قال وزير الأوقاف الأسبق القاضي أحمد عطية "إن الحوثيين أرادو إعادة تعريف مصدر الشرعية، من الإرادة الشعبية إلى ما يسمى بالحق الإلهي في الحكم، وهو تحول خطير ينسف أساس الدولة الحديثة". وأعتبر في -حوار مع "الصحوة نت"- إن ما يجري في اليمن مع الحوثيين ليس خلافًا سياسيًا تقليديًا، بل هو انقلاب مكتمل الأركان على فكرة الدولة ذاتها لافتا إلى "أولوية استعادة الدولة".
ورأى عضو الفريق القانوني للمجلس الرئاسي، أن ميلشيات الحوثي من خلال المراكز الصيفية تسعى لإعادة تشكيل وعي الشباب والنشئ برؤية مغلقة وقال "هذا يمثل خطرًا استراتيجيًا بعيد المدى".
ويشير القاضي "عطية" أن معركة اليمن الحقيقية لا تتوقف عند إنهاء سيطرة الحوثيين، فقط وانما تمتد إلى استعادة الإنسان وبناء الدولة على أسس العدل والمواطنة.
الى الحوار..
بعيدًا عن الجدل المذهبي، كيف تصفون حقيقة المشروع الذي انقلب على الدولة؟ ما يجري في اليمن مع الحوثيين ليس خلافًا سياسيًا تقليديًا، بل هو انقلاب مكتمل الأركان على فكرة الدولة ذاتها. لم يكن الهدف الحوثيين في 21 سبتمبر 2024 مجرد السيطرة على السلطة، بل إعادة تعريف مصدر الشرعية، من الإرادة الشعبية إلى ما يسمى بالحق الإلهي في الحكم، وهو تحول خطير ينسف أساس الدولة الحديثة.
وهل ما يزال هناك مجال للحوار؟ الحوار هو في الأصل وسيلة لاستعادة الدولة، وليس وسيلة لإضفاء شرعية على الانقلاب. وبالتالي، فإن أي عملية سياسية لا تنطلق من مبدأ استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، تظل مجرد إدارة للأزمة، لا حلًا لها.
- كيف تنظرون إلى ما يجري في المراكز الصيفية الحوثية؟ ما يجري في المراكز الصيفية الحوثية يتجاوز نطاق التعليم إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي الجمعي للأجيال القادمة وفق رؤية أحادية مغلقة. وهذا يمثل خطرًا استراتيجيًا بعيد المدى، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الأمم ليس الأرض، بل الإنسان الذي يحمل وعيها وهويتها.
نحن أمام معركة وعي في مواجهة الحوثيين، وإذا لم يتم تقديم مشروع وطني تربوي جامع، فإن آثار هذه المراكز الحوثية ستتجاوز الحاضر إلى المستقبل.
إذا كنا أمام معركة وعي كما وصفتم، فما هو الحل الواقعي اليوم لمواجهة ما يجري في المراكز الصيفية؟ ومن الجهة القادرة فعليًا على قيادة هذا الحل؟
بداية الحل لهذه المعضلة الفكرية التي تسعى لتغيير فكر الشباب اليمني، انهاء سيطرة ميلشيات الحوثي وانقلابها، ومع استعادة مؤسسات الدولة للقيام بدورها سينتهي كل شيء، وهذا أسرع حل. لكن مرحليا هو قيام العلماء والدعاة وحملة الأقلام ورجال الاعلام بدورهم في تحصين النشىء من هذا الفكر الملوث بالمذهبية والعنصرية، التي تروج له الجماعة الحوثية.
- اليمن عُرف بتاريخه في التعايش، فهل تعتقدون أن الهوية اليمنية مهددة فعلًا؟
الهوية اليمنية ليست بناءً هشًا يمكن اقتلاعه بسهولة، بل هي نتاج قرون من التراكم الحضاري، غير أن ما يجري يمثل محاولة لإحلال هوية طائفية ضيقة محل الهوية الوطنية الجامعة. ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الهويات الوطنية الراسخة قادرة على تجاوز مثل هذه التحديات، شريطة أن يتم العمل على تحصين المجتمع بالتعليم، وبالخطاب الوسطي، وبترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية..
