ما يجري في اليمن، وما يتكشف من توتر متصاعد بين السعودية والإمارات، لا يمكن قراءته بوصفه خلافًا تكتيكيًا داخل تحالف واحد. من زاوية أعمق، نحن أمام صراع على الجغرافيا لا على السياسة، وعلى الممرات لا على الدول، حيث تُعاد هندسة المنطقة وفق منطق التحكم والاحتواء، لا السيادة والاستقرار. ضمن هذا السياق، يقدّم أنصار الله قراءة مختلفة – قد تكون جدلية – لكنها منسجمة مع منطق الصراع الإقليمي: الجنوباليمني ليس ساحة فوضى، بل حلقة في معركة أوسع تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب. الجنوباليمني: من قضية وطنية إلى ساحة نفوذ: يرى أنصار الله أن ما يجري في جنوباليمن لا يُدار بأدوات يمنية، بل برؤى إقليمية متناقضة. الإمارات، من وجهة نظرهم، لا تتحرك بدافع حماية اليمن أو مواجهة أنصار الله، بل بدافع تثبيت نفوذ طويل الأمد على الموانئ والجزر وخطوط الملاحة، ضمن مشروع بحري–اقتصادي يتجاوز اليمن نفسه. في المقابل، تنظر السعودية إلى الجنوب بوصفه ملفًا أمنيًا وحدوديًا، لا مشروع نفوذ مفتوح. هي تريد يمنًا ضعيفًا، لكنه غير منفصل، مستقرًا بما يكفي لعدم تهديد حدودها، لا ساحة تنازع دائم بين قوى متعددة الولاء. هذا التناقض في الرؤيتين هو ما فجّر التوتر، وأظهر أن "التحالف" لم يكن تحالفًا استراتيجيًا بقدر ما كان شراكة مؤقتة بين مشاريع غير متطابقة. التوتر السعودي–الإماراتي: لحظة انكشاف: لا يقرأ أنصار الله هذا التوتر كفرصة تقارب مع الرياض، بل كدليل إضافي على أن الحرب لم تكن يومًا حربًا من أجل اليمن، بل إدارة أزمة على أرضه. وهم يوظفون هذا الانكشاف سياسيًا لتقويض الرواية الأخلاقية للتحالف، عبر خطاب يقول إن القوى الخارجية اختلفت، بينما بقي اليمن هو الخاسر الوحيد. بهذا المعنى، لا يراهن أنصار الله وحلفاؤهم في صنعاء على انهيار التحالف، بل على تآكل مبرراته. المعركة الحقيقية: تحييد الجغرافيا: هنا يتجاوز الصراع اليمني حدوده، ويلتقي مباشرة بالصراع مع إيران. في منطق محور المقاومة، الهدف الأمريكي المركزي ليس إسقاط طهران، بل نزع أدوات ردعها الجيوسياسية، وعلى رأسها مضيق هرمز. السيطرة المباشرة غير مطروحة، لكن تحييد الورقة مطروح بقوة: حضور بحري دائم، تدويل الملاحة، وشبكة تحالفات إقليمية–إسرائيلية تجعل أي تهديد إيراني مكلفًا ومحدود الأثر. في هذا السياق، يُعاد تعريف باب المندب ك"الورقة المقابلة". فإذا خسر محور إيران القدرة على التأثير في الممرين معًا، يكون قد خسر أهم عناصر التوازن غير العسكري. ومن هنا، يربط أنصار الله مصير الجنوباليمني بهذه المعادلة الكبرى: أي وجود غير وطني ومستقل في الجنوب، يعني عمليًا تحويل اليمن من دولة إلى أداة ضبط في معركة لا يملك قرارها. البحرين: حين تتحول الدولة إلى وظيفة: في قلب هذا المشهد تقف البحرين، لا كحالة منفصلة، بل كعقدة تشغيلية أساسية. وجود الأسطول الأمريكي الخامس ليس تفصيلًا دفاعيًا، بل تعبيرًا عن تحوّل بعض دول الخليج من دول ذات قرار، إلى منصات متقدمة لإدارة الصراع مع إيران. من البحرين تُدار معادلة الردع في الخليج، ويُرسم سقف الحركة في مضيق هرمز، وتُنسّق عمليات المراقبة والتحكم بالملاحة. هذا الدور لا يمر بلا ثمن: انخراط تلقائي في اصطفافات لا تُناقَش، وتحول "السلام" إلى غطاء لغوي لدور أمني صرف، يُقايَض فيه القرار الوطني بالحماية. وهنا تتضح الصورة كاملة: هرمز هدف، باب المندب ورقة موازنة اليمن ساحة، والخليج منصات تشغيل. ما نراه ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشروعًا واحدًا يُدار بأدوات متعددة. مشروع لا ينهي الصراعات، بل يعيد توزيعها، ولا يبني سلامًا، بل يضبط الفوضى بما يخدم توازنات القوة. في هذا المشهد، قد يكون أنصار الله طرفًا إشكاليًا، لكنهم يلتقطون حقيقة أساسية: الدول التي تفقد قرارها، لا تخسر سيادتها دفعة واحدة، بل تتحول تدريجيًا إلى مواقع على الخريطة. والسؤال الذي يبقى معلّقًا فوق الخليج واليمن معًا: هل تُدار هذه المنطقة لتستقر... أم لتبقى قابلة للاستخدام؟