تطورات الأحداث بعد إعلان الانتقالي تسليم مواقع لقوات درع الوطن في صحراء حضرموت    إيقاف الرحلات من مطار عدن وإعلام الانتقالي يتهم السعودية    صنعاء.. شاب يسقط خمسة من أفراد أسرته بين قتيل وجريح بسلاح ناري    المخلافي يحرّك الجيوش ويهزمها بتغريدة من جناح فندق فاخر في الخارج    العام الميلادي الجديد.. أمل السلام وحلم الدولة الجنوبية    ريال مدريد يتربع على عرش تصنيف الأندية الأوروبية    الترب يهنئ القيادة الثورية والسياسية بالعام الجديد    تصاعد الصراع السعودي الإماراتي وانعكاساته على سياسات انتاج النفط    الإيكونوميست البريطانية تكشف التحول الجنوبي وتقدّم الدولة الجنوبية كحل واقعي لأمن الإقليم    اعلام صهيوني: استعدادات لفتح معبر رفح من الجانبين    8 قتلى بضربات أميركية جديدة استهدفت 5 قوارب يشتبه بتهريبها مخدرات    جديد أحداث حضرموت..تعزيزات للعمالقة والانتقالي يعيد تموضع قواته    مباريات ثمن نهائي كأس أمم أفريقيا.. المواعيد والملاعب    مقتل 128 صحفيا عام 2025 نصفهم بالشرق الأوسط    ضبط متهم بقتل واصابة 5 من أفراد أسرته في بيت بوس ( أسماء)    اليمن.. ميثاق النجاة    إعلام حكومي: بدء مغادرة القوات الإماراتية من المكلا    مليشيا الحوثي تواصل حصار مصانع إخوان ثابت وتدفع عشرة آلاف عامل إلى البطالة    الدولار يتجه لتراجع سنوي وسط استقرار الين وانتعاش اليورو والاسترليني    تسليم وحدات سكنية لأسر الشهداء في 3 مديريات بصنعاء    محافظ العاصمة عدن يشدد على تكثيف الرقابة الميدانية وضبط الأسعار وتنظيم آليات توزيع الغاز    مهرجان للموروث الشعبي في ميناء بن عباس التاريخي بالحديدة    لجنة تنظيم الواردات تتلقى قرابة 13 ألف طلب ب2.5 مليار دولار وتقر إجراءات بحق المخالفين    وزارة الشباب والرياضة تُحيي ذكرى جمعة رجب بفعالية ثقافية    وزيرا الخارجية السعودي والعُماني يبحثان مستجدات الأوضاع في المنطقة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "بوحٌ ثانٍ لهيفاء"    الذهب يتجه لتحقيق أفضل أداء سنوي منذ نصف قرن    النفط يرتفع ويتجه لتسجيل تراجع بأكثر من 15 بالمائة في عام 2025    اجتماع بصنعاء يناقش إدماج المعايير البيئية في قانون البترول    حضرموت.. مناورة عسكرية لقوات الانتقالي وطيران حربي يلقي قنابل تحذيرية    همم القارات و همم الحارات !    البنك المركزي بصنعاء يوجّه بإعادة التعامل مع شركتي صرافة    القوات الإماراتية تبدأ الانسحاب من مواقع في شبوة وحضرموت    الأرصاد: طقس بارد إلى شديد البرودة على معظم المرتفعات    أمن الصين الغذائي في 2025: إنتاج قياسي ومشتريات ب 415 مليون طن    هيئة علماء اليمن تدعو للالتفاف حول الشرعية والوقوف إلى جانب الدولة وقيادتها السياسية    محافظ البيضاء يتفقد سير العمل بمشروع تركيب منظومة الطاقة الشمسية بمؤسسة المياه    مباريات ثمن نهائي كأس الأمم الأفريقية    اتحاد حضرموت يتأهل رسميًا إلى دوري الدرجة الأولى وفتح ذمار يخسر أمام خنفر أبين    وزارة الاقتصاد والصناعة تحيي ذكرى جمعة رجب بفعالية خطابية وثقافية    خلال 8 أشهر.. تسجيل أكثر من 7300 حالة إصابة بالكوليرا في القاعدة جنوب إب    نائب وزير الثقافة يزور الفنان محمد مقبل والمنشد محمد الحلبي    الصحة: العدوان استهدف 542 منشأة صحية وحرم 20 مليون يمني من الرعاية الطبية    سفر الروح    