- إلى أي مدى تم استغلال الدين في هذا الصراع؟ الدين في جوهره رسالة عدل ورحمة، وما جرى من قبل الحوثيين هو توظيف سياسي للدين بهدف إضفاء شرعية على مشروع سلطوي، وهذا يمثل انحرافًا عن مقاصد الشريعة التي جاءت لتحقيق العدل وصيانة كرامة الإنسان. استعادة قدسية الدين تتطلب إعادة الفصل بين رسالته الأخلاقية، وبين توظيفه كأداة للصراع السياسي..
- ماذا يعني تحويل وزارة الأوقاف من قبل الحوثيين في صنعاء إلى "هيئة"؟ هذا التحول يثير تساؤلات قانونية وشرعية جدية، لأنه قد يمثل محاولة للتحلل من منظومة الرقابة المؤسسية. والأوقاف في جوهرها أموال موقوفة لله تعالى، لا يجوز التصرف فيها إلا وفق شروط الواقفين. وأي مساس بهذه الأصول من قبل الحوثيين يمثل مساسًا بذمة شرعية وقانونية واجبة الاحترام.
- كيف تصفون نقل ملكية بعض أراضي الأوقاف؟ إن ما أقدم عليه الحوثيين في هذا المجال يمثل اعتداءً مركبًا، شرعًا وقانونًا، لأن الوقف مال محبوس لا يجوز تملكه. كما أنه يمثل خطرًا على مفهوم العدالة الاجتماعية، لأن الأوقاف أنشئت أصلًا لخدمة المجتمع، لا لخدمة أفراد بعينهم..
- كيف يمكن حماية الأوقاف مستقبلًا؟ الحل يكمن في بناء منظومة حماية مؤسسية، تقوم على التوثيق الشامل، والرقابة القضائية المستقلة، وإنشاء سجل وطني محمي قانونيًا، لأن حماية الأوقاف ليست مجرد قضية إدارية، بل هي قضية تتعلق بحماية إرادة الواقفين وحقوق الأجيال القادمة..
- كيف تنظرون إلى فتوى "المجهود الحربي"؟ الأصل الشرعي أن الوقف لا يجوز صرفه إلا في المصارف التي حددها الواقف. وكذلك الزكاة لا تصرف لتدمير حياة الناس تحت مسمى المجهود وأي تغيير في هذا المصرف يمثل مخالفة شرعية واضحة، لأن الوقف والزكاة أصبح حقًا لازمًا لا يجوز تغييره بإرادة لاحقة.
- كيف تقيمون تجربتكم في وزارة الأوقاف؟ كانت المرحلة استثنائية بكل المقاييس، وقد كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على الهوية الوسطية للخطاب الديني، وضمان استمرار الخدمات الدينية للمواطنين رغم الظروف المعقدة، وكان التحدي الأكبر هو العمل في ظل بيئة سياسية وأمنية بالغة التعقيد.
- كيف استطعتم إدارة ملف الحج في ظل الانقسام؟ كان الهدف هو تحييد هذه الشعيرة عن الصراع السياسي ورفعت شعار "الحج عبادة وتقديس لا شعارات وتسييس" باعتبارها حقًا شرعيًا للمواطن. وقد تطلب ذلك إدارة متوازنة، تقوم على تقديم مصلحة الحاج فوق أي اعتبارات أخرى.
وحققنا المركز الأول على مستوى 165 دولة في العالم في تنظيم ونجاح مواسم الحج رغم ظروف الحرب وهذه الشهادة كانت من قبل الاشقاء في المملكة العربية السعودية.
- هل يحتاج القضاء اليمني إلى إصلاح؟ القضاء هو أساس استقرار الدولة. واستعادة ثقة المواطن بالقضاء اليمني تتطلب إعادة بنائه على أسس الاستقلال والنزاهة والكفاءة، لأن العدالة هي حجر الأساس لأي دولة مستقرة ويحتاج الى اعادة غربلة من خلال اختيار قضاة ذات نزاهة وكفاءة عالية.
- أخيرًا، ما هي رؤيتكم لاستعادة الروح الوطنية اليمنية؟
استعادة الروح الوطنية تتطلب مشروعًا شاملًا، يقوم على استعادة الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز الخطاب الوسطي، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، فالدول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بالعدل، وبالوعي، وبالإيمان المشترك بالمستقبل.
- هل لديكم كلمة أخيرة؟ اليمن، رغم كل الجراح، يملك من العمق الحضاري والرصيد الإنساني ما يؤهله لتجاوز هذه المرحلة. والتحدي الحقيقي ليس في استعادة الأرض فحسب، بل في استعادة الإنسان، لأن بناء الدولة يبدأ أولًا ببناء الوعي.