلة ) فارتبطت المصالح الشخصية و المناطقية والو لاءات الأخرى لتتداخل مع بعضها وتبعد عنصر الكفاءة والقدرة وترسم ملامح حسابات سابقة . وهذه (الشلة ) خادعوا أنفسهم وخدعوا الرئيس وبنوا له بيت من خيوط العنكبوت فأغروا فخامة الرئيس بان الوضع على ما يرام وان المواطنين بأحسن حال وقد لبوا كل خدماتهم (وهم يعيثون في الأرض فسادا ) ومن يرفع صوته مطالب بالحقوق فهم (زعران ) من بقايا .... وبقايا..... فعملت هذه (الشلة )على استقطاع الحقوق وحرمان المستحقين وتناسى فخامة الرئيس أن نظام الوصاية وان نجح في محافظات الشمال فهو عائد للجهل وسيطرت القبيلة فهو غير قابل للتطبيق في محافظات الجنوب التي تتمتع بصحوة معرفية وعلمية لذلك عملت السلطة جاهدة على تحويل مدنية المواطن إلى ما يشابه نظام القبيلة في الشمال لتحكم عزلهم وتجريدهم من العقلية المدنية المتحضرة وكان الأحرى بالسلطة أن تحول المحافظات الشمالية نحو المدنية والتعليم والفكر النير الذي تمتع به أبناء المحافظات الجنوبية وعدم صهرهم بعاداتنا القبلية البائدة . - أرسلنا لهم السيئ وولينا منهم الأسوأ: وهي نتيجة لغياب مبدءا الكفاءة والقدرة والمؤهل في التعيين وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب فكان من أرسل إلى المحافظات الجنوبية في مراكز عليا (للأسف سيئين ويفتقرون للقدرة والكفاءة بل قد لا يجيدون القراءة والكتابة ) أما من ولي عليهم منهم فقد كانوا الأسوأ لبروز ما تطرقنا إليه سلفا "الوصاية في التعيين " . - الأراضي والاستيلاء على الممتلكات : وان ارتبط هذا الموضوع بموضوع التأميم على الممتلكات إبان الحزب الاشتراكي إلا انه لا يخفى على احد النهب والاستيلاء الذي تم من قبل بعض النافذين وهذا الموضوع بالذات كان يتطلب (قرار جريء من فخامة الرئيس بعودة الحقوق لأصحابها ) خصوصا أن المتسلطين هم من السياج المحيط بالقصر الرئاسي ولا مبرر لان يخجل الرئيس من القرارات المصيرية . - لجان الطبقة البرجوازية : حتى اللجان التي شكلت وأرسلت للمحافظات الجنوبية (هي فقاعات إعلامية ) لأنها لم تلتقي بالمظلومين والمواطنين الذين حرموا من وظائفهم ومستحقاتهم بل حققت رغبة الطبقة البرجوازية السلطوية الوصائية التي استولت على ما انبتت الأرض من فومها وبصلها وعدسها . لتبقى في النهاية الطبقة المتضررة هي ضحية المساومات والمفاوضات وكأنها سلع تجارية وكان الأحرى بفخامة الرئيس متابعة اللجان لمعرفة مدى ملامستها لهؤلاء الذين ضحوا بالعالي والنفيس من اجل الوحدة . - القاعدة ومخاطر الربط بالحراك الجنوبي : وهو موضوع بالغ الخطورة ويفقد الحراك جوهرة ومناصريه بل يصرف المجتمع الدولي والإقليمي عن الالتفات والنظر لمطالب الحراك تحت سقف الوحدة . لكن ما يدعوا للشك ما سر اختفاء القاعدة بمأرب والجوف لحظة ظهورها في بعض محافظات الجنوب ؟ والى أي مدى نجحت العمليات العسكرية في كسر شوكة القاعدة ؟ أم أن هناك التهويل الإعلامي يتعلق بجلب الأموال إلى اليمن كلقمة سهلة المضغ والبلع . ولعل أجمل ما قراءات حول هذا الموضوع ما كتبه الصحفي العربي الكبير عبدالباري عطوان رئيس تحرير صحيفة القدس العربي بعنوان " القاعدة تجلب الأموال لليمن ". فالجميع مدرك أن هناك دعم دولي وأمريكي لمكافحة القاعدة والفراسة هنا تتم من خلال التهويل للموضوع عبر وسائل الإعلام ومتجاهلين العواقب والخسائر من وراء هذا التهويل الإعلامي فهو وان جلب الأموال إلا أن الضرر كان اشد وطاءه بدء من نفور المستثمرين وعزفهم عن الاستثمار مرورا بضرب السياحة وانتهاء بإهترا صورة المواطن اليمني الذي أصبح ينظر إليه في المطارات ودول المهجر كإرهابي لا أكثر . لماذا اليمن بيئة مناسبة للقاعدة ؟ والأسباب عديدة فهي تبدءا من نمو التيار الأصولي المتطرف في اليمن وتراجع التيار أو المد القومي مما سمح المجال للحركات المتشددة لاصطياد الفرصة السانحة بالإضافة إلى البطالة في صفوف الشباب وعدم وجود بصيص الأمل لديهم من وجود إستراتيجية لاستيعابهم في بناء التنمية في المستقبل بالإضافة إلى تعرية قدرات المؤسسة العسكرية والأمنية في الحروب التي قادتها الدولة فضلا عن تؤاطىء كبير من قبل البعض كما أن ضعف الأجهزة الإستخباراتيه في اليمن وانصرافها نحو قضايا أخرى بحيث تحولت مهام هذه الأجهزة من الجوهر الوطني والاستراتيجي لآمن الدولة إلى الجوهر الشخصي تمثل عامل أخر في هذا المجال . محمد احمد العقاب