إعلان حوثي خطير بشأن الهدنة والمعركة الفاصلة    قتلى وجرحى جراء حرائق الغابات بالجزائر    تونسي يبتكر حذاء ذكيا لشحن الهواتف المحمولة    11 لاعبًا يحق لهم الرحيل مجاناً فى صيف 2023 بأوروبا.. ونجم عربي فى المقدمة    رفع أكثر من 17 ألف طن من المخلفات في إب منذ بداية الشهر الجاري    إذا لاحظت هذه العلامة وأنت تصعد على الدرج فأنت مصاب بنقص فيتامين " د "    نصر الحصن بطلا لدوري أشبال الجنوب لمجلس الفرق الشعبية بديس المكلا    احذر .. علامات تحذيرة صامتة تكشف ارتفاع نسبة السكر في الدم    سلطات عدن توقف بث شركة "يو" العمانية اليمنية التي باعتها ام تي ان    مشروع قانون لحظر وتجريم الاعتراف بكيان العدو الصهيوني والتطبيع معه أمام برلمان صنعاء و"يمنات" ينفرد بنشر نصه    الإعلان رسميًا عن عودة المفاوضات بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي إلى نقطة الصفر    الترجي بطلا للدوري التونسي لكرة القدم    غلطة سراي يسعى إلى التعاقد مع النجم التشيلي أرتورو فيدال    الح وثي يرتكب عيباً أسوداً..شاهد قبائل تهامة تخرج عن بكرة أبيها وتعلن النفير العام في وقفه مسلحة - توعدت المليشيات بالثأر لأعراض أبناء تهامة وشرفهم    مليشيا الحوثي تشن عمليتين هجوميتين على مأرب من محورين.. والجيش يصدر بيانا عسكريا    انكماش الصناعة يضاعف البطالة في اليمن    لاتتجاهلها اطلاقا .. الشد "العضلي" في بعض المناطق هذه قد يدل على ارتفاع "الكوليسترول" تعرف عليه !    الحكومة تندد باستمرار إخفاء "انتصار الحمادي" وتدعو إلى إدانة الجرائم الحوثية بحق اليمنيات    الأمن السعودي يعلن إلقاء القبض على شخص بحوزته كمية كبيرة من "القات"    شاهد كيف ظهر قائد ألوية اليمن السعيد البقماء بعد عملية اغتياله.. (صورة)    انخفاض الديون الخارجية للصين 1 بالمائة في الربع الأول من العام 2022    يحدث في منتصف الشهر القادم.. الحكومة الشرعية تعلن أسوأ خبر للشعب اليمني    إعلان غير سار من برنامج الغذاء العالمي بشأن مساعداته للمستفيدين في اليمن    PSG يسعى للإحتفاظ بأيقونة الفريق ايمن كاري    تحديث جديد لأسعار صرف الدولار والريال السعودي باليمن    أول "دولة عربية" : تمنع تعدد الزوجات الا بهذه الشروط التعجيزية التي ينفذها "الزوج".. تعرف عليها لن تتوقعها ماهيا ؟ !    لن تصدق .. أغرب من الخيال مواطن "سعودي" ذهب لخطبة فتاة وبعد عامين تفاجأ بما فعله جاره إمام المسجد مع أهلها لمدة 6 أشهر ؟!    شرطة جدة تطيح بعصابة من المقيمين اليمنيين المخالفين    10 ملاحظات بخصوص الحملة الناقدة للمنظمات النسوية والمدنية    كيف نفهم حرب مصر في اليمن؟    كارثة تهدد المنطقة.. رئيس البرلمان العربي يُحذر من تأخير إنقاذ خزان صافر    بتوجيهات من عبدالملك الحوثي.. صنعاء تشهد تنكيل بالقبائل والأخير يغضب ويستدعي مقاتليه من الجبهات    شاهد..أصغر عقيد ركن متواجد في صفوف الحوثيين ..(صورة)    الصحة العالمية: تفشي جدري القردة لا يشكل في الوقت الراهن حالة طوارئ صحية عالمية    العسومي يُحذر من تأخير إنقاذ خزان صافر..