اختفاء الزبيدي وغارات على الضالع وتحذير لأبناء عدن    محافظ حضرموت يطلق تهديدات صريحة للسيطرة على يافع    البحر الأحمر: ملتقى الأطماع الصهيونية الغربية (2)    قرار جمهوري بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي في مجلس القيادة لارتكابه الخيانة العظمى وإحالته للتحقيق    رابطة أمهات المختطفين تطالب بسرعة الإفراج عن المخفيين قسرًا في عدن    تل أبيب تحول 47 مليون دولار من المقاصة الفلسطينية لعائلات إسرائيلية    روسيا ترحب بجهود السلطات الفنزويلية "لحماية السيادة الوطنية"    عدن.. التربية والتعليم توضح حقيقة إيقاف المدارس    عدن.. التربية والتعليم توضح حقيقة إيقاف المدارس    تقرير أممي يكشف عدد الاسر النازحة من حضرموت خلال اسبوع    وجوه سقطت إنسانيًا قبل أي شيء    نقاش أممي مصري حول آخر التطورات في اليمن    الجزائر تقصي الكونغو الديمقراطية وتتأهل لربع نهائي كأس إفريقيا    صنعاء.. حكم بإعدام ثلاثة متهمين وتعديل عقوبة رابع    الخارجية تحذر: أي تواجد إسرائيلي في إقليم أرض الصومال هدف لقواتنا    وقفات قبلية مسلحة في السوادية والملاجم والوهبية بالبيضاء إعلانا للجاهزية    الدفاع والأركان تنعيان العالم المجاهد أحمد هادي خاطر    اتحاد الإعلاميين ينظم ورشة تعريفية بميثاق الشرف الإعلامي لمنتسبي الإعلام بوزارة الكهرباء    أتباع دولة صنعموت وبن حبريش.. لعنوا الجنوب بالأمس يستجدون الأمن اليوم تحت أقدام اللصوص    اليمنية تعلن تسيير رحلات مباشرة بين سقطرى وجدة ابتداءً من يوم غد    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإيقاف التعامل مع منشأة صرافة وإعادة التعامل مع أخرى    تحذير علمي: أدوية شائعة للسكري قد تفاقم المرض مع الاستخدام المطول    النفط يتراجع وسط توقعات بزيادة الإنتاج ووفرة المعروض    اجتماع يناقش أوضاع ومخططات المناطق الصناعية في محافظة صنعاء    اللجنة الأمنية في أبين ترحب بمشاركة قوات درع الوطن في حفظ أمن المحافظة    زلزال بقوة 6.2 درجة يضرب غرب اليابان    باحثون يطورون سماعة رأس تتنبأ بنوبات الصرع قبل دقائق من حدوثها    الخارجية اليمنية تشيد بجهود "هاندي كامب" مع انتهاء فترة عملها في البلاد    الحديدة تدشن توزيع أول دفعة من الحصادات الزراعية للجمعيات التعاونية    شعلة في فتحة الخيمة    رسميا : ليام روزينيور يعلن توليه تدريب تشيلسي    الأرصاد يخفض مستوى الإنذار إلى تحذير ويتوقع حدوث صقيع على أجزاء من المرتفعات    الوزير السقطري يتفقد أعمال انتشال السفن الغارقة في ميناء الاصطياد السمكي ويشدد على تسريع وتيرة العمل    لملس والشعيبي يتفقدان سير العملية التعليمية في عدن مع انطلاق الفصل الدراسي الثاني    العمالقة الجنوبية تضبط ربع طن مخدرات قبالة سواحل باب المندب    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "بعد 25 عاماً.. ما باحت به هيفاء"    الحديدة.. ضبط 47 مخالفة تموينية بمديرية باجل    لا يحتفل بالأهداف ولا حتى يرف جفنه!.. سر "التمثال البشري" الذي أذهل الجميع في أمم إفريقيا 2025    كانسيلو يعود إلى برشلونة    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    خسيّت ياقابض قرون المنيحة ** وكلاب صنعاء من لبنها يمصون    فريق الحسيني لحج يفوز على شباب عبس في دوري الدرجة الثانية لكرة القدم    شباب البيضاء يتأهل رسميا إلى الدرجة الأولى بعد فوزه على أهلي تعز    ريال مدريد يحقق فوزاً قوياً على ضيفه ريال بيتيس    70 شاحنة إغاثية سعودية تعبر منفذ الوديعة الحدودي متوجهة إلى اليمن    المقالح.. رحيل بلون الوطن الدامي..!!    