تمرّ علينا ذكرى استشهاد القائد الرباني السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه لا كيومٍ عابرٍ في التقويم، بل كمحطةٍ إيمانيةٍ كبرى ومنعطفٍ تربويٍّ فاصل. إنها ذكرى شهيد القرآن، الذي حمل همَّ الأمة على كاهله، وأعاد للكتاب الحكيم اعتباره منهاجَ حياةٍ شامخًا، وموقفًا ثابتًا في وجه عواصف الطغيان والاستكبار. لقد كان رحيله الجسدي في العاشر من سبتمبر عام 2004م، غير أن مشروعه النهضوي وصرخته الإيمانية ما زالا يُدوّيان في ضمير الأمة، لتستلهم منهما الدروس والعِبر، وتستضيء بنورهما في ظلمات التيه. لم يكن المشروع الذي أسّسه الشهيد القائد مجرد خطابٍ عابرٍ أو شعارٍ مرحلي، بل مثّل تحوّلًا جذريًا ونوعيًا في عمق الوعي الجمعي. لقد أدرك الشهيد القائد باكرًا أن المعركة الحقيقية هي معركة الهوية والثقافة، فانطلق من قاعة مدرسة الإمام الهادي في مرّان بصعدة، في السابع عشر من يناير 2002م، ليطلق الصرخة المزلزلة: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». لم تكن هذه مجرد كلمات، بل إعلانًا لتأسيس مشروعٍ قرآنيٍّ متكامل، يرسم بوصلة المواقف بوضوحٍ لا التباس فيه، ويحصّن المجتمع في عقر داره ثقافيًا وفكريًا ضد غزوات التضليل ومحاولات الهيمنة التي تتلبّس أثوابًا شتّى. لقد تحرّك الشهيد القائد من رؤيةٍ كليةٍ مستمدّةٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية الجامعة، رأى فيها أن مقومات النهضة والبناء تنطلق من ثلاثيةٍ مترابطة: أمةٍ واعية، ومنهجٍ قويم، وقيادةٍ راشدة. فكان همّه تعبئة الأمة حول قرآنها، وتبصيرها بحقيقة الصراع ضد قوى الاستكبار العالمي، الذي حاول ترويض المنطقة تحت عنوان «الحرب على الإرهاب»، وهي الحرب التي رأى فيها غطاءً ل«أمركة العالم» واستهدافًا شاملًا للأمة الإسلامية. وقد نذر نفسه نُصرةً لهذه الأمة؛ فرفض الانخراط في حرب صيف 1994م الداخلية، لئلا يكون شريكًا في سفك الدماء، كما وقف في وجه محاولات الحكومة اليمنية آنذاك قمعَ حركته السلمية، ما أدى إلى اعتقال العديد من المؤيدين، ومحاولة تدمير منزله. إن إحياء ذكرى هذا الشهيد العظيم يقتضي منا أكثر من وقفاتٍ خطابيةٍ عاطفية؛ إنه يدفعنا إلى ترجمة مضامين هذه الذكرى العطرة إلى برامج عملية وأنشطة توعوية حيّة، تُحيي في النفوس معاني الهوية الإيمانية الأصيلة، وترسّخ قيم العدل والحرية والاستقلال التي ناضل من أجلها. إنها مسؤولية جماعية تُذكّرنا بواجبنا تجاه قضايا أمتنا المصيرية، وفي طليعتها مواجهة قوى الاستكبار العالمي وأذنابه في المنطقة، الذين سعى الشهيد القائد منذ البداية إلى كشف مخططاتهم وتحذير شعبه من أطماعهم. لقد ترك الشهيد القائد نهجًا عمليًا يُقتدى به؛ فلم يكن خطيبًا فحسب، بل كان مُنشئًا لجمعية «مران الاجتماعية الخيرية» لخدمة المجتمع وتنميته. وهذا النهج هو ما ينبغي أن تستلهمه البرامج التوعوية: الجمع بين البناء الفكري والخدمي العملي، وترسيخ ثقافة الجهاد بمعناه الشامل؛ جهاد النفس والعلم والموقف، استعدادًا للدفاع عن الحق. ولا شك أن الدور الريادي الذي قام به الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي يمثّل نقلةً تاريخية في إعادة إحياء الوعي القرآني النقي من شوائب التبعية والانهزام. لقد ثبّت بفكره ومواقفه ثقافة الجهاد والموقف الحق في وجه سهام العدوان والمؤامرات التي تُحاك ضد كيان الأمة. عاش شهيدًا للقرآن، ومات دفاعًا عن حياضه. واليوم، ونحن نستذكر بطولته، فإن هذه الذكرى تأمرنا بالجهوزية والاستعداد؛ لقد انتهت جولةٌ من الصراع بدمه الطاهر، لكن المعركة ما تزال مستمرة. إن التحديات الجسام التي تواجه أمتنا تتطلب منا أن نكون على مستوى المسؤولية، متمسكين بمنهجه القرآني، حاملين لراية الصمود التي رفعها، واثقين بأن صرخته التي انطلقت من مرّان ستظل شعلة هداية ومنارة يقين، تُضيء درب الأمة نحو الحرية والكرامة والعزة، حتى يأتي النصر الذي وعد الله به المؤمنين. طوبى للشهداء الذين يحيون فينا بذكراهم، ويقودوننا بفكرهم، ويمدّوننا بإرثهم. رحم الله شهيدنا القائد، وألهمنا السير على نهجه، والثبات على خطاه. *باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة