تدشين المسابقة الرمضانية لحفاظ القرآن الكريم في إصلاحيات صنعاء    بيان "هزة الضمير": قضية اغتصاب الطفل (ماهر منير) وأمانة العدالة في زبيد    هجوم يستهدف السفارة الأمريكية في الرياض    الفريق الصبيحي يصدر توضيحا بشأن رفع صوره    اعلان اسرائيلي عن هجوم جديد على لبنان    نجوم اليمن أول المتأهلين ويمن هيرتز ينعش حظوظه في مجموعة مشتعلة ببطولة أوسان الرمضانية    عاجل .. انفجارات في السفارة الامريكية بالرياض والسنة الحرائق تتصاعد    وقفات نسائية بمحافظة حجة تضامنا مع الشعب الإيراني    الدوري الاسباني: خيتافي يُسقط ريال مدريد ويقدم هدية لبرشلونة    الاتصالات أول المتأهلين للدور الثاني من بطولة الشهيد الصمَّاد لكرة القدم    لاريجاني: بخلاف أمريكا إيران مستعدة لحرب طويلة الأمد    تدّشين توزيع 2500 سلة غذائية للأسر الأشد فقراً بمحافظة الضالع    إلغاء 5400 رحلة جوية في 7 مطارات خليجية بسبب الحرب    CNN جنوب اليمن يدخل مرحلة سياسية ناشئة وسط تحولات إقليمية واستراتيجية المجلس الانتقالي (وثيقة)    شهر مثقل بالانتهاكات.. جرائم الحوثي بحق اليمنيين في فبراير    إلى أبواق الإخوان: كفّوا عن تشويه الجنوب العربي أو استعدوا لفضحكم التاريخي    بيانات رسمية واتهامات بتمويل خارجي.. الجمعية الوطنية للانتقالي تنفي «انشقاق العشرات» وتؤكد: 5 فقط سقطوا في «محاولة شراء الذمم»    اليمن تؤكد دعمها لموقف دول الخليج وتدين استمرار الهجمات الإيرانية    بشرى سارة للعسكريين.. صرف راتب شهرين ابتداءً من غدٍ الثلاثاء    منتخبا عدن والضالع يفوزان على لحج وتعز في افتتاح بطولة البرنامج السعودي للكرة الطائرة    هجمات إيرانية تستهدف دول الخليج    مجلس الوزراء يوافق على مشروع الموازنة للسنة المالية 2026م    صنعاء اولا.. لحظة الحسم امام الشرعية.    خبير عسكري مصري.. بقاء إيران قوية يمثل مصلحة مباشرة للأمن القومي المصري    النفط يقفز والذهب يرتفع مع تصاعد العدوان على إيران وتعطيل الشحن البحري    مكتب الاتصالات بمحافظة المحويت يُكرم الأجهزة الأمنية لضبط عصابة تخريبية لخدمات الاتصالات    إيران بالدماء الطاهرة تكتب النصر    الجهاد في رمضان    طفل وعينان ممتلئتان بالدموع في روضة شهداء الإعلام    قائد كتائب الوهبي: استشهاد الإمام خامنئي وهو يدير المعركة وسام فخر وتأكيد على وحدة المصير    طوابير السيارات تعود مجددا أمام محطات الوقود في إب    لا قمتوا بواجبكم في الداخل .. ولا انتصرتوا على الخارج    اللعنة لمن أهان الحضارم وأذلّهم: سلطة تتغنى بالأوهام... وحضرموت تُذلّ في طوابير الغاز تحت شمس الإهمال    صائمون وأفطروا على طبق الكرامة في ساحة العزة.. الحلم الوطني أكبر من الجوع والعطش    قرار حظر استيراد الدواجن المجمدة يعيد تشغيل 1500 مزرعة محلية    إفطار جماعي يضم حشودًا كبيرة على ساحل عدن    صنعاء.. وفاة طفلة بسبب خربشة قطة    صنعاء.. وفاة طفلة بسبب خربشة قطة    البتكوين يهوي إلى ما دون 64 ألف دولار عقب قصف إيران    الرياض تعيد تدوير الأموال المنهوبة لإنقاذ حكومة الخونة من الانهيار    الصحة العالمية تحذر من انهيار وشيك للقطاع الصحي في اليمن    الريال مع السيتي...نتائج قرعة ابطال اوروبا    الهجرة الدولية تسجل نزوح 264 شخصا بعدد من المحافظات    تحرير زمام المبادرة !    فقر الدم والصيام: ضوابط طبية وإرشادات غذائية لحماية المرضى    خمسة أدوية شائعة تحت المجهر: تحذيرات من مخاطر صامتة    موعد قرعة ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا    ‫كيف ندير مرض السكري في رمضان؟    النعيمي يشارك في أمسية رمضانية لنادي أهلي صنعاء    بمشاركة 12 فريقا.. اتحاد كرة القدم يسحب قرعة بطولة المريسي بنسختها الثلاثين    بنكسني يا جدع:    السامعي يعزي الدكتور التميمي في وفاة شقيقه    الطب حين يغدو احتواء    جنازة الطين    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "فساد ومقاطعة ورقص"    رجل من أقصى المدينة    وترجّل الفاروق صديق الطفولة والشباب دون وداع    علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عود يا أغلى الحبايب... يا أغنيةً عمرها ثلاثون سنة ولا تزال تشعل قلبي كلما هبّ اسمها في الهواء
نشر في يمنات يوم 11 - 12 - 2025


عبدالوهاب قطران
على غير موعد، أهدتني الحياة عصر اليوم مفاجأة تشبه تلك اللحظات التي لا يهبها القدر إلا لمن أنهكته الأيام،واثقلت قلبه الاحزان ثم أراد أن يربّت على كتفه... جلسة مقيل دافئة بصحبة الفنان الذي ظل صوته يسكن ثلاثين عامًا من ذاكرتي الندية: عبدالغفور الشميري.
قبل حوالي خمسة أشهر، كنا في مقيلٍ يجمعني بالصديق مصطفى راجح واحمد عبدالرحمن وعلي الضبيبي وعبدالكريم الشرعبي وآخرين، نتقلّب بين الأغاني على يوتيوب كما يتقلب القلب بين مواسم الحنين. وما إن ظهرت أغنيته الخالدة "عود يا أغلى الحبايب" حتى توقفت أرواحنا عن الضجيج، وهبط علينا ذلك السحر القديم... السحر الذي كنا نختبره في تسعينات اليمن حين كان الفن أجمل ما في الحياة.
غنّى معنا مصطفى، ثم التفت متفاجئًا من شدة الطرب الذي اجتاحني. فقلت له وأنا أبتسم بوجع الذكرى:
"هذه الأغنية الحزينة تشدّني من أطراف عمري وتعيدني إلى همدان... إلى شابٍ يافعٍ يفلح الأرض، يغرس السفرجل والتفاح والعنب، ويقود الشاص محملة بصناديق العنب إلى سوق مذبح، والمسجّل يصدح بصوت عبدالغفور... ويقلب الطريق بين همدان وصنعاء إلى مهرجان من الأمل."
تداخل علي الضبيبي قائلاً إنهم في ريمة كانوا يعشقونها أيضًا، وأكد أحمد عبدالرحمن انها كانت مسموعة بقوة عندهم في شرعب و أن محمد العلائي أخبره بحضورها في حجة... فاتفقنا جميعًا:
انها كانت ترند اليمن كلّه، عندما كانت اليمن كلها قلبًا واحدًا يوم كان الفن سيدًا فوق كل الفواصل.
وقبل ثلاثة أيام، فتحت الأغنية مجددًا في مقيلي أحمد عبدالرحمن، قال لي ضاحكًا:
"لعل عبدالغفور يشرّفنا قريبًا."
فقلت له:
"لو جاء... سأحضر مقيلك ولو زحفت. اعزمني مش تدعمم"
لم أكن أعرف أن الزمن يخبئ لي مفاجأة لا تحدث إلا مرة في العمر.
اليوم، اتصل بي أحمد وقال:
"استعد... فنانك الكبير سيحضر المقيل."
واشترط –على غير عادته – أن آتي وحدي، "بدون هجانة!" فضحكت وقلت: حاضر.
تغديت، واقتطبتُ، وحملت غصون القات الهمداني، وخرجت من البيت على قدميّ. وفي الطريق، عاد الزمن الجميل يزاحمني خطوةً بخطوة...
تذكرت حقول همدان، وعرقي على الأرض، وعناقيد العنب العاصمي التي أحملها على الشاص إلى صنعاء، والطريق يغني لي... "عود يا أغلى الحبايب" و "كلما جيت أدق الباب قابلني وعدك الكذاب."
