سأناقش بهدوء فرضية نهاية الحرب الإيرانية التي بدأت تتشكل ملامحها في ظل الحديث عن تفاهمات أو صفقات محتملة مع الولاياتالمتحدة الأميركية، تُبقي النظام قائمًا مقابل إعادة تموضع استراتيجي وتقديم تنازلات محسوبة. في مثل هذه السيناريوهات، لا تكون المسألة مجرد اتفاق ثنائي، بل إعادة صياغة لدور إقليمي امتد لعقود عبر أدوات نفوذ متعددة. أي صفقة تُبقي النظام بعد غياب المرشد علي خامنئي لن تكون بلا ثمن، وغالبًا ما سينعكس ثقل هذا الثمن على شبكة الحلفاء والأذرع التي شكّلت العمق الحيوي لطهران في المنطقة. إيران بنت نفوذها الإقليمي على مبدأ "تصدير الأزمات" وتوسيع دوائر التأثير غير المباشر عبر قوى محلية تدين لها بالولاء السياسي والعسكري. هذه المقاربة منحتها أوراق ضغط في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وأدخلتها لاعبًا ثابتًا في معادلات الأمن الإقليمي. غير أن أي صفقة كبرى مع واشنطن ستعني بالضرورة إعادة ترتيب الأولويات: تخفيف الاشتباك، تقليص الكلفة، وربما التضحية ببعض الملفات مقابل ضمانات ببقاء النظام واستقراره الداخلي. هنا تحديدًا تظهر هشاشة الأذرع التي اعتادت العمل تحت مظلة دعم مفتوح سياسيًا وماليًا وعسكريًا.
في لبنان، سيكون حزب الله أمام معادلة أكثر تعقيدًا إذا ما تراجع منسوب الدعم أو تغيّر سقف الاشتباك. وفي اليمن، قد يجد أنصار الله أنفسهم في بيئة إقليمية أقل تسامحًا مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب. فالتفاهمات الكبرى غالبًا ما تُعيد تعريف الأدوار، وتحوّل الحلفاء من أدوات توسع إلى أوراق تفاوض. هذا التحول لا يعني بالضرورة انهيارًا فوريًا، لكنه يفتح الباب أمام اختلالات في التوازنات القائمة.
في السياق اليمني تحديدًا، تبرز مسألة "الشرعية" بوصفها الطرف الكسول والانتهازي الذي يفترض أن يقرأ التحولات مبكرًا. إذا كانت طهران متجهة نحو تسوية تحفظ مركز النظام وتقلّص هوامش المغامرة الخارجية، فإن ذلك قد يخلق نافذة سياسية وعسكرية جديدة داخل اليمن. هذه النافذة لا تُقرأ بوصفها دعوة للحسم العسكري المجرد، بل كفرصة لإعادة صياغة ميزان القوى على الأرض مستندة إلى واقع إقليمي متغيّر. امتلاك جيش كبير أو قدرات بشرية لا يكفي بذاته؛ العامل الحاسم هو وحدة القرار، وضبط الأولويات، وتقدير اللحظة الإقليمية بدقة.بدون الجنوب شمالكم حرروه
خروج بعض الأطراف الجنوبية من المشهد أو تراجع دورها يغيّر الحسابات أيضًا. فالتشظي الداخلي كان دائمًا أحد أبرز معوقات أي تقدم حاسم. وإذا كانت التحالفات الإقليمية قد منحت الشرعية غطاءً سياسيًا وعسكريًا في مراحل سابقة، فإن استمرار هذا الغطاء مشروط بفاعلية الأداء والقدرة على ترجمة الدعم إلى نتائج ملموسة. في السياسة، لا مكان طويلًا للأطراف التي لا تُحسن استثمار الفرص. التحالفات تُبنى على المصالح، وإذا غابت الجدوى تراجعت الحماسة.
المعادلة إذن ليست عسكرية بحتة، بل استراتيجية شاملة. أي تحرك نحو صنعاء — سياسيًا أو ميدانيًا — يحتاج إلى قراءة دقيقة للتحولات الدولية، وضمان حد أدنى من التماسك الداخلي، وتقديم خطاب جامع يتجاوز الانقسامات. الشمالية كما أن الرهان على تغير الموقف الإيراني يجب ألا يتحول إلى وهم؛ فالأنظمة حين تعقد صفقات كبرى غالبًا ما تسعى للحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.
في المحصلة، إذا صحّت فرضية الصفقة وبقاء النظام الإيراني ضمن تفاهمات جديدة، فإن الإقليم سيدخل مرحلة إعادة استثمار الفرص ودعوة. القوى التي أحسنت التموضع للاستفادة بدلا من الانتظار دون استعداد ستجد نفسها خارج الحسابات. اليمن، بحساسيته الجيوسياسية وموقعه الاستراتيجي، سيكون أحد ميادين هذا التحول. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الفرصة ستأتي، بل ما إذا كانت الأطراف المعنية مستعدة لاقتناصها حين تتشكل ملامحها بوضوح ، صنعاء أمامكم أما عدن خارج الخدمة مؤقتاً
ا.د أحمد الشاعر باسردة رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering