عبدالحافظ معجب .. يمثل امتلاك "باص" أو "تاكسي" في الوجدان الشعبي اليمني المشروع القومي المصغر لمواجهة أعباء الحياة وقسوة الظروف، حيث يجد اليمني نفسه مدفوعاً نحو الوظيفة الأسهل والأكثر حضوراً وهي نقل الركاب لضمان قوت يومه، وفي سبيل هذا الحلم الصغير نجد الآلاف ممن باعوا آخر ما يملكون من قطعة أرض، أو مدخرات الزوجات والأمهات والأخوات، بل إن البعض يرهن بصائر عقاره ومدخرات عمره ليستدين المال ويشتري وسيلة نقل تعينه على نوائب الدهر، غير أن هذا السائق الذي دفع الغالي والنفيس ليقف في فرزة الباصات، كان يصطدم دوماً بهمٍّ جاثم يفوق همّ الصيانة والوقود، وهو كابوس الإتاوات المفروضة بالبلطجة تحت مسميات "رسوم الفرزة" أو "حق الركاب"، في مفارقة عجيبة حيث يأتي الركاب إلى مواقف الباصات بأنفسهم دون حاجة لوسيط ومع ذلك تظل تلك المبالغ تُنتزع من عرق السائق قسراً وبقوة "السلبطة" التي استمرت عقوداً من الزمن كمشكلة مستعصية تجنبت الحكومات المتعاقبة الحديث عنها أو الاقتراب من عش الدبابير فيها. اليوم يأتي القرار الاستثنائي والشجاع لمدير عام شرطة المرور اللواء الدكتور بكيل محمد البراشي ليعيد رسم ملامح الدولة القوية التي تنحاز لخبز البسطاء، من خلال التوجيهات الصارمة لمرور أمانة العاصمة بإعادة تنظيم الفرز ومنع أي عمليات تحصيل مالي غير مشروع نهائياً، إن استبعاد المندوبين غير الملتزمين فوراً وإنزال فرق الضبط المروري الميدانية للإشراف المباشر، هو بمثابة إعلان نهاية عصر "الغابة" في شوارعنا، وتأكيد على أن تنظيم خطوط السير هو واجب مؤسسي مجاني تقدمه الدولة لمواطنيها كجزء من مسؤوليتها وواجباتها، هذا التوجه العملي الذي بدأ تنفيذه اليوم يمثل ضربة معلم في سياق استعادة هيبة النظام والقانون وتخفيفاً حقيقياً للمعاناة المعيشية للسائقين الذين كانوا يجدون أنفسهم مضطرين لمقاسمة دخلهم اليومي مع أفراد لا يملكون أي صفة شرعية سوى فرض الأمر الواقع. وفي غمرة هذا الإنجاز تتجه أنظارنا وقلوبنا نحو أمنية وطنية ملحة وهي أن يمتد مفعول هذا القرار ليعم كل المحافظات الحرة فطموحنا يتجاوز حدود العاصمة صنعاء، لنرى سيادة الدولة وهيبتها وحمايتها للمواطن حاضرة في كل فرزة وموقف والآمال معقودة على أن تكون هذه الخطوة هي الحجر الأساس لتعميم ثقافة النظام والقانون في كل شبر من أرض الوطن، لتنتهي مظاهر الجباية والابتزاز بمجرد الخروج من بوابات العاصمة، ويشعر كل سائق يمني أنه في كنف دولة تحميه أينما ارتحل. ومع هذا الحزم في التنفيذ تبرز اللفتة الإنسانية التي نأمل من قيادة وزارة الداخلية وشرطة المرور والجهات المعنية وضعها في الحسبان والمتمثلة في دراسة ملف المئات أو الآلاف ممن اعتمدوا لسنوات على وظيفة "التحصيل" في الفرز كمصدر وحيد للتعيش، إن الدولة الأم هي التي تستوعب كل أبنائها والبحث عن حلول تأهيلية واستيعابية لهؤلاء المندوبين وتحويل طاقاتهم نحو أعمال قانونية ومنتجة هو جزء من شمولية الحل، فاليمن يتسع للجميع والدولة التي تملك الجرأة على قطع يد الابتزاز تملك بالضرورة الحكمة لإيجاد البدائل الشريفة لمن فقدوا مصدر دخلهم، بما يضمن عدم انزلاقهم نحو البطالة أو الجريمة لأن الهدف هو الإصلاح الشامل وليس مجرد العقاب. نحن اليوم أمام اختبار حقيقي للوعي المجتمعي في مواجهة ماكينات الإعلام التي تقتات على السلبية وتتجاهل مثل هذه التحولات الجوهرية، فبينما كانت تلك الأبواق تضج وتفتعل الترندات الساخرة حول فكرة "باصات السيدات" الاختيارية لتشويه صورة الدولة، نجدها الآن تلوذ بالصمت المريب أمام قرار ينصف آلاف السائقين، وهو ما يؤكد أن الحرب الإعلامية الممنهجة تهدف لإيصال المواطن لحالة اليأس وتصور الحديث عو كل إصلاح على أنه "تطبيل"، بينما الحقيقة أن ما يعجز عنه المرجفون تصنعه الإرادة الوطنية المخلصة، تحية لكل يد تبني وتحمي ولكل سائق سيشعر أخيراً بأن عرق جبينه سيعود كاملاً إلى منزله وأطفاله بفضل دولة قررت أن تقول "كفى" لكل عابث بلقمة العيش.