غنيت وأنا أمشي... ما زلت أحفظ الكلمات مثلما أحفظ تفاصيل شبابي.
ولمّا طليت على مقيل أحمد، رأيته...
كان هناك، بوجهه الهادئ، بضحكته الطيبة، بالروح التي تشبه أغنياته.
صرخت، دون حساب لأي بروتوكول:
"معقول صاحب عود يا أغلى الحبايب بيننا اليوم؟!"
اه ياليتك دريت ليلة العيد كم بكيت..
اقتربت منه، صافحته بحرارة، فعانقني وقبّل رأسي، وضحك من قلبه... ضحكة فيها طيبة اليمن كلها.
جلسنا حوله، حكينا له عن زمن الأغنية، عن كيف غزت الريف اليمني من شرعب الى همدان إلى ريمة إلى حجة، وكيف كان صوته يرافق الفلاحين والطلاب والمسافرين وأحلام العاشقين.
وجدناه إنسانًا... قبل أن يكون فنانًا.
بسيطًا، عفويًا، خفيف ظل، يضحك كأن الدنيا ما زالت بخير.
كأننا نعرفه منذ ثلاثين سنة.
وحين لمس حبّنا له، ونبشنا لذاكرة اليمن معه، ازداد وجهه بهاءً. حدّثنا عن أيام غربته في جدة حين غنّى "عود يا أغلى الحبايب" لأول مرة.
قلت له:
"اليمن كبير بشعبه... يوحّده الفن، والادب والشعر، والأغنية... قبل أن يفرّقه الساسة الخونة."
وتوقف الزمن.
ثم التقط العود وغنّى... غنّى تلك الأغنية التي تربّت عليها قلوبنا:
عود يا أغلى الحبايب
عود يكفيني عذاب.
راح عمري وانت غايب
واحترق غصن الشباب..
عود حتى ليلتين
عود وامسح دمعتين.
عود وانظر كيف اني
أستقي دمع الأسى.
من رأني لامني
والبكى مني اشتكى.
عود لو صِفْر اليدين
عود كفى غربة ودَين.
طال بعدك عني طال
هل نسيت كل اللي كان؟
هل صحيح يا كل عمري
غيرك عني الزمان؟
أين إخلاصك وفين؟
مات حب العاشقين.
بالذي زانك ليا
بالنبي بالأولياء
لا تَدَعني للظنون
لا تخلخل بالياء.
عود وامسح باليدين
دمع جرح وجنتين.
آه يا ليتك دريّت
ليلة العيد كم بكيت
والحزن كيف هلّني
بعدما قالوا نسيت.
والدموع كم عاتبين
بسمتك بالصُورتين.
كل جيراني وأهلي
يلبسوا للعيد جديد
وأنا في أحضان صدري
منتظر ساع البريد.
ربما في كلمتين
طمنوني: أنت فين؟
كلما قالوا وصل
قلت أكيد هذا الحبيب
ينقلب يأسي أمل
والفرح يسكب سكيب.
بس فرحي لحظتين
والدموع يتساقطين.
غنّينا معه حتى علا تصفيقنا فوق جدران المقيل، وأعادنا صوته إلى أعوام خلت، إلى زمن البراءة، إلى اليمن الذي كان يشبه الأغاني أكثر مما يشبه السياسة.
سألته:
"لِمَ كل هذا الحزن في الأغنية؟"
فقال مبتسمًا بأسى:
"لأننا أدّيناها... انا وقائلها الشاعر العذري ونحن في الغربة بجدة."
وغنّى بعدها "رحلك بعيد ما عادناش لك"، ثم أغاني أخرى جعلت الوقت يتهادى ببطءٍ جميل.
حتى بدا المقيل وكأنه ليلة من ليالي الزمن الذي لم يعد.
سجل الاغاني وبث بعضها بصفحته الصديق مصطفى راجح .
وتردد الصوت في المقيل... وفي أعماقنا.
صفّقنا، طربنا، وانسكبت ثلاثون سنة في لحظة واحدة.
كانت جلسةً من تلك الجلسات التي لا تتكرر...
جلسةٌ من أيام الله.
يومٌ أعاد لي شبابًا مضى، وأثبت لي أن الفن وحده يقدر أن يعيد الإنسان إلى نفسه... ولو لساعة.
انتهى المقيل... لكن روحه لم تنتهِ.
كان يومًا يشبه نعمة، يشبه عطية من السماء... يومًا من ألايام التي لا تعوض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.