الموت يُفجع أمير قطر وشقيقة الأمير تميم تكشف التفاصيل    الليمون علاج سحري لمرض منتشر بين العرب    اليمن تشهد انخفاض درجات الحرارة الى ما دون الصفر في بعض المحافظات    بعد بدء اللجنة السعودية تحركاتها لدمج الأجهزة الأمنية بعدن.. المحافظ "لملس" يغادر مطار عدن متوجهاً إلى الامارات    نجاح صفقة تبادل أسرى بين الجيش الوطني ومليشيات الحوثي في الجوف    التحالف يدمر 3 طائرات مسيرة أطلقها الحوثيون من الحديدة باتجاه السعودية    أول تعليق رسمي من "واتسآب" على الضجة العالمية بشأن "تحديثه المصيري" في فبراير    وفاة دراج عالمي بعد إصابته في رالي دكار بالسعودية    بعد ساعات من دفاعة المستميت عنها.. جماعة الحوثي تشن هجوماً لاذعاً على "غريفيث" وتصفه ب"ساعي بريد" وادائه ب"السيء"    نجاح عملية زراعة قلب لطفل يمني    ارتفاع أسعار الذهب    وقفة احتجاجية بصنعاء تطالب بتحييد النفط ورفع الحظر    انهيار كبير ومتواصل للريال اليمني امام العملات الاجنبية..آخر التحديثات مساء اليوم في صنعاء وعدن وحضرموت    بيلباو يطيح بالريال ويضرب موعدا مع برشلونة في النهائي    رئيس المؤتمر يعزي بوفاة العميد حمود القائفي    شاهد.. هدم وتدمير قصر "الإمام أحمد حميد الدين" في الحديدة بنجاح (صور)    يرجع إلى قبل 5300 عام.. إكتشاف أقدم قصر في الصين بعاصمة قديمة    روسيا تدعو الولايات المتحدة للتراجع عن تصنيف الحوثيين تنظيما إرهابيا    إصابات كورونا تتجاوز 92.7 مليون حالة عالمياً    إعلان قائمة المنتخب الوطني الاول لكرة القدم    خطبتي الجمعة تحذر من خطر الغشّ في المعاملات التجارية والاقتصادية وتحثّ على مشروعية التداوي والعلاج    دراسة بريطانية تفجر مفاجأة بشأن المتعافين من كورونا .. وتوضح "مدة الابتعاد عنهم"    مواعيد اقلاع رحلات طيران اليمنية ليوم غد السبت الموافق 16 يناير 2021م    التحالف يعلن اعتراض وتدمير ثلاث طائرات "مفخخة" أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية    شاهد.. صور تعرض لأول مرة للهجوم الغادر الذي استهدفت مطار عدن ومعلومة خطيرة كشف عنها وزير الداخلية    محافظ عدن يغادر الى هذه الدولة الخليجية    جريمة قتل غامضة بحق مغترب يمني في أمريكا    في يومنا هذا الجمعة... تعرف على أسعار الخضروات والفواكه مباشرة من الأسواق    بعد قولها (جسم المرأة ليس عورة)... الكيكة الإماراتية "بدر خلف" يهاجم السعودية "هند القحطاني" بحديث شريف !!    مصر تعيد مواطنا من السعودية بسبب فيديو على الإنترنت    اجتماع موسع لمناقشة خطط ورؤية وزارة الاتصالات لعام 2021م    وزير الخارجية يبحث مع نظيرته النرويجية مستجدات الساحة اليمنية    إتلاف كميات من الحشيش المخدر في حرض بحجة    تعميم هام وسار لكل طلاب المدارس الأهلية من وزارة التربية في صنعاء بشأن الرسوم الدراسية (تفاصيل)    مليشيا الحوثي حالة قبيحة تستدعي غضب العالم    الاتفاق يتعادل مع الباطن في الدوري السعودي    على هامش المونديال قطر تستضيف برنامج للشباب حول أهداف الأمم المتحدة    الأزرق الكويتي يعسكر إستعداداً لمواجهة فلسطين    تعيين عميد لكلية الإعلام في جامعة عدن(وثيقة)    أرسنال يتعادل سلبياً مع كرستال بالاس    مليشيا الحوثي تعلن وصول مجموعة من الجيش الوطني إلى صنعاء بعد انسحابهم من جنوب مأرب    يخدع زوجته بالحبة المميتة بدلاً من مسكن الألم    ضاحي خلفان: مبشر مسيحي طلب مني الإيمان بعيسى.. ف"بهت" من ردي!    