نفس الرحمن    المدير التنفيذي للاتحاد اليمني لمنتجي الأدوية، ل 26" سبتمبر : ننتج أكثر من 2150 صنفاً دوائياً ونسعى لتحقيق الأمن الدوائي والاكتفاء الذاتي    صدور رواية "لكنه هو" للأديب أحمد عبدالرحمن مراد    لقاء موسع في العاصمة لتعزيز الهوية الإيمانية    اللجنة الأمنية بعدن: لا قيود على الحركة والنقاط تعمل بتنظيم ومسؤولية    (على ضفاف دمعة)..مجموعة قصصية للكاتبة محضور    مكتب الاقتصاد بالأمانة ينظم فعالية خطابية بمناسبة جمعة رجب    دائما هذا (المغضاف) متطرفا حتى عندما كان اشتراكيا ماركسيا    الأوقاف تعلن تسهيلات استثنائية للحجاج المتعثرين في استخراج الجوازات    خلال 8 أشهر.. تسجيل أكثر من 7300 حالة إصابة بالكوليرا في القاعدة جنوب إب    محمد صلاح يواصل تحطيم الأرقام القياسية في «كأس أمم إفريقيا»    الكتابُ.. ذلكَ المجهول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين تهاوت أركان الدولة...وقف القربي شاهقاً بثبات المبدأ
نشر في يمنات يوم 02 - 06 - 2025


مصطفى بن خالد
قراءة في مسيرة رجلٍ حافظ على اتزانه في زمن التطرّف، وبقي وفياً لوطنٍ أُنهك بخيانات النخب
الدبلوماسي الذي ظل بلون الوطن
طبيبٌ في الأصل، ورجلُ دولة في الجوهر .
تخرّج من بريطانيا طبيباً، لكنه عاد ليُعالج وطناً بأكمله. عُيّن وزيراً للخارجية عام 2001، فبقي لعقدٍ ونصف صوتاً للعقل وسط العواصف .
لم يتورّط في فساد، ولم ينجرّ لصراع .
كان وجه اليمن الهادئ في العالم، ولسانه المتزن في لحظة الانهيار. غادر المنصب كما دخله :
نظيف اليد، واضح الضمير، ثابت الموقف .
واليوم، في زمن الضجيج، يبقى القربي من القلائل الذين يُمكن الاتكاء عليهم حين تسقط الأقنعة.
رجل لا يصرخ، بل يوازن...
ولا يُساوم، بل يُنقذ .
في بلدٍ أنهكته النزاعات وتاهت فيه البوصلة بين العواصف، قلّما يخرج من ركام المشهد صوت لا يصرخ، بل يفكّر .
وبينما تتزاحم على الساحة وجوه متبدلة، وأصوات مرتفعة بلا صدى، يظل الدكتور أبوبكر القربي حالة نادرة، وضرورة وطنية تُذكّرنا بأن السياسة ليست ميدان التهريج والانتهازية، بل فنّ إدارة الممكن وتثبيت العقل وسط جنون اللحظة .
ليس مجرّد أستاذ دكتور بارع أو وزير سابق، ولا مجرّد شخصية دبلوماسية عابرة، بل أحد القلائل الذين جسّدوا معنى رجل الدولة في أعمق وأصدق تجلياته .
لم يبع صوته في أسواق التحالفات الرخيصة، ولم يبدّل وجهه على مرآة الأحداث .
ظلّ صامداً، هادئاً، يقول ما يجب أن يُقال حين يصمت الجميع، ويسكت حين يعلو الضجيج ولا يحمل إلا الخواء .
في زمن تحوّل فيه المنصب إلى بوابة للفساد، والمواقف إلى رصيدٍ في بورصة الولاءات، وقف القربي بصلابة من يعرف أن للوطن قدسية لا تُمس، وللدولة مكانة لا تُساوم .
