لطالما اعتُبرت إسرائيل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فقد مثّلت لعقود قاعدة متقدمة، وأداة ردع إقليمي، وحليفًا قادرًا على خوض الحروب بما يخدم المصالح الأمريكية دون انخراط عسكري مباشر من واشنطن. غير أن التحولات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها تطور القدرات العسكرية الإيرانية، تشير إلى تغيّر عميق في هذه المعادلة. إذ لم تعد إسرائيل عنصر قوة صافٍ في الحسابات الأمريكية، بل باتت – في ظروف معينة – مصدر ضغط وهشاشة استراتيجية في أي مواجهة محتملة مع إيران. د. جواد عبد الوهاب أولًا: إسرائيل كأداة قوة في الاستراتيجية الأمريكية: اعتمدت الولاياتالمتحدة تاريخيًا على إسرائيل باعتبارها: قوة عسكرية متفوقة دون وجود جنود أمريكيين على الأرض، كما مثّلت عنصر ردع ضد خصوم واشنطن الإقليميين، وحليفًا يخوض حروبًا قصيرة يمكن احتواؤها سياسيًا، وركيزة لاستقرار ميزان القوى بما يخدم المصالح الأمريكية. بهذا المعنى، كانت إسرائيل «قوة جاهزة للاستخدام»، لا عبئًا يتطلب إدارة يومية للمخاطر. ثانيًا: التحول الإيراني – تغيير قواعد اللعبة لا كسب الحرب: لم تسعَ إيران إلى هزيمة إسرائيل أو الولاياتالمتحدة عسكريًا بشكل مباشر، بل عملت على تغيير طبيعة المواجهة نفسها، عبر رفع كلفتها وتحويل نتائجها إلى معضلة سياسية واستراتيجية لواشنطن. 1 - الصواريخ الدقيقة والاستنزاف بدل الحسم: أبرز أدوات هذا التحول هو تطوير ترسانة صاروخية قادرة على: الوصول إلى العمق الإسرائيلي، وإصابة أهداف حساسة بدقة متزايدة، والعمل ضمن موجات كثيفة تُرهق أنظمة الدفاع الجوي. وقد أثبتت المواجهات المحدودة الأخيرة أن أنظمة الدفاع الإسرائيلية متقدمة لكنها غير محصنة، وأن مخزون الاعتراض محدود ومكلف، وأن الاستنزاف الزمني يشكّل خطرًا استراتيجيًا حقيقيًا. وهنا تظهر المعضلة الجوهرية: الولاياتالمتحدة تستطيع حماية قواتها، لكنها لا تستطيع حماية إسرائيل بالكامل. 2 - أصل قابل للحركة مقابل حليف ثابت: في أي حرب محتملة، تمتلك واشنطن هامش مناورة واسعًا لحماية جنودها ومصالحها المباشرة؛ يمكنها إعادة تموضع قواتها، وسحب أو تحريك بوارجها، وإعادة نشر حاملات الطائرات، وتقليل الخسائر البشرية عبر الانسحاب أو الانتشار المرن. لكن السؤال الحاسم هو: ماذا تفعل مع إسرائيل؟ إسرائيل ليست قاعدة عسكرية يمكن نقلها، ولا حاملة طائرات يمكن سحبها من مدى النيران. هي كيان ثابت، مدنها وبناها التحتية وسكانها مكشوفون بطبيعتهم لأي حرب إقليمية واسعة. وهنا يتحول الحليف من ميزة إلى عبء: فلا يمكن تحريك إسرائيل، ولا يمكن تحييد جغرافيتها، ولا يمكن منع استهداف عمقها المدني في حال اندلاع مواجهة شاملة. 3 - إسرائيل من رادع إلى هدف ضغط: في السابق، كان استهداف إسرائيل يعني تصعيدًا إقليميًا غير مقبول. أما اليوم، فقد أصبحت إسرائيل نفسها ورقة ضغط على صانع القرار الأمريكي. الرسالة الإيرانية الضمنية باتت واضحة: أي حرب مع إيران لن تُدار في الخليج فقط، بل في تل أبيب وحيفا وبئر السبع. وهذا يخلق ضغطًا سياسيًا داخليًا على واشنطن: صور الدمار في المدن الإسرائيلية، وشلل الحياة الاقتصادية، وحالة خوف دائم لدى المدنيين. كل ذلك يطرح سؤالًا أمريكيًا مركزيًا: هل تستحق هذه الحرب كلفتها؟ 4 - الاستنزاف متعدد الجبهات: لم تعتمد إيران على جبهة واحدة، بل بنت شبكة ضغط إقليمي متعددة الاتجاهات، من جنوبلبنان، إلى غزة والعراق، وأخيرًا اليمن. والنتيجة: إسرائيل في حالة تأهب دائم واستنزاف نفسي وعسكري واقتصادي، ودعم أمريكي متواصل بلا أفق حسم. وبذلك تحوّلت إسرائيل من «قاعدة متقدمة» إلى فاتورة استراتيجية مفتوحة. ثالثًا: لماذا تتردد أمريكا في الحرب الشاملة؟ لا يعود التردد الأمريكي إلى العجز العسكري، فالولاياتالمتحدة قادرة على توجيه ضربات قاسية لإيران. لكن المشكلة تبدأ بعد الضربة؛ حيث لا يمكن منع الرد الإيراني، ولا يمكن احتواء اتساع رقعة الحرب، ولا يمكن ضمان حماية إسرائيل، ولا يمكن ضبط التداعيات الإقليمية والاقتصادية. لقد خلصت واشنطن إلى نتيجة مفادها أن أي حرب مع إيران ستكون: طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج، وعالية الثمن سياسيًا داخليًا وخارجيًا. وهو ما يجعلها كابوسًا استراتيجيًا حقيقيًا. لم تنتصر إيران عسكريًا على الولاياتالمتحدة أو إسرائيل، لكنها حققت ما هو أخطر: إعادة تعريف موقع إسرائيل داخل الاستراتيجية الأمريكية. فبعد أن كانت إسرائيل أصلًا استراتيجيًا يعزّز القوة الأمريكية، باتت – في سياق المواجهة مع إيران – نقطة ضعف تقيّد القرار الأمريكي وتُثقل كلفة أي تصعيد. إنها ليست معادلة نصر وهزيمة، بل معادلة ردع عبر تحويل الحليف إلى مركز الخطر.