بإصابة جديدة.. آخر مستجدات انتشار كورونا في اليمن خلال الساعات الأخيرة (صورة)    علاج جديد ل"كورونا" يسرع من الشفاء ويخفض تطور المرض إلى مستوى خطير    أسعار الصرف ترتفع في عدن    الكشف عن سبب تأجيل بث الحلقة الجديدة من المؤسس عثمان.. وأردوغان يكرم البطل    تعرف على سبب تسمية العاصمة السعودية "الرياض" بهذا الإسم...    النفط يسجل أعلى مستوى له منذ 11 شهرا    الدكتور معين يشكل لجنة لتطوير آلية التعامل مع الأزمة الإنسانية    توقف توزيع الغاز لمحطات السيارات حتى إشعار آخر    نظرات في أوزان الشعر وقوافيه بمعجم تاج العروس – جديد مقبل التام الأحمدي    ملحمة المجد والألم    فلكي يمني يكشف موعد بداية شهر جمادى الأخر    إصدار أول تأشيرة عمرة لمواطن يمني إيذانا بافتتاح الموسم الحالي    قالوا وما صدقوا (5)    لا تقارنوا الحوثي بالشيطان    مرثية في وداع أستاذي ورفيقي الرباش بن حبتور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحركة التشكيلية السورية تميزها التواصل منذ بداية القرن العشرين
نشر في 14 أكتوبر يوم 15 - 10 - 2011

تتميز الحركة التشكيلية السورية بذلك التواصل الذي يمتد من بدايات القرن العشرين حتى الآن من دون انقطاع أو قطيعة، وإنما مسيرة متناغمة ذات إيقاع عاكس لإيقاع الواقع ومتغيراته. ولأن المسيرة طويلة نسبياً، فأي محاولة للتأريخ لها لا بد من أن يشوبها بعض اختصار واختزال وربما انتقاء، فالهدف في النهاية ليس التأريخ بعينه، ولكنه العثور على أهم الملامح المشتركة والوقوف عند المنتجات الأهم، من أجل إعطاء صورة أقرب إلى الحقيقة عن تلك المسيرة.
وهنا يحاول الناقد عبدالله أبوراشد، رسم لوحة واقعية ذات أبعاد نقدية للحركة التشكيلية السورية المعاصرة، التي قسمها إلى ثلاث مراحل يرى أنها تمثيل صادق لثلاثة منحنيات خطرة في طريق هذه الحركة قائلاً:
مما لا شك فيه، أن الحركة الفنية التشكيلية السورية هي حركة فنية معاصرة شأنها في ذلك كمثيلاتها في العالم العربي. وهي من أكثر المنتجات الثقافية تفاعلاً، وتواجداً في مساحة العروض الفنية في سوريا وخارجها. والنشاط الكمي الأكثر تميزا وزخما وجوديا في كافة معابر التواصل البصري مع المبتكر وجمهوره ونقاده وصحفييه، ومروجي العمل الفني ومقتنيه، وان حركة المعارض الفنية الجماعية والفردية المليئة بالتجارب الفنية التشكيلية السورية، ذات النفحة المتفردة لخصوصية هذا الفنان وتلك الفنانة، تستحضر كافة الأجيال والمدارس والاتجاهات الفنية التقليدية، والتسجيلية والسياحية والفكرية الحداثية، ما بعد الحداثة (الشيئية) أو سواها. يمكن للمتلقي والباحث ونقاد الفن، ووسائط الإعلام المسموعة، المرئية، والمكتوبة، أن تلحظ الخط البياني التصاعدي لهذه الحركة الفنية التشكيلية النشطة كميا التي لها من العمر نحو سبعين عاما من العطاء المستمر القائم على التنوع والاختلاف المنهجي والمحتوى الموضوعي والأسلوبية الشكلية والمعالجة التقنية، لهذه التجرية الفنية أو تلك، إذ يمكن رصدها وتوثيقها منهجياً في ثلاث مراحل زمنية رئيسية.