بيان صادر عن الشبكة المدنية حول التقارير والادعاءات المتعلقة بالأوضاع في محافظتي حضرموت والمهرة    فريق السد مأرب يفلت من شبح الهبوط وأهلي تعز يزاحم على صدارة تجمع أبين    النفط يرتفع في التعاملات المبكرة وبرنت يسجل 61.21 دولار للبرميل    لوحات طلابية تجسد فلسطين واليمن في المعرض التشكيلي الرابع    قراءة تحليلية لنص "من بوحي لهيفاء" ل"أحمد سيف حاشد"    تكريم البروفيسور محمد الشرجبي في ختام المؤتمر العالمي الرابع عشر لجراحة التجميل بموسكو    مرض الفشل الكلوي (34)    المكلا حضرموت ينفرد بصدارة المجموعة الثالثة بدوري الدرجة الثانية لكرة القدم    محمد صلاح يواصل تحطيم الأرقام القياسية في «كأس أمم إفريقيا»    ضربة بداية منافسات بطولة كأس العالم للشطرنج السريع والخاطف قطر 2025    الكشف عن عدد باصات النساء في صنعاء    الكتابُ.. ذلكَ المجهول    بنات الحاج أحمد عبدالله الشيباني يستصرخن القبائل والمشايخ وسلطات الدولة ووجاهات اليمن لرفع الظلم وإنصافهن من أخيهن عبدالكريم    لملس والعاقل يدشنان مهرجان عدن الدولي للشعوب والتراث    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية
نشر في شبوه برس يوم 10 - 02 - 2015

( مع تفصيل في أحاديث حد الردة وسياقات الفقهاء وأهل الحديث)
المقدمة
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)، وصلى الله على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى من سار على منهجه إلى يوم الدين.
من يتأمل القرآن الكريم يجد فيه شفاء لمشاكل العصر، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو الإنساني، هذا كلام يقوله كل المسلمين، والقليل من يوفقه الله للوصول إلى تطبيق أقرب إلى هذا الكلام النظري، ولا يوفق الله من يشرك به شيئاً، فكل شريك يذهب بنصيبه، سواء كان هذا الشريك فرداً أو مذهباً أو دولة أو رأي عام..
فلذلك نسأل الله قبل كل شيء أن يوفقنا في تجنب إشراك غيره في المراقبة، بمعنى ألا يراقب الباحث إلا الله، لا يراقب رضا القريب ولا البعيد، ولا الدنيا العاجلة ولا السمعة والثناء، فحب الناس عبادة والمصلحة عبادة والمذهب عبادة إذا راقبهم الباحث عند كتابة أي بحث أو فتوى، ولا نظن أن تحذير الله من الشرك كان عبثاً أو أنه سيأتي عليه زمن تنتهي صلاحيته، بل ولعل أكثر الناس نهياً عن الشرك هم واقعون في أنواع منه عندما يراقبون الشيخ أو المذهب..الخ، وعندما يهملون شرك الأحبار والرهبان والرأي العام وحب الثناء وتزكية النفس..الخ.
غايات خلق السموات والأرض والإنسان:
وقد خلق الله السموات والأرض والإنسان لأربع غايات كبرى، يترتب بعضها على بعض، وترتيبها منطقياً لمن تأمل القرآن الكريم هي:،
الغاية الأولى: الابتلاء
والثانية: العدل
والثالثة : الإيمان
والرابعة: العبادة
إذن فليس غاية الخلق الوحيدة هو عبادة الله فقط، كما يظن أكثر المسلمين؛ فهذا وهم كبير أوقعهم فيه الواقع السياسي؛ لصرفهم عن فهم حقيقة الابتلاء، وللتنصل من لوازم الإيمان، وفراراً من صعوبة العدل، وأبقى الواقع السياسي على العبادة جافة من أهدافها، عقيمة عن إنتاج ثمرتها، فخرجت عبادتنا عبادة عجيبة، لا تعرف معنى الابتلاء ولا مركزية العدل، ولا حقيقة الإيمان، فهي لا تصبر على بلاء ولا تقاوم ظلماً ولا تستجيب لعادل، وامتلأت الدنيا بالعبّاد الحمقى والسلاطين الظلمة، وخلت ممن يعبد الله حق عبادته.
