وأنا أتابع ما يتداوله الإعلام حول وجود تواصل بين صنعاءوالرياض للنظر في الهدنة وخارطة الطريق -التي وقفت أمريكا حائلاً دون تنفيذها- وصولاً إلى تفاهم قد يقود إلى تحريك الملف اليمني الملتهب، وإنهاء العدوان والحصار المفروض على اليمن منذ أكثر من أحد عشر عاماً، وإن كانت الثقة مفقودة بالجانب السعودي الذي يقول ولا يفعل، تذكرتُ واقعة قديمة كنت قد تطرقت إليها قبل عدة سنوات، ولكن لأن فيها عبرة فقد استحسنت التذكير بها من جديد؛ لعل محمد بن سلمان، حاكم السعودية الفعلي، يستفيد منها ويبتعد عن غطرسته وغروره، لا سيما بعد أن كشف العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، المدعوم سعودياً وخليجياً، ما كان مستوراً، ليصبح كل شيء واضحاً للعيان لدى من كانت قلوبهم ولا تزال تحمل شكاً ومرضاً. حينما ضعف ولي العهد ووزير الدفاع والطيران السعودي الراحل الأمير سلطان بن عبد العزيز واشتد به المرض، استصدر من أخيه الراحل الملك عبد الله مرسوماً ملكياً عيّن بموجبه نجله اللواء الأمير خالد بن سلطان مساعداً لوزير الدفاع والطيران، ومنحه كل صلاحيات وزير الدفاع، وهو الذي سبق أن عُيِّن بعد غزو النظام العراقي للكويت في 2 أغسطس عام 1990م قائداً للقوات المشتركة لتحرير الكويت. ومن يومها كان ينظر هذا الأمير المغرور إلى نفسه بأنه قائد عسكري كبير، مع أن الأمريكيين وضعوه مجاملة للسعودية لضمان الإنفاق على قوات التحالف، بينما كان الجنرال الأمريكي هيربرت نورمان شوارتسكوف هو القائد الفعلي لتحرير الكويت، ولم يكن خالد بن سلطان إلا "ديكوراً". وأثناء الحرب السادسة على صعدة، قدّم عملاء النظام السعودي في اليمن معلومات إلى الرياض يؤكدون فيها أن المقصود من وجود "الحوثيين" -على حد زعمهم- في صعدة هو السعودية، كونها تقع على حدودها، وأن إيران وليبيا القذافي تدعمهم بهدف زعزعة الأمن والاستقرار فيها، لا سيما وأن الخلاف السياسي كان حينئذ بين السعودية من جهة، وإيران وليبيا من جهة ثانية، على أشده. وقد ابتلع النظام السعودي الطعم وصدّق هذه الرواية المكذوبة، فأوعز إلى اللواء الأمير خالد بن سلطان، مساعد وزير الدفاع والطيران، مهمة القضاء على الحوثيين في صعدة. وهنا وجدها هذا الأمير المغرور فرصة لتلميع نفسه، مستغلاً نفوذ والده الأمير سلطان كرجل ثانٍ في النظام، وليشق في الوقت نفسه طريقه ليكون أحد صقور الأسرة السعودية الحاكمة، لدرجة أن البعض كان يرشحه ليكون أول ملك سعودي من أحفاد مؤسس المملكة الملك عبد العزيز.. وعلى أساس هذه الحسابات الخاطئة، دخل الأمير خالد بن سلطان الحرب على صعدة بقوة، مستخدماً سلاح الطيران الحديث الذي تمتلكه السعودية، وبعثرة أموال شعب نجد والحجاز بهدف تحقيق انتصار ساحق في فترة وجيزة، كما وجه وحدات الجيش السعودي البرية إلى حدود اليمن مع صعدة للدخول إليها واحتلالها، وكان يؤكد في كل تصريحاته أنه لن يوقف الحرب على صعدة ما لم يتراجع من كان يسميهم ب "الحوثيين" عشرات الكيلومترات داخل الأراضي اليمنية. ولأن حرب هذا الأمير المغرور على صعدة كانت تشكل بالنسبة له مسألة حياة أو موت، فقد لجأ لاستخدام الأسلحة المحرمة دولياً بما فيها القنابل الفسفورية، واستند في ذلك على عملاء النظام السعودي من الداخل، الذين كان يتقدمهم الجنرال علي محسن صالح على رأس فرقته العسكرية التي وقفت في صف تحالف العدوان على الشعب اليمني منذ أكثر من عقد من الزمن، بهدف تحقيق الأجندة الأمريكية والسعودية والإسرائيلية