المرحلة الأولى: منتجات فناني الرعيل الأول الذين تربوا وتدربوا على أنفسهم في منتجاتهم، وتجاربهم الفنية الابتكارية التي وجدت في فنون التقليد والمحاكاة، واستنساخ الأعمال الفنية في سياقها النمطي، والمؤسسة في بعضها على النزعات الفطرية (فن الناييف) شكلاً مألوفاً لآليات العمل الفني.
المرحلة الثانية: المنتجات التي توافقت مع الروح الأكاديمية المدرسية ذات النفحات الأيديولوجية المحمولة وفق توجهات المؤسسة الرسمية والحكومية النقابية كتعبير مطابق لثقافة السلطة السائدة.
المرحلة الثالثة: المنتجات المتساوقة مع روح العصر(ما بعد الحداثي)، المتوجهة إلى خصخصة الفنون التشكيلية لحساب الصورة البصرية، كجزء لا يتجزأ من حركية المجتمع الاستهلاكي.
في كل الأحوال، لأبد من القول إن الفن التشكيلي السوري يتسم بصفات وخصائص عديدة، إنه مفتوح على التجارب العالمية متدثر بأثواب الحرية التعبيرية المنفلتة من عقال اللمسة الأيديولوجية، وإن كانت هي الصفة التعبيرية الأكثر حضوراً في عموم التجارب والأجيال الفنية المتعاقبة. السبب كامن في جوهره بآليات الصراع العربي- الصهيوني، وما حمله هذا الصراع على مدار خمسين عاماً من المآسي والخلفيات، والأفكار الأيديولوجية المعمقة لتفاعلاته على المستويات الإنسانية الابتكارية في كافة منتجات العمل الفني، والتشكيلي على وجه الخصوص. تجارب فنية تشكيلية متنوعة، متجاوزة أحياناً للنزعات المدرسية الأكاديمية، أو جامعة لمجموع مدارس وتيارات فنية، وتقنيات حتى في التجربة الفنية الواحدة في بعض الأحيان.
تلبس المنتجات الفنية، والفنانون التشكيليون من داخل البيت الفني المدرسي الأكاديمي ومن خارجه، أثواب العصر الحديث، والحقبة العولمية، بينما نجد في الوقت ذاته تيارات وتجارب تقف راسخة البنيان والمقولات في الاتجاه المقابل، منحازة للذات الفنية في إيقاعاتها المحلية القومية، منتمية لجماليات المكان السوري وثقافته المعرفية والبصرية، وأبعاده التاريخية والحضارية، وهويته العربية القومية في زخمها الجمالي الإسلامي، تخوض معركة إثبات الذات المحلية والخصوصية التعبيرية، من خلال التغني بحرفية الأرابسك والاشتغال على مكونات وعناصر (التشكيل الحروفي) حينا، أو استحضار الفن السوري التراثي القديم وتقديمه في إطار وجبات لونية وخطية وفكرية غنية في الاستحضار المجازي (الفنتازيا) كعبث أسطوري لذاكرة بصرية ومفردات، ونص فني تشكيلي متنوع الخامات والتقنيات والمحتوى الموضوعي المرصوف على موائد الثقافة البصرية السورية حيناً آخر، لتشكل مثل تلك التجارب إسقاطاً لمفاهيم (أيديولوجيا) من نوع آخر. كمحاولة قومية عربية مشروعة للدفاع عن الهوية والبحث عن الذات الفنية والخصوصية المحلية في معابر التأليف التقني والشكلي في انساق عالمية الفن حداثة وتوحداً إنسانياً.