الابتلاء غاية إلهية أولى:
أما الدليل من كتاب الله على علة الابتلاء واختبار الإنسان في ما أعطاه الله من نعم الحواس والعقل والقلب والمال والصحة ..الخ ففي آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة المائدة المدنية: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وقال في سورة الأنعام المكية : (( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) / بل ذكر في سورة هود أن الغاية من خلق السموات والأرض هو الابتلاء : (( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ - وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ- لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) / وقال في سورة الكهف المكية (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) / وفي سورة الملك المكية (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) وغير ذلك من الآيات.
إذن فالابتلاء غاية من غايات خلق السموات والأرض والإنسان، وهي الغاية الأولى، التي يترتب عليها التكليف، إذ لولا إرادة الله للابتلاء لما كلف المكلفين، ولجبلهم على الطاعة كما جبل الحيوان والنبات والجماد على التسبيح له، ثم التكليف ينبني عليه الحرية، حرية الاختيار،، فلا ابتلاء في حق غير المكلف من حيوان ونبات وجماد وإنما هم مجبولون على أداء وظائف معينة، وكذا لا ابتلاء في حق المجنون والصغير والنائم لغياب موطن التكليف ألا وهو العقل ، فالابتلاء لا يكون إلا في حق من يمتلك حق الاختيار، ومن هنا تأتي مقدمات النجاح في الابتلاء وهو حسن استخدام الحواس فهي المفتاح الأساس لتحقيق الهدف من الابتلاء ويتوقف عليه الهدى أو الضلال، أعني يتوقف على توظيف الحواس، فمن أساء توظيف الحواس فعطلها أو تبرع بها لرأي عام أو قبيلة أو عادة ورثها عن الآباء والأجداد فلا يستحق إلا الضلال فيكون قد أضل نفسه، لأنه أغلق أبوابها الإبتدائية بنفسه، ومن سمع وأبصر ( أحسن توظيف نعم الحواس) دلته – بتوفيق الله- على الهداية، وهذا المعنى موسع في القرآن الكريم.
إذن فالآيات الكريمة السابقة وأمثالها تقرر أن الابتلاء – ابتلاء المكلفين- غاية كبرى من غايات خلق السموات والأرض والإنسان، ولكن الابتلاء مراحل وليست مرحلة واحدة، مرحلة الحواس ثم العقل والقلب ثم الإيمان، وأعظم الابتلاء بعد تجاوز مرحلة الحواس هو الابتلاء في أعظم نعمة وهبها الله للإنسان المكلف ألا وهو العقل، فالعقل هو الفارق الجوهري بينه وبين سائر الأصناف الأخرى من حيوان ونبات وجمادات.
وقد ربط الله بين الابتلائين في عدة آيات من باب أن الحواس أول العقل، مثل قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) وقال : ( فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) فالذي لا يسمع البرهان ولا يرى الحجج يكون قد أغلق منافذ العقل، لأنه لا مدخل للعقل إلا عن طريق الحواس ، ، والابتلاء للعقل ومنافذه متقدم على التكليف بما يشمله من اتباع للأوامر واجتناب المناهي، أي من عدل وإيمان وعبادة وتقوى ..الخ، هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ لأن كل مكلف محل للابتلاء بمشيئة كونية قدرية، آمن أو لم يؤمن، عبد الله أو عبد الأصنام، علم بالإسلام أم لم يعلم، بلغته الحجة أو لم تبلغه .. كل مبتلى على قدر ما سمع وما أبصر وما عقل، فقد يكون هناك أقوام لم يسمعوا بدين قط، لكن العاقل منهم يذم مساويء الأخلاق من ظلم وكذب وسرقة ..الخ إذن فهو مبتلى في ما عقله حتى ولو لم تبلغه رسالة، لأن ما وصله من الحث على محاسن الأخلاق وذم مساوئها يكون قد وصله من بقايا النبوات من باب : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر]، فكل هداية في الدنيا فمصدرها من الله، إما من بقايا نبوة وكتاب أو هداية عقل وضمير.
ثم الغاية الثانية هي العدل:
من غايات الله في بعث الرسل وإنزال الكتب هو العدل وهي غاية قبل الإيمان والعبادة لما سبق أن ذكرنا ولما سيأتي، فقال تعالى في سورة الحديد المدنية: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .. الآية (25 من سورة الحديد)، فهنا يخبر الله أن من الغايات الكبرى التي من أجلها بعث الله الرسل وأنزل الكتب هو أن يقوم الناس بالقسط، ومنها ما سبق من كون العقل حجة في ذم الرذائل الإنسانية المعروفة، فكل أمم الأرض قبل الإسلام وبعده تذم الظلم وتمدح العدل، بل حتى الظالمين يذمون الظلم ولو نظرياً ويمدحون العدل ولو نظرياً، ففطرية العدل مقدمة على فطرية الإيمان، ولما أتى الإسلام جعل الإيمان اختيارياً وجعل العدل لزاماً ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) بينما لم يجعل العدل اختيارياً، أي لم يقل ( فمن شاء فليعدل ومن شاء فليظلم) ولم يعلل أو يقرر حرية العدل والظلم كما قرر حرية الإيمان والكفر.
