عدن : وزارة حقوق الإنسان تحتفل باليوم العالمي لحقوق الإنسان    عدن : رئيس المجلس الانتقالي يلتقي مدير العلاقات العامة للحزام الأمني بابين    نجلة بن «بريك» تعلن استقالتها من المجلس«الإنتقالي» وتكشف عن الأسباب    تفاصيل تنشر لي اول مرة كشف معلومات غاية في الخطورة ..اللحظات الأخيرة قُبيل مقتل عبدالعزيز الفغم ..هذا ما حدث    مستشار بن زايد عن المصالحه مع قطر: نصف مصالحة أحسن "من لا مصالحة"    صلاح يسجل هدفًا عالميًا ويقود ليفربول للتأهل إلى دور ال16 بدوري أبطال أوروبا    بث مباشر ...برشلونة والانتر ميلان وتشيلسي وليل الفرنسي ودورتموند وسلافيا براغ    عدن : المفوضية للتنمية والحقوق تحتفي باليوم العالمي لحقوق الإنسان 2019    محافظ أبين يناقش صيانة الطرقات بالمحافظة ويوقع اتفاقية تنفيذ مشروع إعادة تأهيل جسور أرضية    ينطلق الأربعاء .. مونديال كأس العالم للأندية بمشاركة ثلاثة دول عربية    بالاسم... مقتل قيادي حوثي بارز وأربعة من مرافقيه في تعز    انطلاق حملة التحصين ضد الدفتيريا في مديرية زنجبار    النواب يستمع إلى إيضاح من رؤساء الأجهزة الأمنية    قوى العدوان تواصل خرق اتفاق الحديدة وقصف المناطق الحدودية بصعدة    زيدان يتحدث عن بروج البلجيكي في دوري ابطال اوروبا    التطبيع المكتبي لا يكفي.. فاخرج وأفرض، أو عد إلى أدراجك..!    رئيس الوزراء يتوعد الفاسدين ويشكل لجنة لرصد التجاوزات    مؤسسة استجابة تختتم تدريب 20 أمراه نازحة بمأرب في مجالي الكوافير وصناعة البخور    طالب بالعمل على أرض الواقع.. محافظ أبين يلتقي بالهيئة الأدارية لنادي حسان    تحذيرات من تفشي سوء التغذية.. هل يفقد اليمن جيلا بأكمله؟!    عزيزة جلال تعود للغناء بعد غياب 30 عاماً    لتغلق الأجواء على الجميع    الجريمة رقم 13 خلال عشرة أيام.. اغتيال شاب عشريني في عدن    الحزام الأمني بعدن : حملة منع الدراجات الناريه مستمرة في عدن    احتجاجات امام قصر المعاشيق بعدن    حملة تصفية لمعارضي خط إيران في العراق يقودها الحرس الثوري    وسط تنظيم فعاليات رافضة لها.. لجنة التحقيق باغتيال الحمادي تصل مقر اللواء مميز    سولسكاير يشبه راشفورد بالنجم البرتغالي كرستيانو رونالدو    بيضاوي يتفوق على سلام لودر في بطولة الشهيد جلال عبودة    البيان الختامي للقمة الخليجية يؤكد على ضرورة حل الأزمة في اليمن وفق المرجعيات    السعودية وإيران... البون الشاسع    صندوق رعاية وتأهيل المعاقين يدشن خدمة الجمهور ويخصص رقم مجاني لإستقبال الشكاوي.    عمل على مدى أربعة أيام متواصلة.. إعمار اليمن ينجح في فتح طريق المطار بمحافظة سقطرى    الجيش الليبي يعلن تدمير أسلحة قطرية وتركية في طرابلس    منظمة رعاية الأطفال الدولية تسلم 60 صنفا من الآدوية للعلاج والوقاية من حمى الضنك بالحديدة    قرقاش: معالجة الأزمة الخليجية تبدأ بمراجعة السياسات الخاطئة لقطر    تحديث سعر صرف الريال أمام الدولار والسعودي مساء الثلاثاء    أبين.. تدشن حملة التحصين ضد مرض الدفتيريا(الخناق)    مدير صيرة يتفقد أعمال الصيانة بمحطة الخساف الكهربائية    هل يكون سان سيرو السبب لتأهل الانتر وسقوط العملاق الكتلوني المتأهل سلفا في دوري الابطال ؟    