تعود بدايات الحركة الفنية التشكيلية السورية، كوجود زمني وصيرورة تطورية إلى النصف الأول من القرن العشرين، حيث كان للواقع السياسي الذي تعيشه المنطقة العربية عموماً وسوريا خصوصا، من انضواء تحت مظلة وسيادة الحقبة العثمانية التي ساهمت في تكريس الفنون العربية الإسلامية ذات الصبغة والأسلوبية العثمانية، لم تتجاوز المنتجات الفنية آنذاك إطار الفلسفة الإسلامية في أنماطها الجمالية كنوع من الحرف والمهن الفنية التطبيقية الضرورية والملبية لحاجات يومية محددة، المبتعدة بطبيعة الحال عن سياقات الفنون الجميلة (التشكيلية) في الغرب الأوروبي في إحالاته الفنية والمعرفية والجمالية والتقنية، كتلك الأعمال ذات البناء التقني والشكلي النحتي في كتل مليئة بالموضوعات الإنسانية (التشخيصية) أو الحفرية الترسيمية المتبعة في مختلف الدول والكيانات الثقافية وفي الفلسفات الأوروبية البينية، وإن مجموعة من المواهب الفنية السورية وجدت في الحقبة العثمانية مكاناً مناسباً لذاتها الابتكارية، من خلال التعامل الفني مع اللوحات التصويرية الزيتية التزيينية ذات الطبيعة الاستنساخية، المكرسة لشخوص القادة والأمراء الأتراك الذين عبروا على سورية، وتسجيل المواقف ألبصرية لمآثرهم في كافة المدن والمحافظات السورية من مساجد، وتكايا وقصور وأسواق ومزارات، ومعالم تاريخية حضارية، وجمالية تخلد ذكراهم، أو محاولة استلهام التاريخ واستحضار صور للخلفاء والفاتحين العرب والمسلمين، وتصوير المعالم الدينية الإسلامية، ومعاركهم الحاسمة في مفاصل التاريخ. وثمة نمط آخر من الفنانين التشكيليين السوريين الأوائل، الذين وجدوا في الحقبة الاستعمارية الأوروبية الغربية (الانتداب الفرنسي)، مجالاً متاحاً لصقل مواهبهم، ورعايتها، عبر ما تتيحه السياسة الاستعمارية من احتواء وأهداف توسعية، حيث وجد الاستعمار الأوروبي الفرنسي ضالته المنشودة في قنوات الثقافة عموماً والبصرية خصوصا. أولى محاولاته للدخول المريح من خلال معابر الفنون الجميلة (التشكيلية)، كسياق طبيعي (تطبيعي استعماري)، وعامل مهم في تشكيل ذاكرة بصرية سورية تتناغم وذاته الابتكارية، تدور في فلك مرجعياته الثقافية والبصرية التي تدين بالوجود والولاء للنزعات الفرنسية (الفرانكوفونية)، التي عملت جاهدة على تكوين ثقافة بصرية سوريا تابعة لفنونها الفرنسية الطابع والأسلوبية التقنية والمحتوى الموضوعي، وقد كانت اللمسة الأوروبية (الاستشراق)، المجال الحيوي العريض والمثير للدهشة والإبهار لدى الفنانين التشكيليين السوريين في تلك المرحلة الزمنية، مما يسر وسهل عمليات استمالتهم إلى بيانها الفني التشكيلي، والعمل الفاعل لاستقطاب وظيفي للعديد من المواهب الفنية السورية، لا سيما شرائح الشباب، وتبنيهم فنيا رعاية ودعما متنوع الموارد، وصقلا لمواهبهم عبر المنح التعليمية التي كانت تقدمها سلطة الانتداب الفرنسي آنذاك في هذا السياق، لقمد برزت مجموعة من الفنانين التشكيليين السوريين الذين درسوا في الغرب الاروبي عموماً وفرنسا خصوصاً (المدرسة الوطنية- بوزار باريس). وارتهن وجودهم الزمني والمكاني إلى إنتاجية فنية تميل نحو التقليد والتبعية والمهنة الحرفية أكثر منها للروح الابتكارية والأكاديمية. نذكر من هؤلاء الفنانين على سبيل المثال: توفيق طارق، ميشيل كرشة، محمود جلال، عبدالوهاب أبوالسعود، سعيد تحسين، صبحي شعيب، خالد معاذ، أنور علي أرناؤوط، وفتحي محمد.