فكان كما عهدناه :
متّزناً حين تطرفت الألسنة، وطنياً حين تفرّق الجميع على موائد الخارج، وبقي من القلة الذين حافظوا على نبرة الانتماء الخالص، لا إلى حزب، لا إلى طائفة، لا إلى منطقة، بل إلى اليمن الكبير .
في هذا المقال، نعيد قراءة سيرة ومسيرة هذا الرجل، لا من باب المدح أو النوستالجيا، بل من باب الإنصاف الوطني لشخصية تستحق أن تكون نموذجاً لرؤية جديدة تُبنى عليها معالم السلام، لا الانتقام ؛ الدولة، لا المليشيا ؛ المبدأ، لا المصالح .
كان طبيباً يعرف كيف يُشخّص علل الجسد، ثم صار سياسياً يُداوي جراح الأوطان من عمق الوعي لا سطح الشعارات .
وأمام طوفان الأصوات المتصارعة، اختار أبوبكر القربي الصمت الحكيم لا الصخب العابر، والوزن لا الاندفاع، ليُصبح مع الزمن ليس مجرد دبلوماسي في هيئة مسؤول، بل رجل دولة نبت من رحم المعرفة، وتشكّل من ضمير وطنٍ لم يبع صوته في سوق الولاءات .
لم يكن نتاج صدفة، ولا محسوبية، أو متسلقاً على أعمدة المراحل، بل مشروع وطنٍ يسير بخطى واثقة في زمنٍ تتعثر فيه الدول وتضيع الاتجاهات .
لقد أدرك منذ لحظة انخراطه في الشأن العام أن الصراخ لا يصنع دولاً، وأن المناصب لا تخلّد الرجال، فآثر الإصغاء العميق لتضاريس اليمن، لتوازنات الإقليم، ولنبض الناس .
يختار كلماته كما يختار الجراح موضع مشرطه :
بدقة، وهدوء، وإدراك لما بعد القرار .
في زمنٍ تهافتت فيه العناوين، ظل القربي يمشي عكس التيار، لا عناداً بل إيماناً بأن رجل الدولة لا يُقاس بمدى قربه من السلطة، بل بقدرته على أن يكون أكبر من لحظتها، أصدق من رغباتها، وأوفى لما بعد زوالها .
لم يخلع جلده...
فبقي بلون الوطن، لا بلون الغنائم
نعم لم يبهت تحت ضوء السلطة، ولم يتلوّن بلون المصالح، فمنذ لحظة تعيينه وزيراً للخارجية عام 2001، في قلب نظام سياسي بالغ التشابك، وحتى مغادرته للموقع بعد ثورة 2011، ظل أبوبكر القربي حالة فريدة في المشهد اليمني ؛ رجلاً يلبس المنصب لا أن يلبسه، ويحمل المسؤولية لا أن يحملها عنه أحد .
لم يتورط في دهاليز صراعات النفوذ، ولم يظهر أسمه في معارك الغنائم، ولم يكن تابعاً لأي جناح رغم اشتباكه اليومي مع ملفات تمور بتناقضات النظام ومراكز القوى .
في خضمّ سلطة عُرفت بقدرتها على استيعاب الجميع وتوظيف الكلّ، بقي القربي عصيّاً على الترويض .
لم يكن الخصم الصاخب داخل النظام، لكنه أيضاً لم يكن جزءاً من صفقات الظلّ ولا أدوات التجيير .
كان، في نظر كثير من الدبلوماسيين والمراقبين، نقطة الاتزان الوحيدة في طاولة مضطربة، وصوت التهدئة عندما يتصاعد الانقسام داخل البيت الواحد .
لم تُغره أضواء المنصب، ولم تفقده سنوات السلطة وضوح البوصلة .
ظل كما هو :
عقلاً هادئاً في زمن الانفعال، ورجل موقف لا رجل موقع
وخلال سنوات الحروب، وحين سقطت الدولة وتفككت مفاصلها، لم يكن القربي من أولئك الذين ركضوا إلى اصطفافات الخارج أو استثمروا في وجع الداخل، بل آثر البقاء في المسافة التي تحميه من التحزّب والطائفية والمناطقية وتقرّبه من فكرة الوطن .
.
الدولة في خطابه ...
