من المعروف في سياق الأحداث الكبرى والتحوّلات المصيرية، أن بعض المحطات لا تأتي عابرة ولا هامشية، بل تتجلى فيها حقائق تتجاوز اللحظة وتبقى ممتدة في ذاكرة الوعي الجمعي. وهكذا بدت العملية الأمنية الأخيرة التي نفذتها وزارة الداخلية، وزفّتها لشعبنا اليمني العزيز، عملية اتسق فيها التخطيط مع التنفيذ، واجتمع فيها الإدراك الأمني مع شعور عميق بالمسؤولية تجاه هذا الشعب، لتعكس في مجملها روحًا منسجمة مع خط السير العام الذي عبّدته ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر بثباتها ومبدئيتها وصدق شعاراتها. لقد جاءت عملية {وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ} لتؤكد أن المنظومة الأمنية — حين تُسنَد إلى رؤية واعية وإرادة جادة — قادرة على أن تُحدِث الفارق، وأن تبني واقعًا مختلفًا يليق بالشعب الذي صمد وضحّى ووقف مع قيادته في أحلك الظروف. لهذا لم تكن العملية مجرد ضبطٍ أو إجراء، بل كانت شاهدة على تراكم من البناء والتأهيل والانضباط، وعلى حضور مؤسسي أخذ مكانه الطبيعي في حماية الأمن العام وتعزيز الاستقرار وترسيخ هيبة الدولة. وما يجدر الإشارة إليه أن الوزارة، وهي تنفّذ هذه العملية النوعية، أعادت التذكير بأن العمل الأمني ليس فعلًا تقنيًا فحسب، بل جزءًا من بناء شامل تمضي فيه الدولة بثقة؛ بناء يتسع للجانب التنظيمي والإداري والميداني، ويعكس رؤية وطنية لا تنفصل عن الخط الذي رسمه قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي — ذلك الخط الذي شدّد في أكثر من خطاب على أن الأمن ليس مرفقًا ثانويًا، بل ركناً لا يقوم المجتمع بدونه، وأنه لا بد أن يكون أمنًا قائمًا على المسؤولية الإيمانية والأخلاقية، يحفظ للناس حقوقهم ويصون كرامتهم. ومن ينظر إلى تفاصيل الإنجاز الأخير يدرك أن ما تحقق ليس وليد اللحظة، بل ثمرة لمنهجية واضحة في إعادة هيكلة الأداء وإحكام الرقابة ورفع الجاهزية وتعزيز روح الانتماء لدى العاملين في الميدان. ولم يكن غريبًا أن يلمس المواطن أثر ذلك أداءً وسلوكًا، وأن تتسع مساحة الثقة بين المجتمع ومؤسساته الأمنية، بعد أعوام أثبتت فيها الأجهزة المختصة قدرتها على مواجهة التحديات والحد من الجرائم والتعامل مع القضايا بحزم ومسؤولية. إن ما قامت به الجهات المعنية في الوزارة — بقياداتها وضباطها وأفرادها — يستحق أن يُسجَّل كعنوان مضيء في مسار العمل الأمني، لا سيما وأن هذه العملية جاءت في ظرف دقيق، وأثبتت مرة أخرى أن الدولة ماضية في خيار حماية أمن الناس واستقرارهم بلا تهاون، وأن أي تهديد للسلم الاجتماعي سيُواجَه بما تفرضه الواجبات والأنظمة، وبما ينسجم مع قيم الثورة ومبادئها، ومع ما ينسجم أيضًا مع المعتقدات والمبادئ والروحية الإيمانية والجهادية التي بُنيت بها وعليها الأجهزة الأمنية بكل كوادرها، وأن روح المسؤولية والإخلاص والعمل لله وللشعب والقيادة — لا تزال حاضرة تترجم نفسها في كل إنجاز يُسهم في تعزيز حضور الأجهزة الأمنية وتثبيت دعائمها. وبذلك يصبح من