مرّ عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله والكيان الصهيوني، وهي الحرب التي خاضها مجاهدو الحزب والمقاومة الإسلامية في لبنان إسنادًا ونصرةً لغزة في معركة أولي البأس. نجد أن حزب الله يرتكز على حاضنته الاجتماعية في بقعة من الأرض لا تتجاوز 3000 كيلومتر مربع، أي ما يعادل تقريبًا مساحة مديرية أو مديريتين من مديريات طوق صنعاء. أما المنطقة التي كان يقاتل عليها، من الحدود اللبنانيةالجنوبية مع فلسطين حتى جنوب نهر الليطاني، فلا تتجاوز مساحتها 1800 كيلومتر مربع. وفي هذه المساحة الصغيرة يعمل 24 جهاز مخابرات لأقوى دول العالم، إلى جانب تعاون استخباري واسع من معظم أجهزة مخابرات العالم. وفوق ذلك، كان عملاء الداخل اللبناني أشد خطرًا من المستوطن اليهودي في شمال فلسطين. كما أن الدولة اللبنانية مرتهنة اقتصاديًا للسعودية وأمريكا، كون لبنان دولة فقيرة تعتمد على مساعداتهما المالية. وزاد الأمر تعقيدًا بعد سقوط سوريا، التي كانت الممر الكبير لنقل الإمكانيات العسكرية وغيرها من إيران إلى جنوبلبنان، ليصبح الدواعش على بُعد كيلومترات من قرى حاضنة حزب الله. وفوق كل ذلك، صُبّت أموال الخليج كلها في حرب استخبارية واقتصادية وسياسية وإعلامية ضد حزب الله، وغيرها من أدوات الحرب. وكانت نتيجة كل ما سبق حدوث خرق أمني للحزب لم يكن متصورًا بهذا الحجم، ترتب عليه استهداف مخازن الأسلحة، وضرب قيادات حزب الله في عملية "البيجر"، واغتيال عدد من قياداته، وعلى رأسهم شهيد الإسلام والإنسانية، إضافة إلى قادة الوحدات الميدانية الفرعية. وفوق ذلك كله، كانت أمريكا والغرب يقدمان الدعم اللوجستي والعسكري الكامل للكيان الصهيوني. كل ما ذُكر لو صُبّ على دولة كبرى كأمريكا أو روسيا لكان كفيلًا بخرابها، فقد تم تفكيك الاتحاد السوفيتي العظيم بأقل مما سُلِّط على حزب الله، وتم إسقاط نظام صدام ونظام الأسد بأقل بكثير مما رُصد لإنهاء الحزب، كما أُنهِي تنظيم الإخوان المسلمين في الدول العربية، رغم تنظيمه الحديدي، بأقل كثيرًا مما وُجّه من عداء لحزب الله. وبرغم كل ذلك، لم يستطع مئة ألف جندي إسرائيلي، مع امتلاكهم السيطرة الجوية الكاملة، دخول قرية واحدة في جنوبلبنان. نحن نعلم أن الجيش الصهيوني يُعد من أقوى جيوش العالم جوًا، بل وفي مختلف أنواع القوات، ولذلك استطاع فرض سيطرته الجوية وتدمير قرى الجنوب والبنية التحتية، لما يمتلكه من فائض ناري هائل لا يمكن مقارنته بدول عربية، فضلًا عن حزب الله. ومع ذلك، وخلال 66 يومًا من القتال، لم يتقدم نصف كيلومتر داخل الأراضي اللبنانية. وهذا يعني أن الحزب أقوى مما نتصور، وأنه يمتلك عقيدة قتالية قرآنية راقية، وأن ألطاف الله ظهرت جلية في حمايته. ثم جاء وقف إطلاق النار، والكيان الصهيوني – كما هو معهود – استغل ظرف الحزب مع الدولة اللبنانية، واستغل سقوط سوريا، بينما مارس الحزب الصبر الاستراتيجي. وأنا أشبّه صبره بصبر الإمام علي عليه السلام بعد استشهاد رسول الله ؛ فلم يكن صبره عن ضعف، بل كان حفاظًا على الدين كله، وحين وُجد الناصر، كتب التاريخ أعظم معاركه في الجمل وصفين. أنا متأكد أن المعركة القادمة والمواجهة بين الحزب والكيان الصهيوني قريبة لا محالة، وستكون نتائجها وجودية للطرفين كقوى مهيبة في المنطقة، ولا أقصد بذلك زوال أحد الطرفين، بل إعادة رسم معادلات القوة والردع.