حملة توعية بيئية وغرس شتلات زراعية في مدارس الجوف    مهلن .. ولاكن.. إلى متا ؟    إصلاح البيضاء ينعي وفاة الشيخ علي القاسمي ويعتبر رحيله خسارة كبيرة    اليمن تشارك في الملتقى الثاني للثقافات بالقاهرة    احمد الميسري جمل دوسري… !    ضبط متسولة بعدن استغفلت المارة وتحايلت عليهم بهذه الخدعة (صورة)    دراسة بريطانية المضادات الحيوية خطر يؤدي للوفاة    الرئيس علي ناصر هل يرد الجميل لمن أنقذ حياته من جمل هائج كاد إن يقضي على حياته ؟    حمى الضنك تفتك بسكان الحديدة    فصل الفنان أحمد فتحي المستشار الثقافي من قائمة الديبلوماسيين في سفارة القاهرة.    مندوب اليمن يثمن جهود الامم المتحدة في مساعدة الشعب اليمن    بعض النساء بألف ذكر .. قيادي مؤتمري يهاجم نجل الرئيس "صالح " بمدحه إبنة الشهيد صدام حسين.    وفاة المخرج المصري سمير سيف بأزمة قلبية مفاجئة    تعز: مكتب الصحة بجبل حبشي يدشن دورة تدريبية في "رش المبيدات" لمكافحة الأوبئة المنتشرة    محامية سعودية تخرس المزايدين وتفجر معلومات مذهلة عن المرأة ومصادرها المالية    سميره ودياثة مرتزقة العدوان السعودي    مقتطفات واقعية    صنائع المعروف تقي مصارع السوء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سيد مكاوي.. الملك العربي الكفيف في تاريخ الموسيقى والغناء
نشر في 14 أكتوبر يوم 19 - 06 - 2012

لاأذكر وأنا أقرأ في تاريخ العرب القديم والمعاصر، إني قرأت، فيما قرأت، عن ملك أو عن سلطان عربي كفيف، فجميعهم كانت لهم عيون، عينان في الوجه، ومئات العيون من الحرس والمخبرين، لكن أبا العلاء المعري كان كفيفاً وكان طه حسين كفيفاً، والبردوني كان كفيفاً وغيرهم، ذهب الملوك والسلاطين وبقي هؤلاء العباقرة، ملء السمع وملء الوجدان بإسهاماتهم الإبداعية الكبيرة في إعادة تشكيله تشكيلاً راقياً بكل ما لهذا التشكيل الراقي على الوجدان من اثر تنويري على الفكر والعقل والنظرة الجمعية الثاقبة لقضايا المجتمع ومشكلاته و همومه ومعوقات تطوره ودفعه لتجاوزها.
"وسيد مكاوي" آخر ملوك وسلاطين العرب في الموسيقى والغناء ومن بقي إلى اليوم عدد قليل من الأمراء ربما لن ينجح أحدهم في الجلوس على العرش لأن سيد مكاوي امتداد لحقبة فنية ختامية نجت من المؤثرات الصوتية الوافدة والنظريات الموسيقية المهاجرة إلينا من الغرب، كما يحدث اليوم لموسيقانا العربية (الشرقية) من تغريب يفقدها مذاقها الأصيل النابع من ثراء مكونات البيئة الفنية والاجتماعية على الملحن والمطرب والعازف معاً، فأغنية اليوم ولا أقصد هنا الأغنية الهابطة وأغنية الفيديو كليب والأغنية التي خدعونا بأنها الأغنية الشبابية، ولا أقصد الأغاني التي تنسب للأغنية الشعبية دون وجه حق، وكل الأغاني التي تخلق بيوم وليلة لمن يدعون أنهم ملحنون ومطربون وشعراء فكلها ليست أغاني لا الأمس ولا اليوم ولا غداً لأنها ماتت وستموت ولكني أقصد بأغنية اليوم الأغنية الجميلة لملحنين أمراء وشعراء رائعين ومطربين هم أفضل ما لدينا اليوم من مطربين، أغنية اليوم هذه لا يكتب لها الخلود في الوجدان العربي ولا في الذاكرة الجمعية للجمهور، وتذهب كل محاولات عمار الشريعي على سبيل المثال تذهب سدى رغم حرصه