بقلم العميد القاضي د حسن حسين الرصابي/ لا يمكن لمنصفٍ يقرأ الأحداث الجيوسياسية المعاصرة أن يغفل عن الدور التدميري الذي تلعبه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، والتي تمثل "الذراع الغليظة" للسياسة الخارجية الاستعمارية. إن ما حدث مؤخراً في فنزويلا من عملية اختطاف سافرة للرئيس "نيقولاس مادورو" وزوجته ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة من "عربدة الاستخبارات" التي تتجاوز كل القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية لكسر إرادة الشعوب الحرة. أولاً: فنزويلاواليمن.. وحدة المصير في مواجهة القرصنة لقد كانت فنزويلا، بصمودها أمام الحصار، شوكة في حلق المشروع الأمريكي. وبعد فشل "عملية جيدي" (Gideon) عام 2020، طورت الدوائر الاستخباراتية أساليبها لتصل إلى حد الاختطاف المباشر لرئيس دولة ذات سيادة. هذا السيناريو الفنزويلي هو ذاته الذي يُطبخ لليمن، مع اختلاف الأدوات: * الاختطاف السياسي والأمني: كما تم تغييب القيادة الفنزويلية جسدياً، تحاول الخلايا التجسسية في اليمن (التي كُشف عنها مؤخراً) تعطيل مراكز القرار وشلّ حركة الدولة عبر محاولات الاغتيال المعنوي والجسدي. * الحرب الاقتصادية الشاملة: إن "تجويع الشعوب" الذي مارسته واشنطن ضد كاراكاس هو النسخة الكربونية لما يحدث في اليمن عبر نقل البنك المركزي من العاصمة واستهداف العملة الوطنية، وهو ما أشرنا إليه في كتابنا "الرسالة الوطنية: مضامينها واتجاهاتها وموجباتها" كأحد أخطر أسلحة الانهيار المعنوي وتفكيك الجبهة الداخلية. ثانياً: "الشرق الأوسط الجديد" والأجندة الصهيونية إن التزامن بين تحركات ال CIA في أمريكا اللاتينية وتصعيد الموساد في منطقتنا يثبت أنهما وجهان لعملة واحدة. إن ما نعيشه اليوم هو التنفيذ الحرفي لما حذرنا منه تفصيلاً في كتابنا "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"؛ حيث يتم العمل على: * هندسة الانقلابات: عبر تحويل الدول السيادية إلى ساحات للصراع الداخلي المستدام. * التكامل الاستخباري: حيث توفر ال CIA الصور الفضائية والدعم اللوجستي، بينما يتولى الموساد تنفيذ العمليات القذرة واستهداف رموز محور المقاومة، لضمان بقاء الكيان الصهيوني هو القوة المهيمنة وحيداً في المنطقة. ثالثاً: الحرب النفسية وسلاح "الخلايا النائمة" إن الخلايا التجسسية التي يتم ضبطها في صنعاء ليست مجرد شبكات لجمع المعلومات، بل هي أدوات في "حرب نفسية" متكاملة تهدف لصناعة "الفوضى الخلاقة". هؤلاء هم المهندسون الحقيقيون لتفكيك النسيج المجتمعي عبر إثارة النعرات الطائفية والمناطقية؛ إذ إن حماية الأمة تبدأ أساساً من حماية وعيها من التضليل الاستخباري الممنهج. رابعاً: اليقظة الأمنية كضرورة وجودية إن نجاح القوات الأمريكية في اختطاف رئيس دولة بعيدة يضعنا أمام مسؤولية تاريخية؛ فالعدو لا يؤمن بالحلول السياسية بل بلغة "الاختطاف والفرض القسري". لذا، فإن الوعي الشعبي واليقظة الأمنية هما الصخرة التي ستتحطم عليها مؤامرات ال CIA والموساد في باب المندب وصنعاء. الخلاصة: ستظل "الرسالة الوطنية" هي الدرع الحصين في وجه "الأجندة الصهيونية". وإن ما حدث في كاراكاس يجب أن يكون درساً لكل الأحرار بأن المعركة اليوم هي معركة "وجود ووعي"، وسيستمر قلمنا وفكرنا في كشف هذه المخططات مهما بلغت التضحيات، انتصاراً لسيادة اليمن وكرامة أمتنا.