لقد كان الفنان توفيق طارق الذي عاش ما بين 1875 و1940، من الأوائل الذين سخروا مواهبهم وخبراتهم الفنية التجريبية، وثقافاتهم المعرفية والبصرية للأجيال الفنية الناشئة التي تتلمذت على يديه في محترفه الفني بمدينة دمشق. شكل عاملاً مؤثراً في تعميم الأنماط الفنية التسجيلية ذات الصبغة المهنية الاحترافية المطابقة تأليفاً وبناء تكوينيا، وذات طبيعة مهنية أقرب إلى الحرفة والصناعة منها إلى الفن التشكيلي الأكاديمي التعليمي. بل اتخذ أسلوبية العين واليد الخبيرة في تصوير المناظر الطبيعية والمشاهد الخلوية واللوحات الشخصية للقادة والأمراء العرب المسلمين، والمعارك الفاصلة في التاريخ العربي الإسلامي، وتسجيل اللقطات البصرية الموثقة للمعالم الإسلامية من مساجد وأحياء دمشقية باعتبارها الشغل الشاغل، والمجال الحيوي لعموم رسومه ومنتجه الفني التشكيلي الذي رافقه طيلة حياته الفنية، ومن أبرز لوحاته (معركة حطين). أما الفنان (عبدا لوهاب أبوالسعود) الذي عاش ما بين 1897 و 1951، والذي كان متعدد المواهب الفنية التي توزعت ما بين المسرح والفن التشكيلي، والعمل التربوي الوظيفي كمدرس في مدرسة التجهيز الأولى بمدشق، فقد كان له اكبر الأثر في رعاية مجموعة من الفنانين والمواهب السوريا التي أمست تلك المدرسة موئلاً ومكاناً مميزاً لرعاية الموهوبين، ومركزا أساسياً في تفعيل الحضور الفني لحركتي الفن التشكيلي والمسرح في سوريا. كان مأخوذاً بالجماليات العربية الإسلامية، وبفنونها الزخرفية وعمارتها المتميزة التي رافقته في كل لوحاته ومنتجاته الفنية توثيقاً ولمسة تقنية ومواقف بصرية تسجيلية. من أشهر لوحاته (فتح الأندلس- قصرالحمراء).
بينما جسد الفنان (سعيد تحسين) الذي عاش ما بين 1904 و1985 النقلة النوعية في تاريخ الحركة الفنية التشكيلية السوريا، من الفن الفطري ذي النفحة المهنية الشعبية، إلى الصيغة الأكاديمية ذات الأبعاد المهنية الدراسية، مستفيداً من وجوده في بغداد (1924) كمدرس للفنون في دار المعلمين مما أتاح له تمثيل الروح القومية العربية التي كانت تجد لها فسحة واسعة في تلك الفترة، حيث كانت اللوحة التاريخية والشعبية والسياسية الاجتماعية التحررية هي عناوين بارزة في عموم لوحاته. من أهم أعماله (صلاح الدين الأيوبي، قصف المجلس النيابي).
أما الفنان (محمود جلال) الذي عاش ما بين 1911 و 1975. فيعتبر حجر الأساس في ولادة المنهج الأكاديمي في الفن التشكيلي السوري، من موقعه كتربوي وفنان منتج في وقت واحد، فقد سمحت له مواقعه الوظيفية في إطار السلك التربوي، خوض غمار البحث عن طرق ومنافذ أكاديمية لرعاية وصقل المواهب الفنية السورية من خلال البعثات التعليمية في دول الغرب الأوروبي ومصر العربية المتقدمة فنياً، فكانت جهوده المبذولة خطوة البداية لإيفاد عشرات الأسماء الفنية التي تبوأت مكانة مرموقة في الحركة الفنية التشكيلية في عموم الأراضي السوريا ومدينة دمشق وحلب على وجه الخصوص. لقد كان الفنان محمود جلال تربويا فاعلا ومصوراً ونحاتا مميزا أنتج العديد من الأعمال الفنية من أشهرها لوحاته التصويرية (صانعة القش).