لا في موقعه
في زمنٍ أصبح فيه الخطاب اليمني مرآةً مكسورة تعكس شظايا الانقسام والكراهية، والتبعية للاجنبي، تميّز صوت الدكتور أبوبكر القربي كنغمة نادرة وسط جوقةٍ مبحوحة .
لم يختر الصراخ، ولم يلهث خلف الاصطفافات، بل ظل يغرد – عبر منصته على "تويتر" – بوعي رجل الدولة لا بانفعال المحازب، بلغةٍ تحتكم إلى منطق الوطن
لا إلى شهوة الفصيل، وتخاطب المستقبل لا حسابات اللحظة .
وبينما تمتلئ الساحة بالسجالات العقيمة وبيانات الشتم والتخوين، بدا القربي كمن يكتب من خارج الضوضاء، لكنه عميق الحضور في قلب القضية .
لا يبيع الأمل، لكنه لا يروج لليأس .
يوازن بين الحقيقة والممكن، بين الجرح والحكمة، ليؤكد أن الخطاب السياسي يمكن أن يكون مسؤولاً، راقياً، ووطنياً دون أن يفقد وضوح الموقف أو نقاء الاتجاه .
في كل تغريدة، يبني القربي جسراً صغيراً بين الممزقين، ويعيد التذكير بمعنى الدولة كفكرة جامعة، لا كغنيمة تتقاسمها البنادق .
فكان خطابه علامة فارقة، لا تُمثّل حزباً، بل تُعبّر عن ضمير ناضج لا يزال يؤمن أن اليمن لا يُبنى بالحقد، بل بالحوار، ولا يستعاد بالصراخ، بل بالعودة إلى جذور العقل والرؤية .
السلام لا يُستورد ...
رسالة القربي إلى الجميع
في الوقت الذي ارتضى فيه بعض الساسة والدبلوماسيين أن يكونوا مجرد أذرع لأجندات الخارج، يتنقّلون بين العواصم بحثاً عن دورٍ أو توجيه، ظلّ أبوبكر القربي ثابتاً على الأرضية الصلبة للوطن، يرفض الارتهان، ويُصِر على أن الحل يبدأ من الداخل لا يُملى من الخارج .
لم يساوم على المبدأ، بل انبرى يطرح مبادرات للحوار اليمنياليمني، نابعة من قناعة عميقة بأن الاستقرار لا يُصنع في ممرات السفارات، ولا في مكاتب العواصم البعيدة، بل في قاعات النقاش الوطني الصادق، حين يستعيد اليمنيون ثقتهم بأنفسهم، وبقدرتهم على إعادة بناء وطنهم بأيديهم .
في زمن أصبح فيه الانتماء سلعة، والمواقف تتشكل حسب إتجاه الريح، اختار القربي أن يبقى صوتاً يمنياً خالصاً، عابراً للاستقطابات، صامداً على مبادئ الدولة، ومؤمناً أن السلام الحقيقي لا يُستورد، بل يُصاغ بضميرٍ وطني لا تشتريه المصالح ولا تُغيّره الإملاءات .
مناعة أخلاقية ...
في بيئة العمالة والارتزاق
أن تكون جزءاً من نظامٍ حكم معقّد، ثم تغادره نظيف السجل، خفيف الظلّ على الذاكرة الوطنية، لا تلاحقك ملفات فساد، ولا تُدِينك وثائق نهب، ولا تُعرَف بممارسات استبداد أو تكسّب... فتلك ليست مجرد نجاة شخصية، بل إنجاز أخلاقي نادر في بيئة سياسية موبوءة بالأطماع والصفقات .
هكذا بقي أبوبكر القربي، رغم مرور السنوات، علامة فارقة في ذاكرة اليمنيين :
ليس كموظفٍ في دولة، بل كرجل دولةٍ لم تتلوث روحه بماء المناصب، ولم يتبدّل وجهه حين تغيّرت الوجوه من حوله .
خرج من السلطة كما دخلها :
بكامل مروءته السياسية، ونظافة يديه، ونقاء قناعاته .
وهذا ما لا يقدر عليه كثيرون، خصوصاً حين تكون السلطة مغرية، والمحيط موبوءاً، والطريق مليئاً بالفخاخ .