وأن هناك اكبر كارثة تهدد المنطقة    تدشين مشروع ترميم الجامع الكبير في الدريهمي    أمانة المسؤولية    إتلاف أكثر 28 طن حشيش ومليوني حبة كبتاجون بأمانة العاصمة    الحديدة.. اختتام أنشطة وفعاليات المدارس الصيفية في المربع الشمالي    تصريح " إيراني " جديد بشأن اليمن    في 12 محافظة.. الحكومة الشرعية تعلن الاستعداد لتنفيذ حملة صحية ابتداءً من يوم غد الإثنين    إلى أي مدى شاركت في إسقاط الدولة اليمنية والجمهورية وإشاعة كل هذا الخراب؟    التكافل الاجتماعي ودوره في تماسك المجتمع    في حلقة نقاشية حول انتهاكات النظام السعودي لحقوق المغتربين اليمنيين    فاجعة جديدة .. مقتل مغترب يمني على يد زوجته بعد أيام من عودته من السعودية (صورة)    أمطار غزيرة ومتفاوتة الشدة على 16 محافظة يمنية    "عمهم" يتصدر ويكتسح مواقع التواصل قبل طرحه في عيد الأضحى    فتاة يمنية تفوز بعرض لوحتها الفنية على جدار الكونغرس الأمريكي لمدة عام كامل.. شاهد ماذا كتبت عليها    قرعة كأس العرب تضع المنتخب اليمني للشباب في مجموعة الإمارات والأردن    البدعة الملغومة    إعلان رسمي بشأن أنباء عن انقلاب حافلة حجاج يمنيين    قليل مما تعكسه نظارة 'محمد حسين هيثم "    5000 منزل في صنعاء القديمة بحاجة للترميم    قلعة شمر يهرعش بمدينة رداع    وكيل كريستيانو رونالدو يعرضه على تشيلسي    فاكهة تساهم في تقليل مخاطر السمنة ومرض السكري    مكتب شؤون الحجاج يعلن الانتهاء من إصدار جميع تأشيرات حجاج اليمن    اليمن يبحث عن تاريخه في السوق السوداء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ارشيف الذاكرة .. فقر وبؤس وعيد غير سعيد
نشر في يمنات يوم 18 - 02 - 2020


أحمد سيف حاشد
فقر وبؤس
كان سكان أريافنا فقراء، شبه معدمون، يعيشون شظف العيش و بؤس الحال، يكابدون و يكدحون من فجر الله حتى مغيب الشمس من أجل لقمة عيش كريمة، لقمة العيش في جبالنا صعبة المنال تدمي القلوب والأظافر.
جبالنا وعرة و شامخة؛ طينها قليل و عزيز؛ الأشجار تغالب الحمى و الظماء؛ و جذور السدر و العوسج و "العسق" تشق طريق صبور في الصخر و الجبل.
الزراعة موسمية؛ أغلب المواسم "تخيب و لا تصيب"، كثير من السحب كاذبة، تبدو و كأنها مثقلة بالغيث، ثم تكتشف بعد ساعات قليلة أنها خادعة لا تحمل غيث و لا مطر؛ مقالب الأقدار كثيرة؛ قليلة هي المواسم التي أوفت و جادت بالمطر من موعد البذر حتى موعد الحصاد.
كان الماء شحيح معظم أيام السنة؛ النسوة يخضن معارك ضروسة و لساعات طوال من أجل جلب الماء من أمكنة بعيدة، المرأة تقضي أحيانا ثلث نهار أو ربع ليل لتظفر بدبة ماء واحدة لا يزيد سعتها عن عشرين لتر، النساء لا يظفرن بالماء أيام النزاف "الجدب" إلا و قد بلغت قلوبهن الحناجر..
كان الجوع يعصر البطون، و حزام الفاقة يضعون تحته حجر، و سوء التغذية رفيق حميم، و الموت طليق يخطف من يشتهي، و أغلب من يخطفهم الموت و يشتهيهم أطفال و صبية و شباب بعمر الزهور..
