الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وبه ننال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجل القربات، وما ذل المسلمون إلا عندما تركوا الجهاد، وركنوا إلى الدنيا، فتكالب عليهم الأعداء وتداعت عليهم الأمم، والتذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك تذكير بماض مشرق نحن أحوج ما نكون إلى الاسترشاد به لنخرج من أزمة طال أمدها وبعد زمنها، حتى صرنا في مؤخرة الأمم، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، فنزع الله المهابة من قلوب أعدائنا، وقذف في قلوبنا الوهن، وحب الدنيا وكراهية الموت، فالتذكير بالماضي ينبغي أن يساق للعبرة، وللإفادة منه في صنع حاضرنا، ورسم صورة مشرقة لمستقبلنا، فرمضان هو شهر الانتصارات والفتوحات وشهر الجهاد والعبادة والتقرب إلى الله تعالى والريادة في الأعمال الصالحة. بالتالي فقد أمر الله عز وجل بالجهاد وحث عليه ورغب فيه حتى وصف من يبذل نفسه في سبيله بمن يبيع نفسه لله، ونعم البيع ذلك البيع فقال عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} (التوبة:111)، وسمى سبحانه وتعالى الجهاد تجارة، ولكنها تجارة مع الله، وليس الثمن ريالات ودراهم ودنانير، ولكنه النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}(الصف:11)، فليكن رمضان موسمًا للجهاد في ميادين الإصلاح والتغيير كذلك، والجهاد ضد النفس والهوى، والجهاد في مقاومة الظلم والطغيان، والجهاد في حمل رسالة الإسلام بقوة وثبات حتى تعود للأمة عزتها ومكانتها. بالإضافة إلى أنه ووردت في فضل الجهاد أحاديث كثيرة، من ذلك ما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، وقال أيضاً: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)، والجهاد في سبيل الله فيه عزة الإسلام، كما أنه أفضل الأعمال وأجلها، وما وصل المسلمون إليه من ذل إلا عندما تركوا الجهاد، وركنوا إلى الدبلوماسية التطبيعية من حجم الضعف الذي يعتريهم، فتكالبت عليهم الأمم، فالتذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك هو نظرة للوراء بماض وضّاح، لعله يرشدنا للنهج الصحيح لنستطيع الخروج من مستنقع التطبيع أو الوجوم والخنوع، اعتادته الأنظمة العربية والإسلامية؛ وقذف الله في ضمائرهم الوهن ونزع المهابة من قلوب أعداء الأمة. إن فضائل رمضان لا تحصى، إلا أن الذود عن العرض والأرض في هذا الشهر الفضيل هو أقرب الأعمال إلى الله تعالى، وخاصة بعد اقتحام المسجد الأقصى والصمت ودور المتفرج المعيب الذي تحترفه الدول أمام القتل والتنكيل وتدنيس أولى القبلتين، فليكن الماضي الإسلامي والعربي المشرق عبرة نستشف منها الفائدة لمستقبل يمنحنا القوة للوقوف أمام الأمم الند بالند، بدلا من دور التابع الذي آل إلى نهج دولة تتوارثه الأنظمة بينها، وشهر رمضان المبارك هو شهر الجهاد، وفيه وقعت أعظم معركتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ الأولى هي معركة بدر الكبرى 17 رمضان 2ه، التي كانت فرقاناً فرَّق الله بها بين الحق والباطل، وأصبح للمسلمين بعدها العزة والمنعة، الثانية هي فتح مكة في 20 رمضان 8ه، وكانت معركة فاصلة أدت الى دخول مكةالمكرمة تحت سيطرة المسلمين، وتعتبر هاتان المعركتان من أعظم الانتصارات الإسلامية، كما فتح المسلمون الاندلس في رمضان. ومما يؤسف له اليوم أن مفهوم الجهاد قد انقلب في نفوس كثير من المسلمين، فبعد أن كان رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية أصبح شهراً للكسل والبطالة وتفضيل النوم والطعام، وهو انتكاس خطير في المفاهيم يجب تصحيحه، حتى تعيش الأمة رمضان كما عاشه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وسلف الأمة من بعده جهاداً وعبادة وعملاً وتضحية، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). ختاماً: علينا أن نتمسك بديننا ونعتز بهويتنا، ولا ننخدع بزيف الباطل، عملاً بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، فلابد أن نكون من هؤلاء الكرام البررة الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذين يذودون عن ثغور الإسلام، فلا يُؤتى الإسلام من قِبلكم ونتصدر لإعلاء دين الله إذ تخلى عنه الناس، ونكون ورثة الأنبياء، وحملة الرسالة الأوفياء، ونجعل رمضان موسما للزاد والتقوى، وما أحوج أمتَنا إلى جيل يتحلى بالإيمان ليستعيد مجد الأوائل، ويسعد العالم بالإسلام ورسالته، جعل الله لنا هذا الشهر الكريم مع صيامه وقيامه شهر عزة وغلبة.