ولعلّ هذه " المناعة الأخلاقية " هي ما جعلت أسمه باقياً في وجدان الناس كأحد القلائل الذين مارسوا الحكم دون أن يسقطوا في غوايته، وتصدّروا المشهد دون أن يبيعوا أرواحهم في سوق المصالح .
صوت الأمل الأخير في زحام السقوط
لقد مثّل الدكتور أبوبكر القربي حالةً نادرة واستثنائية في مسار السياسة اليمنية الحديثة، تلك السياسة التي أكلت أبناءها قبل أعدائها، واستبدلت القيم بالكراسي، والضمير بالأجندات، والوطن بالولاءات العابرة للحدود .
ظلّ القربي خارج معادلة الفساد رغم قربه من مركز القرار، وخارج حسابات التشظي رغم عُمقه في المشهد .
وفي زمنٍ تهاوى فيه الكثيرون أمام إغراء السلطة أو سطوة الخارج، بقي القربي ثابتاً كإشارة مرور أخلاقية في طريق مليء بالمطبات .
وربما، ما يزال الأمل معقوداً على أمثاله – من القلة الذين لم تنكسر بوصلتهم – ليكونوا جزءاً من مشروع استعادة اليمن :
استعادته من الفوضى، من الانقسام، من العمى السياسي، ومن الإحباط العام .
إن في حضوره المتزن، وخطابه المسؤول، وتاريخه النظيف، ما يكفي ليُبقي شعلة الأمل مضاءة في نفقٍ طويل، ما دام هناك من لا يزال يؤمن أن العقلانية ليست ضعفاً، وأن الوطنية ليست موضة، وأن الدولة ليست وهماً .
لماذا يجب أن نُنصف القربي اليوم ؟
لأن الإنصاف ليس منحة تُعطى، بل مسؤولية تُؤدى .
ولأن الأوطان التي تبحث عن خلاص لا بد أن تلتفت لمن لم يشارك في ذبحها .
نُنصف القربي اليوم، لا مجاملةً ولا حنيناً، بل اعترافاً بقيمة نادرة في زمن اختلطت فيه الأسماء بالملفات، وتساوى فيه الشرفاء بمن خانوا .
نُنصفه لأنه ظلّ أميناً لفكرة الدولة حتى حين خانها الآخرون، ولأنه لم يتكئ على الشعارات، بل حمل الموقف بضمير رجلٍ يعرف الفرق بين الحكم والسلطة، بين الوطن والمكاسب، بين الموقع والمعنى .
في بلدٍ تحوّل إلى جرحٍ مفتوح، تحتاج الذاكرة الجمعية إلى أسماء لم تساهم في تعميق النزيف. والقربي، ببساطة، كان دائماً على الضفة الأخرى :
ضفة العقل، والضمير، والاستقامة. أن تُنصفه، هو أن تقول للناس :
ما زال في السياسة متسع للنزاهة، وفي التاريخ مكانٌ للمواقف النظيفة .
حين يُصبح الثبات عملة نادرة
قد لا يكون الدكتور أبوبكر القربي من أولئك الذين تملأ صورهم العناوين العريضة، أو تُزين أسماؤهم صفحات الصفقات والضجيج السياسي، لكنه – ببساطة – من القلائل الذين يمكن الوثوق بهم حين تسقط الأقنعة وتنكشف الوجوه .
لم يساوم يوماً على وطن، ولم يُبدّل موقفه كما تُبدّل القمصان، بل ظلّ على اتساق نادر بين ما يقول وما يفعل، بين ما يُعلنه للناس وما يضمره لنفسه .
في زمنٍ صار فيه التلوّن مهارة سياسية، اختار القربي الثبات .
وفي ساحةٍ امتلأت بالمتحوّلين، بقي واقفاً على الضفة التي لا يتغيّر فيها المبدأ بتغيّر الرياح .
ولعلّ التاريخ – الذي يُنقّب دوماً عن مناجم الصدق وسط ركام الأحداث – سيحفظ له أنه كان من أولئك القلائل الذين ظلّوا رجالاً للدولة، لا رجالاً على الدولة .
اليمن بحاجة إلى القربي ...
وإلى ما يُشبه القربي
في زمنٍ تضيع فيه الحقيقة وسط الضجيج، وتتعالى فيه الأصوات حتى يكاد الصراخ يُغرق العقل، تبقى اليمن، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى رجالٍ بعقلانية أبوبكر القربي .