في مناطقنا كانت تجتمع علينا المخافات الثلاث؛ فقر و مرض و جهل.
كانت أيام عيد الفطر و عيد الأضحى هي أيام فرح العام، و قلما يجد الفرح متسع في غير أيام العيد. أغلب الناس يشترون الثياب الجديدة مرة واحدة في العام، يلبسونها أيام عيد الفطر ثم يحتفظون بها لعيد الأضحى، يرمون عصفورين بحجر واحدة، قليلون هم أولئك الذين بمقدورهم شراء الملابس مرتين في العام.
في أريافنا، كان الصراع من أجل الحياة مرير؛ الحرمان يشبهنا و هو موطننا و فيه نقيم، لا يغيب و لا يُغتب و لا يفارق لكأنه رفيق حميم، أما النادر فلا حكم له.
كان أغلب الناس يأكلون لحم الماشية في عيد الأضحى، و قلة هم من يستطيع أن يأكل لحم الضأن مرتين في العام؛ إن رُمت لأكل صدر دجاجة في غير أيام العيد فما عليك إلا مُلازمة المرض، و حنون يحبك و يهتم بك؛ و أما أنا فكنت لا يروقُني أن تُذبح من أجلي دجاجة حتى و إن بلغت "الصفراء" رأسي و بلغ السل مخ العظام..
عيد غير سعيد
الأطفال و الصبية يفرحون بالعيد إلا أنا، أنا المنكوب بعاثر الحظ، لا يسلم فرحي بالعيد من قدر يفسده و يسِّود صفحته. عيدي هذا العام موجوع بأمي الهاربة عند أهلها من نكد تعاظم و شجار أستمر و زاد عما يحتمل..
عيدي بعيد عن أمي لا طعم له و لا لون، أشعر أن الوحشة و الغربة و الحزن قد سكنوني مجتمعين في أيام يفترض أن تكون بهجة و سروراً و فرحا..
في العيد يتسربل الصبية بالسعادة و لباس العيد؛ ترى الفرح في وجوههم كالعصافير و محياهم نور على نور.
وجوم ليالي العام أو جلّها، ظلمتها، وحشتها، تجهُّمها، رتابتها، وحدها التي تكسره بهجة العيد، تمزقه فرقعات "الطماش" و وميضها .. السرور يغمر المُهج و القلوب .. أما أنا فشأني مُختلف .. لم يفسد هذا العيد غياب أمي فقط، و لكن أفسدته أيضا وشاية ابن جارنا..
في يوم العيد
سبب صغير بحجم حبة خردل كان لدى والدي يكفي أن يشعل حيالي حربا عالمية .. و ما يستفزه أكثر من ذلك أن لا يراني مستجديا لرحمته..
عدم استجداء رحمته كانت تعني بالنسبة له أنني أستفزه و أنتقص من هيبته و هو المهاب..
عدم مناجاة عطفه يعني أنني أتحداه و أثير غيضه و حفيظته .. أمر كهذا لديه بالغ في الجسامة و موغل في التحدي لسلطته و داعي مثير لإعادة اعتباره و مهابته..
إذا ما داعاني لأمر و توانيت فقط في إجابته؛ تجد و كأن الجن تلبسوه، و ركب فوق رأسه ألف عفريت..
حاول قتلي طعنا ب"الجنبية"، و حال المتواجدون من نسوة و رجال و فتية دون قتلي و أخطأتني الطعنة لتصيب ابن عمي "عبده فريد" في يده، بينما كان يحاول منعها من أن تخترق جسدي المُنهك و المثقل بالتعب..
تحول العيد في وجهي إلى احلك من ليل و أكثف من ظلام سرداب سحيق..
هربت من سطوته مائة متر، فيما هو يحاول قتلي بالرصاص تداريت بجذع شجرة "السُقم"، كنت أختلس النظر من محاذاتها فيما كان الاختلاس يستفز أبي و يثير حماقته و حميته كما يثير المصارع الاسباني هيجان ثور خرج للتو من محبسه إلى حلبة مصارعة الثيران و قد أصابه المصارع في طعنة سيف..