في اليمن.. لكن تشاء الأقدار إلا أن يكون مسار الحرب مختلفاً رغم الدمار الذي لحق بمحافظة صعدة، حيث كان قصف الطيران السعودي يدمر بلا رحمة المساكن على رؤوس ساكنيها من الشيوخ والنساء والأطفال، كما فعل فيما بعد تحالف العدوان على اليمن بقيادة محمد بن سلمان، وما أشبه الليلة بالبارحة.. فكانت المعجزة التي حدثت بفضل الله ناصر المظلومين تتمثل في المفاجأة التي صُعق لها خالد بن سلطان عندما وجد أن عدداً من وحداته العسكرية التي استقدمها لاحتلال صعدة قد أصبحت محاصرة، وأن من كان يطلق عليهم "المتمردين" قد احتلوا أكثر من أربعين موقعاً عسكرياً داخل العمق السعودي. وأن زيارة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز إلى الحدود لرفع معنويات الجيش السعودي، وكذلك تواجد "علماء الفتنة" للتحريض على الحوثيين وإصدار الفتاوى بتكفيرهم واستعداء الآخرين عليهم، لم يجدِ نفعاً ولم يغير من موازين المواجهة. فكانت فضيحة مدوية لخالد بن سلطان جعلته في وضع لا يُحسد عليه، ولولا أن والده ولي العهد آنذاك سلطان بن عبد العزيز قطع إجازته المرضية التي كان يقضيها في المغرب وعاد إلى السعودية لإنقاذ ابنه خالد من الفضيحة التي كانت ستحل به وبجيشه الورقي، لكان المقاتلون في صعدة استطاعوا الوصول إلى عمق جيزان. وهنا تنازل الأمير خالد بن سلطان عن تصريحه الناري الذي كان يطالب فيه بتراجع الحوثيين عشرات الكيلومترات داخل الأراضي اليمنية، واستبدله بالاستجداء لانسحابهم من المواقع التي احتلوها في العمق السعودي. وقد حمّل يومها النظام السعودي عملاءه ومرتزقته في اليمن مسؤولية الهزيمة التي حلت بجيشه، متهماً إياهم بأنهم خدعوه، وهذا ما لمسته بنفسي عندما زرت السعودية في مهمة إعلامية عقب انتهاء الحرب، ولاحظت مدى الشعور الخفي بالفخر لدى السعوديين بأن من كانوا يسمونهم "الحوثيين" رجال استطاعوا أن يخوضوا ست حروب في صعدة ويخرجوا منها منتصرين، ويهزموا الجيش السعودي بما يمتلكونه من أسلحة بسيطة، فتغيرت نظرتهم إليهم تماماً بعد أن كانوا يصفونهم بأنهم عصابة تابعة لإيران، وغير ذلك من التهم التي كانت تُلصق بهم وما يزال بعضها قائماً إلى اليوم يطلقه عليهم خصومهم لتخفيف وقع الهزيمة عن أنفسهم. وعليه، لم يجد النظام السعودي بدّاً من معاقبة الأمير اللواء خالد بن سلطان الذي توارى عن الأنظار تماماً ولا يُعرف مصيره، وإن كانت بعض المعلومات تؤكد أنه أصيب بمرض السرطان وأصبح مشغولاً بنفسه متنقلاً من دولة إلى أخرى للبحث عن العافية، وهو الذي كان يطمح ليس ليكون صقراً في أوساط العائلة الحاكمة فحسب، وإنما كانت تطلعاته أن يكون أول ملك من الأحفاد على حساب دماء اليمنيين. وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه: هل يستفيد ابن عمه الأمير محمد بن سلمان، الذي أراد أن يصنع لنفسي زعامة ويطمح للوصول إلى العرش خلفاً لوالده انطلاقاً من عدوانه الظالم على اليمن وشعبه، من تجربة ابن عمه خالد بن سلطان؟ خاصة أن النتائج الأولية التي حققها هذا المتهور خلال أكثر من أحد عشر عاماً من عدوانه تؤكد أنه لن يختفي من المشهد السياسي فحسب، وإنما سيذهب صاغراً في حال رُفعت قضية عليه إلى محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب إن لم يتم اغتياله، وقد تزايدت الضغوط عليه بعد دعمه للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، فأصبح يعيش بين فكي كماشة محاصر داخلها ومن الصعب عليه الخروج منها بسهولة.