بينما تفرد النحات (فتحي محمد) الذي عاش ما بين 1917 و 1958، والذي وجد نفسه وذاته الابتكارية في ميادين النحت في تقنياته المتنوعة الخدمات والقدرات لا سيما خامة (البرونز)، في أسلوبيته التعبيرية المتأثرة بالمدارس الإيطالية وبالفن ذي النسب المذهبية التقليدية، حيث أسس لوجود نحت سوري معاصر خارج المألوف الاجتماعي والنفحة الدينية التحريمية، مقدما مجموعة من التماثيل والنصب التذكارية التي ازدانت بها الساحات العامة المنتشرة في سورية، أبرزها تمثال الشهيد عدنان المالكي الموضوع في ساحة المالكي في حي أبي رمانة في دمشق.
بناء على ما تقدم، نجد أن المنح الدراسية الممنوحة لأصحاب المواهب السوريين. قد قدمت الفرصة المناسبة لترسيخ معارفهم وخبراتهم، وثقافتهم البصرية والتقنية، من خلال الاطلاع على تجارب الدول المتقدمة في هذا السياق، وهناك عشرات الفنانين الذين درسوا وتخرجوا من الأكاديميات الفنية في الدول الأوروبية الغربية مثل: فرنسا، بريطانيا، ألما نيا، وايطاليا، وفي مرحلة لاحقة في الدول الأوروبية الشرقية الاشتراكية مثل: روسيا، بولندا، روما نيا، بلغاريا وألمانيا الشرقية. وآخرون وجدوا في مصر العربية مجالا جيدا لمتابعة الدراسة الفنية الأكاديمية، بحيث أمسى هؤلاء الخريجون اللبنات الأساسية في بناء الحركة الفنية التشكيلية المعاصرة، كرعيل أول متشكل أساساً في سياق تجمعات فنية في باديء الأمر، مثل: (جمعية أصدقاء الفن)، أو من خلال محترفات الفنانين الميسورين أنفسهم، الذين وضعوا مشاغلهم ومراسمهم في خدمة الثقافة البصرية لأصحاب المواهب من شرائح الشباب.
لقد كان لولادة كلية الفنون الجميلة، بجامعة دمشق في ستينيات القرن العشرين أكبر الأثر في رعاية المواهب الفنية السوريا والعربية، وصقلها في الاتجاهات المدرسية الأكاديمية المرغوبة، وأمست كلية الفنون الجميلة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة الموئل الأساسي الرافد للحركة الفنية التشكيلية السوريا المعاصرة بالمواهب الفنية في سوق إنتاجية العمل الفني التشكيلي. إذ تخرج هذه الكلية في كل عام أفواجا من الدارسين في مجالات الدراسة الأكاديمية، الموزعة في خمسة فروع وأقسام رئيسية هي: التصوير بأنواعه، النحت بأنواعه، الحفر والطباعة اليدوية، الاتصالات البصرية، الإعلان، التصميم الداخلي والديكور. يشكل مجموع الدارسين في كل عقد زمني مرحلة من مراحل الأجيال الفنية الأكاديمية المتعاقبة. إضافة إلى مجموع المواهب الدارسة في المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة السوريا وفي كل المحافظات السوريا. ويمكن القول إنه كان هناك نحو أربعة أجيال فنية متعاقبة متنوعة الاختصاصات الفنية ما بين 1965 و1995، استطاعت قلة منهم متابعة رحلة الفن والحياة عبر الخامات والمواد الفنية المتنوعة ذات الصلة بميادين الدراسة الأكاديمية، وكثير منهم حققوا لذاتهم الفردية الابتكارية حضوراً ثقافياً وبصمة فنية مميزة لصيقة باسمهم كمثال يحتذى للعديد من الدارسين والفنانين التشكيليين السوريين والعرب.
