مصطفى بن خالد في تاريخ الصحافة اليمنية والعربية، لا تُقاس القامات بعدد المناصب التي شغلتها، بل بأثرها المتراكم في الوعي العام، وبما تركته من بصمة أخلاقية ومهنية في زمنٍ كان فيه الانحياز للحقيقة مكلفاً جداً، والوقوف مع الصحفيين فعلَ شجاعة لا وظيفة. من هذه الزاوية، يبرز اسم محبوب علي بوصفه واحداً من آخر جيل الصحفيين -ا لمناضلين؛ أولئك الذين لم يفصلوا بين المهنة والوطن، ولا بين القلم والموقف. صحفي تشكّل مع تحولات الدولة والمجتمع لم يكن محبوب علي صحفياً طارئاً على المشهد، بل إبناً طبيعياً لتحولات اليمن السياسية والفكرية منذ ستينيات القرن الماضي. بدأ العمل الصحفي حينما كان طالباً، وارتبط بصحيفة 14 أكتوبر الرسمية في عدن، حيث عمل في أقسام التحقيقات والتحرير السياسي، في زمن كانت فيه الكلمة تُكتب تحت سقف الخطر، لا تحت مظلة الامتياز، فكان الانتماء للمهنة خياراً واعياً، لا مجرد مسار وظيفي. عمل في الصحافة المكتوبة، وخاض تجربة التحرير والتحقيق والإدارة، قبل أن يتجه إلى العمل النقابي باعتباره الامتداد الطبيعي للدفاع عن الصحفي لا عن الخبر فقط. نقيب لا مدير... وصوت لا وسيط حين تولّى نقابة الصحفيين اليمنيين، لم يتعامل معها كمنصة إدارية، بل ك جبهة مهنية للدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين. في عهده، كانت النقابة حاضرة في القضايا الكبرى: الاعتقالات، المحاكمات، التضييق، ومحاولات ترويض الكلمة. لم يكن محبوب علي نقيب تسويات ناعمة، بل نقيب مواقف محسوبة، يجيد التوازن بين الواقعية السياسية والثبات على المبادئ، وهي معادلة نادرة في العمل النقابي العربي. من المحلي إلى العربي... ثم الدولي انتقاله إلى موقع نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب لم يكن تشريفاً شكلياً، بل اعترافاً عربياً بثقله المهني وخبرته التنظيمية. هناك، مثّل اليمن كدولة صحفية عريقة رغم هشاشة الواقع، وشارك في صياغة مواقف عربية تخص حرية الصحافة في الإقليم. أما في موقعه ك مدير إقليمي لمنظمة الصحافيين العالمية، فقد دخل الفضاء الدولي مسلحاً بخبرة الجنوب العالمي، مدافعاً عن الصحفيين في البيئات الهشة، لا من موقع الخطاب الأخلاقي فقط، بل من فهم عميق لتعقيدات السياسة والإعلام. المستشار الذي لم يفقد استقلاله شغل محبوب علي منصب مستشار رئيس الجمهورية اليمنية للشؤون الإعلامية، وهو موقع بالغ الحساسية، غالباً ما يُفقد شاغله استقلاله المهني. غير أن تجربته اتسمت بقدرٍ واضح من الحفاظ على المسافة الأخلاقية بين السلطة والصحافة، وظل يُنظر إليه كصحفي في موقع استشارة، لا كناطق غير معلن. لماذا لم يُنصف كما يجب؟ لأن زمن الضجيج لا يُنصف أهل التراكم. ولأن الصحافة العربية غالباً ما تحتفي بالصاخب أكثر من المؤسس، وبالحاضر أكثر من من صنعوا شروطه. محبوب علي لم يكن رجل عناوين يومية، بل رجل بنية تحتية مهنية: – بنى نقابة – دافع عن أجيال – ربط الصحافة اليمنية بعمقها العربي والدولي – وترك نموذجاً لصحفي يجمع بين الحكمة، والصلابة، والاتزان. خلاصة: صحفي من الطراز الرفيع إن الحديث عن محبوب علي ليس استذكاراً لشخص، بل استعادة لنموذج صحفي نادر: صحفي يرى في المهنة رسالة، وفي النقابة درعاً، وفي الكلمة مسؤولية وطنية. وإن كان للتاريخ أن يُكتب بإنصاف، فإن محبوب علي يستحق أن يُذكر بوصفه أحد أعمدة الصحافة اليمنية الحديثة، وأحد رجالها الذين عملوا بصمت... فبقي أثرهم عالياً.