العراك على أشده؛ نسوة و رجال يحاولون انتزاع البندقية من أكف أبي فيما هو يصر على محاولة قتلي؛ كنت أسأل نفسي بهلع عما إذا كان بمقدور الرصاص أن ينفذ من جذع الشجرة فيطالني، أعود لأطمئن نفسي إن الجذع قادر على أن يتولى مهمة صد الرصاص..! غير أن الأكثر أماناً أن استفيد من لحظة العراك و ألوذ بهرب سريع..
هربت و الذعر يضاعف سرعتي، كتب الله نجاتي، كما كتب أيضا مزيدا من الخيبات و العذاب..
تمرد يليق بك
ربما أهدأ قليلا في فسحة لا تطول .. ربما أنتزع استراحة محارب .. ربما أنحني للعاصفة حتى تمر .. و لكن لا استطيع أن أموت بصمت دون ضجيج .. عندما يريدون صمتي أمام المظالم، لا أستطيع أن أموت مكبودا أو مختنق..
لا أقبل أن يعترشني من يريد امتطائي كالحمار .. قلق التحدّي يجوس داخلي كالأسد في محبسه .. و إن غرقت بالصمت حينا، فالمدى داخلي مكتظ بالضجيج .. جلبة و صخب المعارك حامية تحتدم داخلي، و إن تغطت بوحشة الصمت، فوقت الصمت قصيرا لا يطول .. و لا يستريح ضميري حتى ينتصر..
و إن أصابتني حراب أوغاد، أو لداد الخصوم، فأنا الأسد الجريح .. لا أريد غابة لا أكون فيها الملك، و لا اريد أسد يموت في محبس الصمت المسيّج بالحديد .. و إن كان قضاء القدر قد قال فيك فصل الخطاب، فلا بأس للأسد الجريح اطلاق وجعه المحبوس من أعلى العرين، و إن كان جور قد قضاء بأن تذرع المكان في كل وقت كالأسد الحبيس، فاطلق زئيرك في المدى .. ايقظ شعبك النائم بزئير أسد لا يضام .. اطلق صوتك الجلل المهاب .. أكد وجودك الذي لا ينطفئ، و اشعل احتجاجك الذي لا يستكين، و ابلغ العالم أنك لازلت حيا لم تمت..
لدي ضميرا من قلق، و قلقي لا يروق الطغاة .. ضميري ينتصر على الأنا مهما أوغلت .. ضميري ينحاز للحق العظيم .. معاركي حامية في أعماقي و المدى، بين الأنا و الضمير الحي الذي لا يستكين .. في المعارك التي خاض الضمير رحاها، لطالما أنتصر الضمير .. ضميري أولا قبل الجميع، حتى و إن كنتُ فيه أنا .. ضميري يستصعب الصمت الجبان، في وجه ظلم العتاة و طغيان الطغاة .. عالم يموج بالألم الوخيم، و يوغل في التوحش كل يوم..
أشرب الماء بنكهة القرنفل .. و الحياة المملّحة بطعم التمرد .. و الإنجاز الشهي بالتميز، و التفرد باللذاذة .. تمرد على سلطة الأب التي تلغي من الحياة وجود، أو تستبيح كينونتك كما تشتهي .. حرر معالي الوعي من جب الحضانة .. تمرد على وصفات الغباء الجاهزة في المدرسة و الجامعة .. تمرد على الوهم الكبير، حتى لا تعيش مستلبا أو مقهورا ذليل..
إن وجدت الحق، أمسك به واستميت كالغريق .. اقبض عليه باليدين .. عض عليه بأسنانك و النواجذ .. لا تقبل إذعان و إرغام و طغيان .. لا تقبل من يلغي من الوجود وجودك .. لا تخاتل .. لا تساوم .. و لا تنازل عن حقوقك .. و لا تستمرئ الظلم يوما، حتى و إن حُشي بالعسل..
يتبع..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.