الغاية الثالثة : الإيمان:
رأينا أنه في الغاية الأولى ( الابتلاء) هي واقعة اضطراراً وقدراً، وقد علل الله بها سبب خلق السموات والأرض والإنسان، ورأينا أن الغاية الثانية (العدل) قد علل الله بها إنزال الكتب وإرسال الرسل، وقد قدمناها على غاية الإيمان لأنه لا خيار بين العدل والظلم، ولا حرية للظالم أن يظلم بل هو ملزم بالعدل – والظلم هنا الظلم الحقوقي أو الاعتداء المباشر- بينما الإيمان اختياري (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
وقضية الإيمان قضية مركزية في الرسالات السماوية، والإيمان عدة قضايا تتفاوت من حيث الأهمية – وكل على أهمية كبيرة- ولكن أهم قضايا الإيمان أمران، الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو أهم من الإيمان بالرسل والكتب والملائكة، لأن الذي يؤمن بالله ويعرفه، يكون بحسب معرفته بالله أقوى على تحمل الابتلاء والاستعداد له، لأنه يعرف أنه يضحي ويصبر ليحصل على رضا الواحد الأحد الذي ابتلاه ورآه أهلاً للاختبار، وكذلك من آمن باليوم الآخر يعرف أن عمله في الدنيا لن يترك سدى، وأن هذه الدنيا دار عبور وأنها لا تستحق الوقوف عندها كثيراً وأن الدار الآخرة هي المثوى الأبدي الذي يجب العمل له والذي سيكون فيه التعويض الأوفى عن كل مظلمة لحقته أو صديق فقده أو مكانة تبوأها، ففي الآخرة العزاء الكافي عن كل مفقود في الدنيا من المعنويات والمحسوسات ، فالإيمان بلا شك من أكبر دلائل النجاح في الابتلاء، ومن مثبتتات العدالة ومحفزات الفضيلة، فالدنيا لا تستحق من الإنسان أن يضحي فيها بضميره وصدقه وشهادته لله ونصرته للعدالة ..الخ، وهذه الأمور تكلف الإنسان كثيراً من الخسائر الدنيوية، ولكن إذا عرف المبتلى بأن الله بهذا الابتلاء إنما ابتلاه حباً له وثقة به وربما ليباهي به ملائكته ..الخ، زاده هذا إيماناً وعزماً وتشبثاً بالله الواحد الأحد، وأن ولذلك نجد الله عز وجل يخصص الإيمان بالله واليوم الآخر ويفضلها على كثير من مسائل الإيمان الأخرى حتى الإيمان بالرسل والكتب المنزلة، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة/62] فهنا لم يتحدث الله عن الأنبياء والكتب المنزلة والملائكة لأسباب، أولها لأن كل ملة من هذه الملل لا تؤمن بأنبياء الملة الأخرى ولا كتبهم باستثناء المسلمين، فألزمهم بالحد الأدنى والأهم ( الإيمان بالله واليوم الآخر) فإذا عملوا صالحاً ( وهو الأخلاق العالمية من عدل وصدق وبر..) فقد تحققت نجاتهم، وكذلك قوله تعالى في حق أهل الكتاب : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) [آل عمران].