الكبير ومعايشته لجيل الملوك والسلاطين لبناء لحنه للأغنية بناء فنياً متماسكاً على جمال الروح الشعبية في الحان جيل الملوك، واستحضاره للجملة اللحنية العذبة والرشيقة والمقروءة كما في ألحانهم لأنهم كانوا يأخذونها كما فعل سيد مكاوي من أفواه الناس البسطاء في الشارع، والمترفين في الأحياء الراقية، كما هو الحال مع محمد عبد الوهاب، يأخذونها من نغمة مناداة الناس بعضهم لبعض، وتبادل التهاني فيما بينهم وعباراتهم المؤثرة في تبادل التعازي، من صوت العربجي وبائع الفجل والعرق سوس والدردورما، من صوت المؤذن في حي شعبي، وترتيل راهب في كنيسة عتيقة، من نبض الخشية والإكبار في صوت مقرئ، وأيضاً في حشرجات مغنية فاشلة في شارع محمد علي، وفي فن شجار (العوالم) في شارع عماد الدين، وصوت رشة الماء من فم المكوجي كل ذلك وأكثر منه، ينبض في صوت محمد عبدالمطلب شعر بديع خيري وبيرم وأحمد رامي وفي الألحان العظيمة لسيد درويش وزكريا والقصبجي والسنباطي المتصوف، وفي ألحان محمد فوزي ومحمود الشريف والطويل والموجي وبليغ وآخر هؤلاء الملوك من مصر سيد مكاوي ومن اليمن في لحان أحمد قاسم وبامدهف ومحمد سعد وسبيت والعطروش والمرشدي واسكندر ثابت وغيرهم.
أغنية اليوم تكاد تفتقد لهذه الروح الشعبية في أشعارها وألحانها وأصوات مطربيها وهي بعد ذلك غارقة في التغريب في بنائها الفني، كالغرق في التوزيع الموسيقي الذي أضر بذلك التلاؤم التلقائي النابع من حفظ العازف للحن بإحساسه الأصيل وإحساسه المرهف بنغمات الوتر، فالمسألة عنده "نوتة" يقرؤها ليعزف، وليست إحساساً بما يعزف، كما أن الآلات الموسيقية الكهربائية والالكترونية المستخدمة اليوم ليس فيها نكهة العزف الأصيل "للتخت الشرقي" الذي فيه العازفون في بوتقة الإحساس المشترك للجملة اللحنية بكل ما فيها من شحنات وجدانية يتذوقها العازف أولاً ويشعر بها وهو يحفظها ثم يعزفها ولذلك لم تكن أم كلثوم تسمح لأعضاء فرقتها الموسيقية باستخدام ( النوته) ففازت أغانيها بالخلود.
وسيد مكاوي آخر ملوك وسلاطين الموسيقى والغناء في العالم العربي كان أستاذه الأول هو زكريا أحمد فأخذ عنه أهمية اختيار النص الغنائي الخالي من التعقيد والألفاظ غير المتداولة، وأخذ عنه أهمية بساطة الجملة اللحنية وثرائها وعمق وأصالة الروح الشعبية الحلوة في البناء اللحني للأغنية، ولا شك أن سيد مكاوي استفاد من مدارس تلحينية أخرى أهمها سيد درويش والقصبجي والسنباطي ومحمد عبدالوهاب لكنه آثر زكريا أحمد، نفي حين كان سيد درويش يؤسس قواعد المسرح المصري الذي أنهار سريعاً وللأغنية الشعبية للفئات الاجتماعية المختلفة في الريف والمدينة،وفي حين كان القصبجي يتمرد على القوالب المألوفة في التلحين وكان السنباطي يكثر من الفلسفة والتصوف في ألحانه ولكن باقتدار وإجادة عبقرية، وكان عبد الوهاب (يتغرب) ليبدو أكثر حداثة ومعاصرة كان سيد مكاوي ينهل من كل الينابيع الموسيقية المتدفقة والعذبة الرقراقة معاً لكنه ظل ينهل أكثر من الينبوع الصافي اللذيذ والمعطر برشات لامعة من الروح الشعبية الأصيلة وخفقات أسلوب أستاذه الإيقاعي المعبر عن الحركة النشيطة للمدينة بميادينها وأسواقها الحديثة المحاطة بأصداء خفة دم وروح الأحياء الشعبية.
