قال موقع "ميدل إيست آي" البريطاني إن الضربة العسكرية السعودية الأخيرة في المكلا ضد قوات المجلس الانتقالي المدعومة من الإمارات في اليمن لم تكن مجرّد حادث تكتيكي عابر، بل شكّلت محطة مفصلية تعكس دخول المنطقة مرحلة جديدة تتهاوى فيها فكرة التحالفات التقليدية. وأكد الموقع في تقريره أن الرسالة الموجّهة إلى أبوظبي، قد تجاوزت البعد العسكري لتطال البنية السياسية-الأمنية التي حكمت سلوكها الإقليمي خلال العقد الماضي. إذ بات واضحًا أن مرحلة اللعب على الهوامش، وبناء النفوذ عبر الوكلاء المحليين والميليشيات العابرة للحدود، لم تعد منخفضة التكلفة، بل أصبحت خيارًا محفوفًا بمخاطر قد تنقلب على أصحابها. وبالنسبة للإمارات، كشفت الضربة عن هشاشة استراتيجية. فأبوظبي لم تؤسس نفوذها على عمق ديمغرافي أو ثقل تاريخي وسياسي، ولا تمتلك إرثًا رمزيًا يشبه بما تتمتع به عواصم إقليمية كبرى مثل مكة والمدينة والقاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول. وذكر الموقع أن الفراغ البنيوي يقيّد قدرة أبوظبي على ترسيخ نفوذ طويل الأمد، مهما بلغت مواردها المالية. فبدلًا من بناء نفوذ سيادي تقليدي، اعتمدت على نموذج السيطرة غير المباشرة عبر الموانئ والجزر والممرات البحرية وشركات الأمن الخاصة. وأضاف أن البحر الأحمر يبرز بوصفه أكثر من مجرد ممر ملاحي، إذ بات ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي والدولي. فإسرائيل لا تسعى إلى السيطرة عليه عبر الاحتلال المباشر، بل إلى تفريغه من أي سيادة عربية فاعلة، وتحويله إلى ما يشبه" بحر التردّد"، تُدار معادلاته عبر قواعد غير مباشرة، وكيانات هشّة، واتفاقيات أمنية مع دول تبحث عن الحماية أكثر مما تبحث عن الفاعلية. وفي هذا السياق، لم يكن اعتراف إسرائيل الأخير بأرض الصومال خطوة رمزية أو دبلوماسية، بل تحركًا محسوبًا يستهدف إعادة رسم المشهد في البحر الأحمر. ترسيخ موطئ قدم في القرن الأفريقي يعني مراقبة مضيق باب المندب، والسيطرة عليه تتيح خنق الخليج أو حمايته، والضغط على مصر أو تحييدها. ورأى الموقع أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالدبابات، بل عبر التوافقات الدولية، وسلاسل الإمداد، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت عناوين الاستثمار أو مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل، التي لا تستهدف إسقاط الدول العربية دفعة واحدة، بل تفكيك قدرتها السيادية وتحويلها إلى كيانات وظيفية أو مساحات أزمات دائمة. في هذا الإطار، تبرز الإمارات بوصفها كيانًا وظيفيًا يربط هذه الساحات بالتحالف مع إسرائيل، ويؤمّن التحكم في الممرات الاستراتيجية، فيما تتعرض القوى العربية التقليدية، وفي مقدمتها مصر والجزائر وسوريا، لضغوط متصاعدة لإعادة ضبط سياساتها أو القبول بقواعد اللعبة الإقليمية الجديدة. وخلال المرحلة المقبلة، من المرجّح أن يستمر التصعيد العسكري في اليمن، مع احتمال تحوّله إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر، ويدفع مصر إلى انخراط أعمق في حماية الممرات الحيوية وقناة السويس.