ولكن الواقع السياسي أراد أن يحصر النجاة بدين ثم بمذهب من سبعين مذهباً وهو مذهب السلطة، كما في الحديث الذي رواه معاوية: (قال النبي صلى الله عليه و سلم : إن أهل الكتاب تفرقوا في دينهم على اثنتين و سبعين ملة و تفترق هذه الأمة على ثلاث و سبعين كلها في النار إلا واحدة و هي الجماعة) ! وتبع العلماء سلطتهم في هذه العقيدة فقال ابن تيمية في شرح العقيدة الواسطية - ( 360) : ( أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ؛ كُلُّهَا فِي النَّارِ ؛ إِلَّا وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)! ثم يحصر أهل الجماعة بأمور كلامية وخلافية ..الخ
هذا هو الأثر السياسي القديم الذي يسير عليه الواقع المذهبي، فتسير الأجيال خلف ما كتبه الأسلاف، وينقل الأسلاف ما رواه السلاطين، وكتاب الله في الحالتين غير حجة! ولا يلتفت إلى مثل الآية السابقة، وإنما ينشغل المسلمون في طريق عمرو بن شعيب أو صفوان بن عمرو ال *** كي، وهؤلاء إنما رووا ما بثه قصاص السلطة ورواتهم، وأصبح الناس يتدينون بما وضعه السلطان ويعرضون عما نطق به القرآن، وهنا نجح مكر الشيطان، وأبلغ مكره أن يظن المسلم أنه عدوه وهو ينطق بلسانه، فاللهم عونك على بيان شرعك، واعصمنا من الشيطان وذويه.
إذن فالأيمان على محوريته إلا أنه مسائل بعضها أهم من بعض، وكلها من كبار ما أوجبه الله، ولكنه مع هذا كله لا إكراه في الدين، ومن هنا قلنا أن العدل مقدم في المطلبية على الإيمان، والإيمان مقدم على العبادة، والعبادة شاحنة للإيمان، كما أن الإيمان عامل شاحن للعدالة ، والعدالة اختيار موفق للابتلاء.. من هنا عمل الواقع السياسي على تغفيل البشر وصرفهم عن الترتيب لهذه الغايات لما يترتب عليها من كشف للخلل السياسي والثقافي، وبالتالي العمل الجاد على إصلاح الوضع، فتم صرف الناس إلى العبادة المحضة الجامدة التي تغفل عن وظيفتها في شحن الإيمان الذي ينتقل إلى الواقع العملي من توظيف قدرات الإنسان العقلية والعملية والروحية في زرع الفضيلة والإبداع وإنمائها على الأرض، لكون استخلاف الله للإنسان على الأرض واستعماره فيها، وهذه الغايات الأربع فيها حديث طويل لا يتسع له المقام هنا، وللأمانة لم أجد أحداً من قبل رتب هذا الترتيب، وجل الدراسات المعاصرة يستجيب لمسألة العدل فقط تجاوباً مع لغة العصر، أما أن يقرر معنى الابتلاء المتدرج من الحواس إلى العقل والضمير إلى ثمرة ذلك فلم أجد من أشار إليه فضلاً عن بحثه وتقريره، مع أن القرآن الكريم ناطق بهذا الترتيب، ولكن يحتاج للتدبر لولا أقفال التقليد والعوائد وضغط الواقع الفكري والسياسي (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟.
ثم الغاية الرابعة : هي العبادة :
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات]
والغاية العبادية لا تتناقض مع غاية الابتلاء ولا العدل ولا الإيمان، فمن لا يعبد إلا الله يكون قد مر بمراحل الابتلاء والإيمان والعدل، والعبادة هنا أشمل من الصلاة والزكاة والصوم والحج.. فالعبادة ألا تتخذ مع الله إلهاً آخر، لا صنماً ولا شيخاً ولا عادة ولا مذهباً..الخ، فمن فعل هذا فقد عبد الله ومن لم يفعل هذا فلا أدري هل عبادة الله تتفق مع التعبد بظلم الناس والركون إلى الظلمة أم لا؟ سياق الآيات يدل على شمولية العبادة كما في قوله تعالى : (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)، فمن عطل العقل لفتوى أو عقيدة، أو قتل الأبرياء لفتوى أو عقيدة، أو ظلم الناس لفتوى أو عقيدة، أو أكل أموال الناس لفتوى، أو عطل سمعه وبصره وأعرض عن آيات الله النيرات لفتوى أو عقيدة أو شيخ.. هل يختلف عن الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أم لا؟ والجواب: لا، اللهم إلا إن كان في مستوى عقلي ضعيف يرفع عنه التكليف العقلي والقلبي والبصري والسمعي، فهذا أمر يعرفه الله وحده، فالله هو الذي يعلم من يستطيع أن يعبده وحده ومن لا يستطيع إلا أن يعبده إلا مع غيره، كل القرآن الكريم قائم على هذا المبدأ والمنطلق، فمن شاء فلينظر ومن شاء فليعرض.
* بقلم : الشيخ حسن بن فرحان المالكي - الرياض
* مفكر وباحث تاريخي مهتم بشئون حقوق الإنسان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.