في واقع الأمم والشعوب، تلعب النخب دورًا محوريًا يتجاوز حدود الوظيفة أو التخصص، فهي العقول التي يُفترض بها أن تقود الوعي وتوجه الرأي العام، وتكون صلة الوصل بين تطلعات الجماهير وصناعة القرار، بل وتساهم في بناء المشروع الحضاري والسياسي والثقافي لأي أمة، النخب هي تلك الفئات التي تمتلك المعرفة والتأثير والإمكانات الفكرية والإعلامية والثقافية التي تجعل منها صانعة للتوجهات، ومؤطرة للرؤية العامة، وقادرة على التعبئة والتوجيه في اللحظات الفارقة، لكن هذه الوظيفة لا تُؤدى بشكل ميكانيكي، بل تحتاج إلى وعي والتزام وموقف واضح من القضايا المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تمثل البوصلة الأخلاقية والسياسية لوعي الشعوب العربية والإسلامية. تأثير النخب على واقع الشعوب لا يتحقق إلا حين ترتبط بهموم الناس وقضاياهم، وتكون في صفهم لا في صف السلطان أو العدو، حين تكون النخبة صادقة مع شعبها، فإنها تُسهم في رفع وعيه، وتفكيك خطاب التضليل، ومواجهة الاستلاب، وتشكيل مناعة جماعية ضد التزوير والخنوع، من يملك المنبر، أو الكلمة، أو الفكرة، أو المنصة الإعلامية أو الثقافية، يستطيع إن أراد أن يغيّر مزاج أمة بأكملها، وخطورة هذا الدور تكمن في أنه قد يُستخدم في الاتجاه المعاكس، أي في إنتاج الانهزام، وتجميل العدو، وتخدير الشعوب، والتهوين من القضايا الكبرى، وهذا بالضبط ما سعت الولاياتالمتحدة والغرب عمومًا، والكيان الصهيوني خصوصًا، إلى ترسيخه عبر صناعة نخب عربية تتماهى مع روايتهم، وتعمل على اختراق الوعي العربي من الداخل، باسم "الحداثة" تارة، أو "العقلانية" تارة أخرى، أو "التطبيع" كضرورة حتمية في عالم المصالح. لقد تبنت أمريكا مشروع صناعة نخب عربية تتماشى مع رؤيتها للمنطقة، ودعمت برامج تدريب وتبادل ثقافي وأكاديمي، ليس هدفها فقط التبادل المعرفي، بل إنتاج طبقة من المثقفين والباحثين والإعلاميين والسياسيين الذين يتشربون قيم الليبرالية الغربية، ويعاد تدويرهم في المؤسسات المحلية كصناع رأي ومحللين ومفكرين، برامج مثل "الزائر الدولي" في الولاياتالمتحدة، ومراكز أبحاث ممولة غربيًا، ووسائل إعلام ممولة من السفارات، كلها أدوات لصناعة نخبة جديدة تقطع الصلة مع القضية الفلسطينية، وتروّج للرؤية الإسرائيلية كواقع لا مفر منه، وتشيطن حركات المقاومة، وتدفع باتجاه تحويل الكيان الصهيوني من عدو إلى شريك، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، شخصيات إعلامية وفكرية في دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، أصبحت اليوم أبواقًا للتطبيع، ومهاجمة كل صوت مقاوم. ولا يخفى أن الأنظمة العربية نفسها قد مارست دورًا خطيرًا في صناعة نخب على مقاس السلطة، بحيث تتحول هذه النخب إلى أدوات شرعنة للفساد، ومؤسسات إنتاج خطاب رسمي، يتزيّا بثوب العلم والثقافة، يتم منح الجوائز والبرامج والمناصب والإمكانات للنخب المطيعة، في حين يتم تهميش أو مطاردة النخب الحرة والمستقلة، وقد رأينا كيف تتحول بعض الجامعات الرسمية والمراكز البحثية إلى منصات لخدمة السياسات الحكومية، بدل أن تكون فضاءً للبحث الحر والنقد الجريء، هذا الوضع أنتج نخبًا عاجزة عن التأثير الحقيقي، ومفصولة عن واقع الجماهير، إلا من رحم ربي. وسط هذا المشهد المأزوم، تبرز مسؤولية النخب الصادقة تجاه القضية الفلسطينية كمقياس حقيقي لمدى صدقيتها وارتباطها بالوعي الجمعي للأمة، إن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل قضية عدل وكرامة وحرية وهوية، تمثل جوهر الصراع في المنطقة، والنخب التي تتجاهلها أو تساير العدو، تكون قد فقدت شرعيتها الأخلاقية، أما النخب الحرة، فهي التي تفضح الرواية الصهيونية، وتكشف جرائم الاحتلال، وتفكك خطاب التطبيع، وتُبقي شعلة الوعي حيّة، وتربط بين معركة فلسطين ومعارك التحرر في كل مكان. وقد رأينا نماذج مشرقة في هذا الاتجاه، مثل الأكاديميين والمثقفين والكتاب الذين وقفوا ضد اتفاقيات التطبيع رغم التهديدات والتضييق، مثل المفكرين من الجزائر والعراق واليمن ولبنان الذين حافظوا على صوتهم الوطني والقومي الحر، وارتبطوا بالمقاومة لا بالسلطة. ومن بين هذه النماذج الفارقة، يبرز الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، كنموذج حي لما يمكن أن تصنعه النخبة الواعية الملتزمة، فهو لم يكن مجرد قائد ديني أو سياسي، بل كان مشروع وعي كامل، أسّس خطابًا مقاومًا شموليًا، يبدأ من الداخل الثقافي والتربوي والديني، وينتهي بموقف سياسي وميداني شجاع ضد الاستكبار العالمي والهيمنة الصهيونية الأمريكية، لقد قدّم الشهيد القائد رؤية تحليلية متقدمة لطبيعة العدو، وفكك أدواته، وفضح دوره في صناعة العملاء، وربط بين القيم الدينية والسياسية والاجتماعية، لتكون المقاومة مشروعًا وجوديًا للأمة، لا مجرد ردة فعل، وقد أثبتت تجربته أن النخبة إن آمنت بقضيتها، وارتبطت بجذور الأمة، تستطيع أن تحرك شعبًا، وتغير واقعًا، وتبني مشروعًا يتحدى أعتا القوى العالمية، وما نشهده اليوم من صمود يمني، وتفاعل شعبي مع قضايا الأمة، خاصة في فلسطين، هو امتداد لتلك المدرسة الواعية التي أسسها الشهيد القائد رضوان الله عليه. وفي الختام، فإن معركة الوعي هي معركة النخب في المقام الأول، وإذا كانت الأنظمة تصنع نخبًا تابعة، فإن الشعوب قادرة على احتضان النخب الحرة، وصناعة بدائل تعيد الاعتبار للقضايا الكبرى وفي مقدمتها فلسطين، المطلوب اليوم هو استعادة المبادرة من قبل النخب المخلصة، وكسر طوق التبعية والانهزام، والانحياز للموقف الأخلاقي والتاريخي الذي يصنع التغيير، فكما أن نخبة واحدة خائنة قد تبرر للعدو جريمته، فإن نخبة واحدة صادقة قد تُشعل أمة بأكملها وتعيد صياغة الواقع من جديد.