اكدت مجلة فورين بوليسي ان النزاع السعودي الاماراتي يتجاوز نطاق اليمن وقد يجبر الدول في جميع انحاء المنطقة على اتخاذ موقف باعتباره يؤثر في عدة دول في المنطقة. ونشرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تصاعد الخلافات والتوترات بين السعودية والإمارات، معتبراً أنّه لم يعد مجرد خلاف داخلي، بل أصبح صراع نفوذ إقليمياً يتقاطع مع "إسرائيل" والولاياتالمتحدة، ويؤثر في اليمن وليبيا والسودان والبحر الأحمر، مع مخاطر إشعال حروب إقليمية أوسع. أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية: تصاعدت حدة التوترات المتصاعدة منذ فترة طويلة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة بشكلٍ مفاجئ خلال الأسبوع الماضي. بدأت الأزمة المباشرة الشهر الماضي، عندما توغلت القوات المدعومة من الإمارات في اليمن من معقلها في عدن، وسيطرت على عدة مناطق غنية بالنفط كانت تحت سيطرة السعودية، من دون مقاومة تُذكر. وفي منتصف كانون الثاني/ديسمبر، شنّت السعودية هجوماً مضاداً عنيفاً أجبر الإمارات ليس فقط على الانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، بل وربما من اليمن بأكمله. لم يكن الصدام مجرد مناوشات محلية، بل شنّت وسائل إعلام سعودية وإماراتية حروباً دعائية شرسة. أعاد خطاب الاتهامات المتبادل بين الحليفين القديمين إلى الأذهان أسوأ ما كانا يقولانه عن قطر خلال الحصار المشترك الذي فرضاه عليها بين عامي 2017 و2021. المخاطر هذه المرة لا تقلّ خطورة، فالمواجهة تتجاوز اليمن، وتتجاوز مجرد خلاف عادي بين حلفاء الخليج. إنّ التحرك السعودي ضد الإمارات لا يُمثّل مجرد محاولة لكبح جماح مغامرات الإمارات، بل هو أيضاً محاولة لموازنة "إسرائيل" التي تزداد تهوراً وتهديداً. وقد تجلّت بوضوح خطوط التحالف الإقليمي المحتملة من خلال الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية السعودي إلى القاهرة، حيث أكّد المسؤولون المصريون دعمهم الكامل لموقف الرياض من ليبيا والسودان بعد أكثر من عقد من التقارب الوثيق والاعتماد الاقتصادي على الإمارات. يمثل ذلك تحولاً جذرياً في النظام الإقليمي، وهو تحول يضع المنطقة على مفترق طرق في لحظة تعاني فيها إيران موجة أخرى من الاحتجاجات الداخلية، وفي الوقت الذي لا يزال دور الولاياتالمتحدة غير واضح. بدأت تظهر بوادر انقسام في التحالف السعودي الإماراتي؛ ففي السودان، دعمت السعودية ومصر الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، بينما تصدت الإمارات لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو. وفي ليبيا، دعمت الإمارات ومصر مسعى الجنرال خليفة حفتر، لكنه غرق في حرب أهلية لا نهاية لها. وفي اليمن، بينما فشلت السعودية في إزاحة الحوثيين واكتفت باهتمام متقطع، سيطرت الإمارات بهدوء على سلسلة من الموانئ (بما فيها عدن وجزيرة سقطرى) دعماً لاستراتيجية بحرية أوسع في البحر الأحمر. أحدث توقيع الإمارات العربية المتحدة على اتفاقيات أبراهام تحولاً جذرياً في العلاقات السعودية الإماراتية، وإن استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تتجلى الخلافات بشكل كامل. وعلى عكس جميع جهود "السلام" السابقة، فصلت اتفاقيات التطبيع بشكل واضح عن القضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، أنهت الإمارات والسعودية بهدوء الحصار المفروض على قطر، وتصالحتا مع تركيا، وسعتا إلى التقارب مع إيران، وعملتا عموماً على تخفيف حدة الصراعات الإقليمية. انهار كل ذلك مع هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي تلته. وقد حفّز تدمير "إسرائيل" لغزة الرأي العام العربي، وغير حسابات السعودية بشأن التطبيع. حافظت الإمارات على