وماميزملوك وسلاطين النغم أن الواحد منهم وعلى الرغم من تأثره بأستاذه وارتشافه من ينابيع فنه وعبقريته إلا أن كل واحد منهم كان حريصاً على التفرد ليصبح أستاذاً له بصمة خالدة، وعطاء متميز بملامح فنية خاصة وهذا ما فعله سيد مكاوي، فأصبح التلميذ الكفيف أستاذاً لمن يعقبه في الأجيال التالية ولم يعقبه أحد ليظل إلى اليوم آخر الملوك والسلاطين والتجديد الذي ادخله سيد مكاوي كان تجديداً في توزيع الحانه، وليس تجديداً في الحانه الشرقية الأصيلة، فلم يغرق في (تغريب) النظريات الموسيقية الأكاديمية الجامدة الناخرة في الموهبة الكبيرة والتلقائية النابضة بالسحر والحياة، وهذا ما فعله الموجي وبليغ والطويل، كلهم حافظوا على الموهبة الكبيرة القادرة على ترجمة مشاعر الجماهير، كل الجماهير، فرغم إدخالهم للتوزيع الموسيقي والآلات الغربية والأجهزة الموسيقية الكهربائية، إلا أنهم حافظوا على الحضور المكثف للموهبة الحقيقية في التلحين، ولذلك ظلت ألحانهم زاخرة بالجمل اللحنية ذات الروح الوجدانية المعبرة عن أفراح الناس وآلامهم بصدق وتلقائية، وهي جمل لحنية مقروءة ولذلك يستطيع الإنسان العادي حتى صاحب الصوت المخنوق والخشن أن يترنم بها ويغنيها وهو يمارس حياته اليومية، في حين غرق أصحاب أغنية اليوم في التأليف الموسيقي أكثر من التلحين ليبدو أكثر حداثة، وليس كل ما يأتي من الغرب حداثياً ويصلح للشرق وللعرب، المهم أن يتم توظيفه بقدر، وليس تقليده، بما ينفع الموسيقى والغناء العربي وليس إغراقهما في (التغريب) والتقليد، ومحاولة أن يبدو الإعرابي حضرياً فيخلع عباءته ويلبس البنطلون، ولان سيد مكاوي لم يفعل ذلك، فقد ظل عربياً إلى لحنه الأخير، وليس أعرابياً.
وكل من يرغب في التعرف على المنهج الكامل لسيد مكاوي في التلحين والغناء، فليستمع للعمل الفني العظيم الذي قام بتلحينه من شعر صلاح جاهين، وهو أوبريت (الليلة الكبيرة) الذي صور فيه جاهين مولداً دينياً وشعبياً كبيراً يقيمه أهل مصر سنوياً للشهيد العظيم الإمام الحسين بن علي (رضي الله عنه)، وكان جاهين شاعراً عبقرياً في وصف تفاصيل هذه (الليلة الكبيرة) بمفردات اللهجة المصرية العامية بكل ما فيها من خفة دم وقدرة على التصوير وكان تلحين سيد مكاوي لهذا العمل الضخم الخاص بالعرائس المتحركة، تلحيناً عبقرياً، فلا توجد جملة لحنية غريبة عن روح الشعب المصري، وبعد أن يضحك جاهين في قلب المولد، يأتي سيد مكاوي ليجعلك تفرح وتغني وترقص أمام (الأراجوز) و بائع (الحمص) والمغني الشعبي، وتشرب فنجانك في (القهوة)، ثم تشتري لابنك (الطرطور)، فلا تكاد تعرف أيهما كان عبقرياً، جاهين أم مكاوي، لكنك بعد الانتهاء من الاستماع ستجد أن النشوة لا تزال تملأ قلبك وأنت تغني مقاطع حفظتها من هذا الأوبريت العظيم.
أما صوت سيد مكاوي، فهو منهج متكامل في الغناء، صوته يختزن فرحة وحباً وشقاوة وقوة ورقة وفخامة وحزناً وسعادة، وفي صوته خفة دم أبن البلد ساكن المدينة، ورائحة الطمي، وانسياب ماء نهر النيل على الضفتين، ورضا الإنسان البسيط برزقه، وفرحة العاشق بلقاء المعشوق، وفي صوته تصوير للنهوض السريع للمتعثر، والطموح الكبير لمعانقة الفرحة القادمة داخل قلب وحنايا كل من يحب الحياة في ساعة الشقاء وفي ساعة الفرح، صوت فيه خمرة حلال وطعم البن والعسل والروح المصرية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.