إنَّ المتأمل في كل ما يتفوه به الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من خطاب لا يتوقع أن يكون هذا الرجل الذي حفلت ولايته الرئاسية الأولى بالكثير من القرارات والتصرفات والعبارات المتهورة ودشنت ولايته الرئاسية الثانية بقرارات ذات مضامين تستعدي الشرق والغرب أن يكون داعية سلام، إذ لا يمكن أن يكون -بالنظر إلى تكون نفسيته من مزيجٍ من الاستعلاء والغضب- إلَّا بوق حرب. خطته للسلام محاولة لفرض الاستسلام باستثناء النقطة المتعلقة بعملية تبادل الأسرى وانسحاب القوات الصهيونية جزئيًّا من «قطاع غزة» والسماح بدخول الضروري من المساعدات، فإنَّ النقاط الأخرى التي اشتملتها التوليفة الصهيوأمريكية التي أطلق عليها «خطة ترامب الشاملة للسلام» تنطوي على وضع فصائل المقاومة الفلسطينية -بشكلٍ عام- أمام خيار الاستسلام التام وغير المشرف، فالنقطة المتعلقة -على سبيل المثال- بتطهير «قطاع غزة» من «التطرف» و«الإرهاب» تعني -من منظور «نتنياهو» و«ترامب»- طرد قادة وعناصر فصائل المقاومة بالإضافة إلى إجلاء حواضنها المتوجهة توجهاتها الإسلامية والملتزمة بمبادئها القويمة بصورة عامة والتي تمثل -إلى حدِّ الآن- غالبية السكان، فلا يبقى في القطاع سوى الأقلية السكانية المدجَّنة والمتواطئة والمتآمرة مع «سلطات الكيان»، فيصبح «قطاع غزة» الخالي من معظم سكانه الحريصين على إعادة إنشاء ما تهدَّم من بنيانه فرصة استثمارية ممتازة يعمل مجلس الوصاية الذي سيخضع -إن كتب له التشكُّل- لهيمنة شخصيات غربية على تجهيزه لإقامة «الرييفيرا» التخيلية التي ستشبع بعض المطامع الاستغلالية «النتنياترامبية». أما النقطة المتعلقة بضرورة استبعاد فصائل المقاومة الفلسطينية من المشاركة في لعب دورٍ مستقبلي في إدارة «القطاع» والمتعلقة بالعمل بإلحاح على تجريدها ممَّا تمتلكه من «سلاح»، فتعني -بوضوح تام- تجريد نسبة كبيرة من سكان «القطاع» الفلسطيني من حقوق المواطنة التي تمنح المواطن -عادةً- حقَّ المشاركة في إدارة شؤون أمته، كما يعني الشق الآخر من تلك النقطة والمتعلق ب«نزع سلاح المقاومة» تقليم آخر ما يمتلكه الشعب الفلسطيني المحاصر من مخالب وأظافر يتصدى بها لما يشنه «كيان العدو» على «القطاع» من هجمات بين وقت وآخر، حتى لا يعود يفكر بالظفر بالحدِّ الأدنى من الاستقلال أو التحرر من هيمنة «السلطات الصهيوإسرائيلية» الاحتلالية المجرمة التي لا ترقب (فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ). وهذه النقاط وسواها من النقاط الشديدة الاختلاط التعقيد يمكن أن تعود باتفاق وقف إطلاق النار إلى حالة من التأزم الشديد، فلا تلبث الحرب أن تستأنف من جديد. مفاخراته الزائدة بإمداد الكيان بوسائل الإبادة ومع أنَّ «ترامب» دعي -على سبيل الترف- ضيف شرف على ما أطلق عليها «قمة شرم الشيخ للسلام» التي انعقدت في ال13 من أكتوبر، فقد استبق اعتلاء ذلك المنبر باعتلاء منبر آخر هو منبر «الكنيست الإسرائيلي» معطيًا حضور جلسة «الكنيست» أولويةً نسبية على حضور «قمة شرم الشيخ» التي انتظرت مقدمه إليها زعامات عربية وإسلامية وأوروبية، بالإضافة إلى أنه حرص على تشريف قبة «الكنيست الإسرائيلي» بإلقاء خطاب جذاب أشاد في مستهله بما تتميز به «الدولة العبرية» على محيطها العربي والإسلامي من تطورٍ وتحضرٍ وتمدن وأبدى في فقراته الأولى من التماهي مع أعضاء «الكنيست» وبالذات أصحاب الموقف المرتهن ل«حكومة التطرف المزمن» ما يعكس شدة إيغاله في التصهيُن، متباهيًا بإخضاعه أهم الأنظمة العربية والإسلامية -من خلال منطق القوة- لخطة سلام على مقاس «دولة الكيان» يجذر وجودها في المنطقة العربية التي يسهم في إعادة رسم ملامحها على أساس من التخطيط والتهديد اللذين يسهلان إذابتها -بكل تأكيد- في ما يبشر به «نتنياهو» من «شرق أوسط جديد»، وذلك ما يمكن أن يُفهم -بوضوحٍ جلي- من استهلال الخبر الصحفي المختصر المعنون [ترامب مخاطبًا الإسرائيليين من الكنيست: «أحسنتم استخدام أسلحتنا»] الذي نشر في شبكة «سرمد» الإعلامية يوم الإثنين الموافق 13 أكتوبر الاستهلال التالي: (قال الرئيس الأميركي «دونالد ترامب»؛ في خطاب أمام الكنيست الإسرائيلي -اليوم الإثنين قبيل توجّهه إلى شرم الشيخ لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وبحث مستقبل القطاع-: «سنطبّق السلام من خلال القوة، ولدينا أسلحة لم يحلم بها أحد، وآمل ألا نضطر لاستخدامها»، مضيفاً: «وقد قدَّمنا كثيرًا من هذه الأسلحة النوعية لإسرائيل»). ثم لم يلبث أن أشار في ختام خطابه -وبنبرةٍ يفوح منها نتن الافتخار- إلى ما قدمته بلاده ل«دولة الكيان» من أسلحة نوعية فتاكة ألحقت بواسطتها ما ألحِق ب«قطاع غزة» -على مدى سنتين متواصلتين- من القتل والدمار، وقد أشير إلى ذلك في سياق تقرير «نايف زيداني» التحليلي المعنون [ترامب في خطاب أمام الكنيست: إسرائيل أحسنت استخدام الأسلحة الأميركية] الذي نشر بالتزامن في «العربي الجديد» بما يلي: (وأشار «ترامب» إلى أنَّ واشنطن زوّدت إسرائيل بالأسلحة الأمريكية الفتاكة لتتمتع بالقوة الكافية لإرغام الخصوم على السلام، قائلًا: "كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصل بي ويطالب بشتى أنواع الأسلحة الأمريكية، فيُمنحها، وقد أحسنت إسرائيل استخدامها").