في لحظةٍ مفصلية من تاريخ التفاعلات الإقليمية والدولية، لم تكن الحرب الأخيرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحوّلت إلى محطة تأسيسية أعادت صياغة قواعد الاشتباك، ورسّخت معادلات جديدة في ميزان القوة. وفي هذا السياق، يبرز محور الجهاد والمقاومة بوصفه الفاعل الذي لم يكتفِ بامتصاص الضربة أو الرد عليها، بل نجح في إعادة رسم طبيعة المواجهة ذاتها، فارضاً إيقاعاً جديداً للصراع، ومحققاً نصراً يمكن وصفه بالتاريخي وفق مختلف المعايير الاستراتيجية. لقد دخلت الولاياتالمتحدة والكيان الإسرائيلي هذه الحرب بسقفٍ مرتفع من الأهداف، عكست نزعةً نحو الحسم الشامل وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحهما. تمثلت تلك الأهداف في إسقاط النظام الإيراني، وتدمير منظومته الصاروخية، وتفكيك برنامجه النووي، وهي أهداف تعكس إدراكاً مسبقاً لأهمية إيران كمركز ثقل في محور الجهاد والمقاومة. غير أن مسار المواجهة كشف سريعاً عن خلل عميق في تقدير القدرة على تحقيق هذه الأهداف، حيث تراجعت تدريجياً من مشروع إسقاط شامل إلى محاولات محدودة تتعلق بأمن الملاحة والضغط الاقتصادي، في مؤشر واضح على انتقال الطرف المهاجم من موقع المبادرة إلى موقع الاحتواء، ثم إلى البحث عن مخرجٍ سياسي يحد من الخسائر. في المقابل، تعاملت إيران، ومعها محور الجهاد والمقاومة، بمنهجية مختلفة تقوم على وضوح الهدف وثباته، مقابل مرونة عالية في إدارة الوسائل. فقد تمحور الهدف حول الاستمرار في الرد والدفاع عن النفس وفق شروط المحور، دون القبول بأي معادلات مفروضة من الخارج. هذا التحديد الدقيق للأهداف، مقترناً بإدارة محسوبة لإيقاع التصعيد، مكّن المحور من نقل مركز الثقل من ساحة الفعل العسكري المباشر إلى فضاءات أوسع، تشمل الاقتصاد والسياسة والقانون، ما أدى إلى تعقيد بيئة المواجهة ورفع كلفتها على الخصم. وفي لحظة إعلان وقف إطلاق النار، تكشفت بوضوح ملامح التحول في ميزان القوة، حيث تم الإقرار بوجود نقاط تفاوض إيرانية تشكل أساساً عملياً لأي تسوية قادمة، وهو ما يعكس قبولاً ضمنياً بشروط الطرف الذي نجح في إدارة المعركة. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن مجمل الأداء الاستراتيجي للمحور، الذي نجح في فرض معادلة مفادها أن إنهاء المواجهة لا يتم إلا ضمن شروطه، وليس وفق إملاءات الطرف الذي بدأها. أما على مستوى النتائج، فقد تكبدت الولاياتالمتحدة والكيان الإسرائيلي خسائر متعددة الأبعاد، شملت الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعنوية، في حين خرج محور الجهاد والمقاومة بجملة من المكاسب الاستراتيجية. من أبرز هذه المكاسب تثبيت حقوق سيادية تتعلق بالممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، وفرض حضور هذه القضايا على طاولة التفاوض، إضافة إلى تأكيد حق إيران في تطوير قدراتها، والحصول على ضمانات بعدم تكرار العدوان، وطرح مسألة رفع العقوبات كجزء من أي تسوية مستقبلية. وهذه النتائج لا تعكس فقط نجاحاً تفاوضياً، بل تشير إلى إعادة تعريف لقواعد الاشتباك، بحيث لم يعد بالإمكان فرض وقائع أحادية دون كلفة استراتيجية عالية. غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التحول تكمن في النموذج الذي قدمه محور الجهاد والمقاومة في إدارة الأزمات المركبة. فقد اتسم الأداء بدرجة عالية من الانضباط، تمثلت في التوازن بين الفعل ورد الفعل، واعتماد خطوات مدروسة، وضبط إيقاع التصعيد بما يخدم الأهداف الكبرى. كما نجح المحور في تحقيق مستوى متقدم من التنسيق بين مكوناته، بما مكّنه من توحيد الجهود وفرض رؤية شاملة للصراع، تقوم على الترابط بين ساحاته المختلفة، وليس التعامل معها كجبهات منفصلة. في المقابل، أظهرت الولاياتالمتحدة والكيان الإسرائيلي حالة من الارتباك الاستراتيجي، تجلت في الفشل في بناء تحالفات داعمة، والعجز عن استصدار قرارات دولية توفر غطاءً سياسياً لعملياتهما، إضافة إلى التناقض في إدارة التصعيد، والتردد في الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وقد انعكس هذا الارتباك في مآلات المواجهة، التي انتهت بقبول وقف إطلاق النار في ظروف لا تنسجم مع الأهداف المعلنة، بل تكشف عن سعي لتقليل الخسائر والخروج بأقل الأضرار الممكنة. إن ما جرى لا يمكن اختزاله في كونه جولة من جولات الصراع التقليدي، بل يمثل تحولاً بنيوياً في طبيعة العلاقات الإقليمية والدولية، حيث نجح محور الجهاد والمقاومة في إعادة رسم قواعد الاشتباك، وفرض معادلات جديدة تقوم على توازن الإرادة قبل توازن القوة. وهو تحول يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، لم تعد فيها الهيمنة الأحادية قادرة على فرض شروطها، بل أصبحت مضطرة للتعامل مع واقع أكثر تعقيداً، تحكمه تفاعلات متعددة الفاعلين، وتوازنات أكثر ديناميكية. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن هذا النصر لا يُقاس فقط بما تحقق من مكاسب آنية، بل بما أسسه من قواعد جديدة ستنعكس آثارها على مستقبل التفاعلات في المنطقة والعالم، حيث لم يعد الصراع يُدار بالأدوات التقليدية وحدها، بل بمنظومات مركبة من القوة الصلبة والناعمة، وبقدرة عالية على إدارة الزمن والتصعيد، وهو ما نجح محور الجهاد والمقاومة في توظيفه بفعالية، ليحقق نصراً تاريخياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.