ذاكرة الفن التشكيلي السوري البصرية
ننطلق من مقولة أن الفنون الجميلة (التشكيلية) هي اللغة البصرية الوحيدة التي تحقق التفاهم الإنساني، وتعمق أواصر الصداقة والتوافق والاحتواء والتفاعل النفعي الحضاري، والثقافي والجمالي ما بين الشعوب والأفراد، بعيدا عن تأويلات الكلام المكتوب حول النص الفني التشكيلي. وهي بذلك تشكل لغة عالمية فوق القوميات وحدود الجغرافيا الإقليمية للدول والأديان وأنماط الإيديولوجية المحلية والقومية. متجاوزة لكل المفاهيم الإيهامية بمحدودية الفن التشكيلي وقدرته على التواصل في صنح حضارة إنسانية شمولية متكاملة البصمات، وجامعة للهويات والخصوصيات، نرى أن الحركة الفنية التشكيلية السوريا لم تتبلور كوجود ثقافي وذاكرة بصرية مستقلة عن مرجعيات منتمية إلى ثقافة وبصريات الآخر في الضفة الاورويية الأخرى. وما زالت في طور التجريبية المبررة، والمفتوحة على التنوع والاختلاف المفاهيمي والشكلي والتقني، في إنتاجية كمية (نشاطية) تدعو إلى التفاؤل ومشروعية الطموح المستمر في إيصال المنتجات الفنية الفردية السورية وروداً طرية وندية في حديقة الفن التشكيلي العالمية، حاملة في منتجاتها المكونات الرئيسية في هذه الحركة من حيث المنتج الفني (الفنان)، والعمل الفني، وجمهور النخبة المتمثل بالمقتني والتاجر المروج والصحافي الإعلامي، والناقد الفني المتخصص، ووسائل الإعلام المتنوعة في مجملها تدور في فلك التفاعل مع الآخر الثقافي محاكاة وتقليدا، لا سيما الفن الأوروبية الغربي الذي تشكل منتجاته وتجاربه الفنية التشكيلية مركز الاستقطاب العالمي، كمرجعيات لا فكاك من الاقتداء بها في أي عملية ابتكارية، أو تجربة فردية معرفية أو بصرية ليس في سوريا وحسب، بل في عموم بقاع الكرة الأرضية، من هنا نعتقد أن الإشارة إلى مرجعيات وذاكرة الحركة الفنية التشكيلية السوريا المعرفية والأكاديمية البصرية ضرورة منطقية ومنهجية، يتحقق من خلالها عملية التكامل والشمولية الثقافية ما بين الشعوب والدول والهويات المحلية والقومية المجتمعة في بوتقة عالمية واحدة. يمكن تصنيف هذه التراكمات المعرفية البصرية المرجعية في أربعة مصادر رئيسية هي:
1 - الذاكرة البصرية الأوروبية الأكاديمية (نمط منتجات عصر النهضة الايطالية).
2- الذاكرة البصرية الاورويية الحديثة (الحداثة وما بعدها) (نمط منتجات أوروبا الغريبة والشرقية)..
3 - الذاكرة البصرية المصرية ذات المرجعيات الأوروبية والغربية والشرقية.
4 - الذاكرة البصرية الاستلهامية من وحي التراث المتحققة بحرفية الارابسك، أي التشكيل الحروفي. والحرف المهنية، والأوابد التاريخية الحضارية للممالك السوريا القديمة المغرقة في القدم والمحملة بمقولات أسطورية، وأخرى تسجيلية للاماكن الخلوية للطبيعة السورية المتنوعة.
هذه المرجعيات الأربعة التي تضم في خلفياتها الفكرية والبصرية، بحسب التوصيف الأوروبي الغربي كمجالات وميادين الفنون الجميلة (التشكيلية) الخمسة سالفة الذكر في سياقها التخصصي المعمول به أكاديمياً في كلية الفنون الجميلة والمعاهد الفنية السورية ذات الصلة، تدور في كل الأحوال بدوامة التفاعل البصري التجريبي، وفردية الفن ونخبويته في كافة المسارات التواصلية، والتي لاتنفصل بشكل أو بآخر عن النزعات المركزية الغربية الأوروبية.
مدارس وعلامات فنية مميزة في الفن التشكيلي السوري
الفنان التشكيلي السوري ابن تجربته الثقافية البصرية غير المحدودة في نمط قسري أكاديمي.. ومنتجاته الفنية التشكيلية أساسا قائمة على الحرية التأليفية في اختيار الموضوعات، وعناصر ومفردات ورموز التكوين، وتقنياته وبنائية العمل الفني في صورته التعبيرية النهائية واللصيقة بطبيعة الحال بالتفرد الأسلوبي والخصوصية التعبيرية والتقنية لكل تجربة فنية سورية .
