في الوقت الذي راهن "العجوز الأصفر" على خروج مظاهرات في إيران لإسقاط نظامها وخلق حالة الفوضى في مدنها؛ أفاق على مظاهرات في عقر داره وعلى تخوم قصره البيضاوي مرددةً هتافات حرة يعمّ صداها الآفاق.. تحت شعار "لا ملوك"، خرج أكثر من خمسة ملايين متظاهر إلى الشوارع الأمريكية تنديدًا بالحرب ومطالبةً باعتقال ترامب وأعضاء حكومته ومحاكمتهم! وفي المقابل خابت كل مساعي واشنطن في تحريض الشعب الإيراني، الذي خرج بقضّه وقضيضه تأييدًا للنظام وتنديدًا بالعدوان الأمريكي الصهيوني على البلاد..! حسابات ترامب الخاطئة جعلته في حالة تخبط لا يُحسد عليها؛ فقد خُيّل إليه أن سيناريو فنزويلا يمكن تكراره في إيران وإن اختلف النموذجان في بعض الجوانب، وبتحريضٍ من نتنياهو وحاشيته ركب هواه وأطلق العنان لجنونه، ظانًّا أنه سيُمنح لقب الفاتح العظيم، وأن بإمكانه تركيع طهران وتطويع نظامها ببضعة صواريخ غادرة وبضعة تصريحات كاذبة، لكن يبدو جليًا أنه ومستشاريه لم يقرأوا التاريخ جيدًا، ولم يتعظوا من دروس فيتنام وأفغانستان وغيرها، ولعله أدرك لاحقًا صعوبة الورطة التي أوقعه فيها اللوبي الصهيوني، بعد أن رأى حجم خسائر واشنطن البشرية والآلية، ناهيك عن المبلغ المهول الذي خسرته الخزانة الأمريكية من تكلفة الحرب خلال شهرها الأول فقط، وبات يبحث باستماتة عن مخرجٍ من هذا الوحل الذي يزداد عمقًا كلما أوغل سيرًا فيه، وهذا يفسر بوضوح زيادة وتيرة التصريحات البيضاوية مؤخرًا وتعارضها مع تصريحات سابقة من جهة، واستمرار ترامب بالقول أن طهران ترغب في التفاوض معه من جهة أخرى، رغم نفي الجانب الإيراني للأمر مرارًا وتكذيبه على الأشهاد.. والمراقب لتصريحات ترامب في بداية العدوان وتصريحاته الآن يدرك أن الجبل تَمخَّض فولد فأرًا، وما بين عشيّةٍ وضحاها تقزّمت طموحات "العجوز الأصفر" الطوبائيّة وانهار برجه العاجي؛ فبعد أن كان يأمل بإسقاط النظام الإيراني والقضاء على ترسانة طهران الصاروخية، باتت أقصى أمنياته إعادة فتح مضيق هرمز الذي لم يكن مغلقًا أصلًا، لولا العربدة الصهيونية التي لم تجد من يوقفها عند حدها..! ما لم يكن في حسبان البيت الأبيض أن الضربة الاستباقية لم تؤثر على إيران ولم يضعفها اغتيال الصف الأول من قيادتها، وحتى آلاف الغارات التي تنطلق من القواعد والبارجات الأمريكية والطائرات الإسرائيلية لم تؤت أكلها، بل فشلت كل هذه المساعي في إحراز أي نصر عسكري أو إنجاز سياسي؛ فعقيدة "الصبر الاستراتيجي" التي تنتهجها طهران كسياسة عسكرية، تظهر بوضوح أن الإيرانيين طويلو النفَس، وعازمون بكل ثقةٍ وعزيمة على دحر القوى الغازية وإعطاب آلتها الحربية بكل ما أوتوا من قوةٍ ومن رباط الخيل، مهما طال أمد الحرب أو اتسعت رقعتها، وعلى الباغي تدور الدوائر..! *أكاديمي وكاتب صحفي