علاقاتها مع "إسرائيل"، آملةً إثبات صحة استراتيجيتها القائمة على التحالف الوثيق مع "إسرائيل" وواشنطن. أما السعودية، التي تواجه بيئة داخلية أكثر تعقيداً، وتطمح إلى قيادة إقليمية، فقد عادت إلى موقفها التقليدي المتمثل في ربط التطبيع مع "إسرائيل" بمسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. وكان من المفهوم أنّ الرياض لم تكن تنوي قط الانضمام إلى أي مبادرة تقودها أبو ظبي. تفاقمت هذه التوترات الكامنة بفعل عدد من العوامل المتداخلة، فقد أثار التصعيد العسكري الإسرائيلي الحاد في المنطقة قلق السعوديين. وكانت الرياض قلقة بشأن التداعيات المحتملة للهجوم على إيران، وعارضت بشدة التدخل الإسرائيلي في سوريا، وصُدمت بقصفها اجتماع حماس في الدوحة. كان ضعف إيران خبراً ساراً، لكنه لم يكن كافياً لتبديد مخاوف السعودية من "إسرائيل" غير المقيدة التي تشن ضربات عسكرية كيفما تشاء في جميع أنحاء المنطقة، وتواصل تدميرها لغزة، وتصعيدها في الضفة الغربية، وسعيها العلني للهيمنة على الشرق الأوسط. في هذا السياق، بدت الإمارات العربية المتحدة جزءاً أساسياً من مشروع إقليمي تقوده "إسرائيل" وينطوي على تهديد كبير. إنّ ترسيخ الانقسام بين السعودية والتحالف الإماراتي الإسرائيلي سيجبر جميع دول المنطقة على الانحياز إلى أحد الطرفين، وهو أمرٌ عادةً ما تفضل الدول الصغيرة تجنبه. ويبدو أنّ معظم دول الخليج الأخرى تتجه نحو موقف السعودية. وقد يؤدي هذا التنافس إلى إشعال حروب أهلية، كما حدث قبل عقد من الزمن. وتقوم قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات بتصعيد فظائعها في السودان، بينما قد يكسر الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر الوضع الراهن الهشّ في ليبيا قريباً. وتشير التقارير إلى أنّ الإمارات تدعم مساعي الانفصال الجنوبي في اليمن، إضافة إلى دعمها للتحركات الانفصالية للدروز في سوريا، الأمر الذي يقوّض بشدة الجهود التي تبذلها السعودية وقطر لتحقيق الاستقرار في النظام الجديد بعد سقوط الأسد. لا يقتصر هذا المشروع على الشرق الأوسط فحسب، بل يجب فهم القرن الأفريقي والبحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من التنافس الإماراتي السعودي. ويمكن أن يُسهم اعتراف "إسرائيل" الأخير بصومالي لاند، إلى جانب سيطرة الإمارات على عدن، في ترسيخ موقع مهيمن على مضيق باب المندب والوصول إلى البحر الأحمر وقناة السويس. إنّ الحرب الأهلية الوحشية في السودان ليست حرباً عبثية، كما يظن بعض الأميركيين في حيرة من أمرهم، بل إنّ نتائجها ستكون لها تداعيات خطيرة على مصر وإثيوبيا وليبيا ومنطقة شرق أفريقيا بأكملها. كما تمتد قائمة الشركاء المحتملين إلى الهند، المتعاطفة مع "إسرائيل"، وباكستان، التي وقّعت مؤخراً شراكة استراتيجية مع الرياض. لا يزال موقف واشنطن غامضاً بشكلٍ مثير للقلق، فقد فُسِّر الهجوم المُحير على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو في المنطقة على أنهما انتكاسة أخرى لإيران، وخارطة طريق محتملة لمحاولة تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية، وتبذل "إسرائيل" جهوداً حثيثة لتحقيق ذلك. ويرى بعض المتشددين أنّ خطط الإمارات العربية المتحدة وسيلة فعّالة للضغط، ليس فقط على إيران، بل أيضاً على الصين، من خلال بسط سيطرتها على الملاحة في البحر الأحمر، لكن السعودية تتمتع بعلاقات وثيقة مع البيت الأبيض. وقد اختتم محمد بن سلمان زيارة ناجحة مؤخراً. قد تكتفي إدارة ترامب المشتتة وغير الفعالة بمراقبة التحول الإقليمي الجاري من بعيد، لكن من السهل جداً أن نرى الإدارة تُقدم على مقامرة متهورة تُسرِّع الصراعات الإقليمية وتدفع النظام الجديد في اتجاهات غير متوقعة.