الطبيعي أن تُذكر هذه العملية ضمن ما يُكتب في سجل النجاحات الأمنية المتتابعة، وأن تُعد مثالًا لما يمكن أن يتحقق حين تجتمع القيادة الواعية مع الجهود المخلصة، وحين يصبح الأمن مشروعًا وطنيًا يتشارك في صناعته الجميع. وما دامت الإرادة قائمة، وما دام الالتفاف الشعبي حاضرًا، فإن البناء سيستمر، وستبقى الإنجازات سلسلة متصلة تُعبّر عن واقع يتقدم بثبات نحو الأفضل. ولقد أتى توقيت الكشف عن الخلية في مرحلةٍ ظن فيها العدو أن شعبنا وقياداته يعيشون حالة انكسار وهزيمة بعد فقدانهم لعدد من وزراء الحكومة وشخصيات قيادية كان فقدانهم من نكبات الأمة؛ فخابت ظنونهم وتلقّوا صفعة مدوية متعددة الأبعاد أكدت لهم المؤكد وثبّتت معادلة واضحة وهي أن شعبنا لا يقبل القسمة على اثنين، فهو دومًا بكل حالاته سيبقى منتصرًا لأنه يقاتل ويدافع ويضحي في سبيل الله، ومع الله، وانتصارًا لقضية عادلة. ومن دلالات عملية ﴿ومكر أولئك هو يبور﴾ أن الأجهزة الأمنية وصلت إلى درجة كبيرة من القوة والقدرة واليقظة العالية والتقدم الاستخباراتي الذي يضاهي أجهزة استخبارات دول الاستكبار العالمي التي اعتقدت أنه لا شيء يُعلى على حواجبها المعقودة على أمتنا من الأعين الأخرى! وهذه الدلالة ليست من قبيل المبالغة أو المديح المحمود؛ وإنما حقيقة تُقال مقابل ما شاهدناه واستمعنا إليه في اعترافات أفراد الخلية. فالأساليب والوسائل التي استخدموها في التجسس والتعقب والرفع بإحداثيات المواقع، وطرق التمويه والتستر التي تم اتباعها بهدف التخفي عن الأعين الشعبية والأمنية، لم تكن بسيطة لولا مشيئة الله التي أجّلت موعد ظهورهم وانكشافهم لوقت كان بمثابة البلسم على جرح شعب مكلوم. وهناك دلالة مهمة يجب لفت الانتباه إليها، وهي ليست بجديدة؛ فقد تحدّث عنها العلم القائد — يحفظه الله ويرعاه — وهي حتمية استمرارية الصراع مع العدو الصهيوني والأمريكي ومن يدور في فلكهم؛ وما انقضى ومضى من الصراع هو مجرد جولة واحدة فقط. فتوقف ضربات نيرانهم وغاراتهم لا يعني بالمطلق انقشاع ظلاميتهم وبروز سلامهم المكذوب؛ فما خُفي كان أعظم. وبقدر ما ظهر لنا من بشاعة جواسيسهم وانسلاخ إنسانيتهم وبيعهم لدينهم؛ فإنهم يُعدّون نموذجًا مصغّرًا جدًا مما عليه أسيادهم. والعبرة أن الحرب الأمنية أخطر بكثير من الحرب العسكرية؛ يشتغلون من تحت منصات الصواريخ بما ينخر في كبد شعبنا ويترك أثرًا أسوأ بكثير مما تنتجه غاراتهم. من جانب آخر، أظهرت هذه العملية حجم الحقد الذي تحمله قوى الشر العالمي نحو الشعب اليمني وقيادته إزاء موقفه المشرّف تجاه قضيته الأولى والمركزية: القضية الفلسطينية، والدور الكبير والبارز الذي قام به في معركة طوفان الأقصى. وكان اليمن ضمن محور المقاومة، يبذل ويقاوم ويضحي ويستبسل في إسناد غزة هاشم كما لو كانت قلب صنعاء المقدسة النابض بالحياة والجهاد والكرامة التي لا تقبل الضيم والهوان .. عاشت الأعين الأمنية الساهرة، والأعين الشعبية اليقِظة التي تحمي وتبني، ليبقى اليمن حرًا عزيزًا مستقلًا.