بحاجة إلى ذلك الهدوء الذي لا ينهزم، وتلك الاستقلالية التي لا تُشترى ولا تُستعار، بل تُصاغ من معدن الموقف، وتجربة الدولة، وضميرٍ لا يخون .
نحن في زمنٍ امتلأ بالثرثرة السياسية، والتصريحات الجوفاء، والشعارات المعلّبة، في وقتٍ بات الصمت فيه ضرورة وطنية لا دليل عجز .
لكننا لا نبحث عن صمت المترددين، بل عن " الصمت الحكيم " ؛ ذلك الذي يحمي الوطن، ويبني الموقف، ويُنقذ ما يمكن إنقاذه .
فاليمن، الذي أتعبه الشطط، وأرهقته الولاءات العابرة للحدود، لم يعد بحاجة إلى المزيد من الخطب، بل إلى رجالٍ تُشبه القربي :
بعقلٍ يُوازن بين الممكن والواجب، وبضميرٍ لا يساوم، وبصوتٍ لا يصرخ إلا حين يصبح الصمت خيانة .
إن استعادة الدولة تبدأ من استعادة الثقة برجال لم يغيّرهم المنصب، ولم تستهلكهم المعارك، ولم تتلوث أيديهم بخطايا اللحظة .
وأبوبكر القربي، ليس مجرد شاهدٍ على سقوط الدولة، بل من أولئك القلائل الذين ظلوا أوفياء لمفهومها... حتى عندما تخلّى عنها الجميع .
الخلاصة :
حين يكون الاتزان موقفاً ...
ويكون المبدأ هو البوصلة
في مشهدٍ يمنيّ مثخن بالفوضى، وواقعٍ سياسيّ اختلطت فيه الأدوار حتى لم نعد نميز بين الحاكم والمعارض، بين الوطني والانتهازي، يبقى الدكتور أبوبكر القربي أحد الأصوات القليلة التي لم تتورط في الصراخ ولا انجرفت إلى مستنقعات التحريض .
رجلٌ لم يسعَ إلى ضوء الكاميرا، بل ظلّ وفياً لنور الفكرة .
القربي لا يمثل حنين للماضي، بل ضرورة لزمنٍ قادم .
يمثل ما يمكن أن تكون عليه السياسة إذا ما خلعت عباءة المصلحة وارتدت ثوب الدولة .
يمثل رجل المرحلة الهادئة بعد العاصفة، واللاعب الذي لا يسعى للفوز على ركام الوطن، بل لإعادة بنائه من أساسه .
ولأن اليمن لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات ولا نسخاً متكررة من المهرّجين السياسيين، بل إلى رجال يُشبهون القربي – في قدراتهم، في صدقهم، في نظافتهم، في اتزانهم – فإن إنصافه اليوم لا يعني مديحاً شخصياً، بل استدعاءً وطنياً لنموذج يجب أن يُحتذى .
في نهاية المطاف، لا يكتب التاريخ ضجيج الطامعين بالمال المدنّس، ولا شهوة التبعية لسلطةٍ منزوعة الإرادة والسيادة، بل يُنصف أولئك الهادئين الذين أعادوا ترميم جدران الدولة بصمتٍ نزيه، وعقلانية صلبة، وصبرٍ لا يبتغي جزاءً ولا مكسبًا .
بل عن أولئك الذين تمسكوا بثوابت الدولة وهم يشاهدون جدرانها تتشقق .
عن الذين حافظوا على وقار الموقف وسط صخب المتسلقين .
وسيظل أسم الدكتور أبوبكر عبدالله القربي محفوراً في ذاكرة اليمن كأحد أولئك النادرين الذين اختاروا أن يكونوا رجال دولةٍ حقيقيين حين كانت الدولة تنزف، وصمدوا في صمتٍ نبيل، حين كان الصراخ عملة المرحلة .
لم يحتج إلى إدعاء، ولا إلى صفقات، ليكون كما هو :
ضميراً سياسياً نزيهاً، ورمزاً لوطنٍ لا يزال يحلم بالنجاة .
من حائط الكاتب على الفيسبوك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.