فإن التنوع والاختلاف هما المجال الحيوي لكل ذلك النشاط الكمي في الحركة الفنية التشكيلية الذي لم يفرز حتى اللحظة فنا تشكيليا سوريا خالصاً بل تنهل عموم التجارب الفنية من بحر التنوع المدرسي والمعالجة التقنية، إذ نجد في المنتج الفني الواحد عموم المدارس والاتجاهات الفنية ذات استنسابية أوروبية غربية في سياق مستنسخ حيناً، ومنسوخ في كثير من الأحيان، موزعة ما بين الواقعية الكلاسيكية، مروراً بالتعبيرية، الواقعية، الرمزية، وحرفية الأرابسك، وصولا إلى التجريد، وفنون ما بعد الحداثة (الشيئية)، وان كانت غالبية الأعمال الفنية التشكيلية متراوحة في كثير من الأحيان ما بين المدارس ا لثلاث الأساسية (الواقعية التعبيرية، والتعبيرية الرمزية، التعبيرية التجريدية)، أي أنها تراوح في حدود المدرسة التعبيرية ذات الأنفاس الألمانية التي تجد لدى الفنان التشكيلي السوري راحة تأليفية، وانسجاماً نفسياً وانفعالياً واستحضاراً ملهما لذاته الفكرية والفلسفية والبصرية. متوافقا مع حقيقة الواقع العربي المعاش، وما يتعرض له الوطن العربي عموما والسوري من تحديات داخلية وخارجية لا سيما مسالة الصراع العربي- الصهيوني، واندماج الفنان التشكيلي السوري مع أحداثه وتفاعلاته وطنيا وقومياً وإنسانياً.
ثمة علامات فنية تشكيلية سوريا فردية حفرت لذاتها الابتكارية الإبداعية بصمات عميقة في مساحة الفن التشكيلي السوري والعربي والعالمي، والمدربة فنياً وتقنياً وفق التربية الفنية الأكاديمية الغربية الاورويية، ففي مجال التصوير برع الفنان (فاتح المدرس)، في تكريس ذاته الفنية كحالة ثقافية سوريا مشهودة، وجعلته ذاته الابتكارية المتنوعة الاهتمامات يلعب دوراً رئيسياً في ثقافة العديد من الأجيال الفنية السوريا، وأمسى مرجعية لهم في أعمالهم على الرغم من مرجعياته الأوروبية الغربية.
أما في مجال النحت فقد تفرد الفنان النحات سعيد مخلوف، بذاته الابتكارية، وتفرده الأسلوبي والتقني، وخروجه الملحوظ عن مرجعيات الذاكرة البصرية الأكاديمية والأوروبية الغربية في آن واحد، مقدماً تجاربه البحثية في اكتشاف قدرات الخامات البيئية السوريا على التطويع والعطاء الفني المثير للتفاعل والبصريات الحافلة بكل أسرار وجماليات المكان السوري في حديثه وقديمه عبر توليفاته التقنية والشكلية على خامات الخشب المتنوع والصلصال والزجاج والعظام وسواها، مستنبطا خصوصية سورية خالصة في هذا الاتجاه الابتكاري الإبداعي. وشكل ذاكرة بصرية للعديد من النحاتين السوريين، في تعبيريته الفطرية المحملة بهموم الإنسان أولاً وأخيراً.
أما في مجال فنون الحفر(الغرافيك) فقد بقي هذا الفن أوروبياً خالصاً على الرغم من وجود ملامح جمالية وتقنية حافلة في المواقف البصرية التاريخية العربية المغرقة بالقدم مثل الأختام الاسطوانية والمسكوكات والألواح الطينية المكرسة لأبجديات التاريخ الإنساني. حاول الفنان علي سليم الخالد، من خلال تقنيته المفضلة الحفر الحجري (الليتوغراف)، أن يستحضر رموزه من البيئات السورية المتعددة لا سيما أوابد مدينة تدمر في توليفة تقنية ومحتوى موضوعي يحدد تجربته النشطة، وليشكل من أسلوبيته ملاذاً بصرياً لبعض الحفارين في الوسط الفني التشكيلي السوري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.